الأربعاء، 10 يونيو 2015

بروفيسور “حسن مكي” يقرأ الاوضاع الجديدة لمرحلة مابعد الانتخابات




بعد اكتمال الانتخابات وتشكيل الحكومة، لم  يبق من الحوار الوطنى إلا قضايا نظرية مثل إجازة الدستور
(الاتحادي المسجل) لا وزن له.. والأحزاب الأخرى أحزاب موالاة صنعها دستور “الترابي”
(الحزب الشيوعي) لا يعرف إلا الديمقراطية المركزية والسبب القهر والعمل السري


أدت الانتخابات الى نشوء اوضاع جديدة بالبلاد ، لها مترباتها ، مثلما حسم اجراء الانتخابات  مسائل أخرى ، كانت مثار جدل. وقد ترقب الناس واستقبلوا تكوين الحكومة الجديدة بكثير من الامال والرجاءات المتجددة .المجهر التقت بالبروفسور حسن مكى واجرت معه الحوار التالى ، الذى يوضح من خلاله رؤيته لمآلات الاوضاع فى البلاد ، فى المرحلة الجديدة التى ولجتها البلاد بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وماينعقد علي الاجهزة المنتخبة  من آمال ، وماينتظرها – فى ارض الواقع – من مهام وتحديات، وقدرتها على التعاطى مع تلك التحديات:
{ بروف “حسن مكي”.. كيف تنظر للحكومة الجديدة؟
–    أتصور أنها حققت جزئياً رغبة التغيير داخل المؤتمر الوطني، خصوصاً بالنسبة لقطاع الشباب.. لكن طبعاً.. ستظل الأسئلة تثار حول ضعف تمثيل دارفور على الأخص في رئاسة الجمهورية.
–    لكن ذلك يمكن أن يعالج لأن الناس يقولون إن السلطة الإقليمية المسؤول عنها “السيسي” ،سيتم فيها التعويض.
–    لكن السؤال الآخر.. رغم أن الحكومة فيها شخصيات اكتسبت مهارات سياسية كـ”غندور” مثلاً والذي جاء من الحزب وجاء برصيد من الخبرات السياسية، دائماً السؤال ، الى اى مدى يستطيع  القيام بالمهام الصعبة في وزارة الخارجية برفع الحصار عن السودان؟!
-لكن السؤال الأصعب من ذلك.. هل هذه الحكومة لديها القدرة على مواجهة القضايا الكبرى مثلاً؟.. الحكومة كلها ، ووزير الصناعة على وجه الخصوص، هل يستطيع أن يضخ العافية في الصناعة السودانية؟ مثلاً صناعة النسيج كلها متوقفة عن العمل في كل السودان في “بورتسودان” وفي مصانع الجزيرة الخمسة، في “الحصاحيصا” و”ود مدني”، وفي الخرطوم خليل عثمان سابقاً، وفي المنطقة الصناعية في “سوبا” وفي “شندي”.
–    مصانع النسيج هذه إذا تمت إعادة الحياة فيها يمكن أن تستوعب (60) ألف وظيفة، إن إنتاج أقطان هذا العام في الجزيرة جيد ولا يتم تصديره.
وما نقوله عن صناعة النسيج قله عن الزيوت وغيرها.
–    وهل يستطيع مثلاً وزير النقل أن يعيد الحياة في (سودانير) والخطوط البحرية.. ليس المطلوب أن تعود (سودانير) لمستوياتها في السبعينات والستينات، ولكن المطلوب أن تصبح في هذه المرحلة في قدرات الخطوط الإثيوبية، وهذا هو المطلوب.
وهل تستطيع هذه الحكومة أن تتحكم في التضخم وانفلات الدولار، وهل يستطيع التعليم العالي أن يرتقي إلى مستوى بالجامعات الإقليمية إلى مستوى الجامعات العالمية كجامعة دارفور والنيل الأزرق وغيرهما من الجامعات الجديدة… وهل تستطيع الإدارة التربوية أن تكون لها مدارس مثل (حنتوب) و(وادي سيدنا) و(خورطقت) وغيرها مجهزة بالمعامل، علماً بأنه الآن لا توجد ولا مدرسة مجهزة بتجهيزات معملية، وكل الدراسة نظرية ولا توجد دراسة تطبيقية.. وهل تستطيع الحكومة مجتمعة أن تحول التعليم النظري ،عديم الفائدة، إلى تعليم مهني وصناعي، بحيث تكون مدارس الصنائع والمهن تمثل (60%) من الدراسة ،دعك من الأوضاع الطاردة للأطباء والمهنيين فالتحديات كبيرة.
{ هذا من ناحية التحديات والمشاكل بروف.. لكن من ناحية أخرى كيف يحكم السودان نفسه؟
–    هذه قضية كبرى.. بحيث تكون هنالك حرية تعبير.. وحرية صحافة.. وحرية مساءلة وشفافية وسيادة قانون وهيبة للقضاء ومواجهة للقضايا العالقة المتعلقة بالفساد والمخدرات.. القضايا الكبرى وليست قضايا التعاطي.
–     مثلاً حكومة الرئيس المصري “السيسي” استطاعت في عام واحد أن تنفذ مشروع قناة السويس الجديدة ،التي ستفتتح في ظرف شهرين، بينما نحن الآن (جسر العزوزاب الدباسين) له (10) سنوات و(جسر سوبا) يدخل عامه الخامس، علماً بأن “كتشنر” قبل (115) عاماً استطاع أن ينجز كوبري عطبرة في (81) يوماً.
–    يبدو لي أن الحكومات المتعاقبة ظلت حكومات تسيير من خلال الكراسي، بينما لم يكن هنالك إنجاز ، باستثناء جهود الصينيين في بناء (سد مروي) وخطوط أنابيب البترول. وكذلك هل تستطيع الحكومة الجديدة أن تعيد الهيبة لمكاتب الحكومة؟
{ … ماذا تقصد  بذلك..؟
–    يعني الآن لاستخراج جواز السفر أو بطاقة إثبات الشخصية يحتاج في المتوسط لأسبوع.. مع مقولات الشبكة (طاشة) وغيرها من الأعذار التي تأكل أوقات الناس وطاقاتهم وتهدر مصالحهم.. ويا للعجب ! اذ استطاعت آلية الحكومة في ثلاثة أيام أن تنجز الانتخابات لسبعة ملايين شخص، وفرت أكثر من (30) مليون بطاقة انتخابية.
–    إذن، لماذا تعجز هذه الحكومة عن إنتاج (ألف) باسبورت يومياً، علماً بأن الطاقة الإنتاجية المطلوبة (10) باسبورت يومياً.
–    لماذا لا يضاف أسطول الانتخابات من الآلات إلى أسطول الجوازات، ويمكن أن تحقق الجوازات دخلاً يصل إلى ملياري جنيه سنوياً (بالجديد)، ويمكن الاستعانة بالخبرة الأجنبية ،لأن  في “اليابان” يكلف استخراج الجواز (4) دقائق فقط وليس اسبوعاً كما هو الحال هنا في السودان.
ولذلك  فان في الشهور المقبلة سنرى جدية وفاعلية هذه الحكومة الجديدة.
{.. كيف تنظر لمستقبل الحوار الوطني في ظل الحكومة الجديدة؟
–    القضية الأكبر والأهم هي قضية (الحوار) ولا أدري إلى أين سينتهي هذا الحوار؟.. وما هي أهدافه بعدما أكملت الحكومة انتخاباتها وأقامت حكومتها لا يبقى من الحوار إلا قضايا نظرية مثل إجازة الدستور.
ولكن هذا لا قيمة له في دولة مثل السودان.
{ لماذا؟
–    لأن التجارب أكدت أنه قد يكون هنالك دستور منمق، ولكنه مجرد حبر على ورق.
{ كيف ذلك؟
–    بمعنى دستور بلا دستورية.
وهذا لن يقدم الحوار خطوة.. ولا أدري ماذا نعني بالحوار. وماذا ينتظر الشعب السوداني من الحوار الوطني.. خصوصاً أن (جدول انتخابات الحكومة) قام على (7) ملايين ناخب من أصل (22) مليون شخص مؤهل.
{ الثلث يعني؟
–    إذن كيف ستتم مخاطبة الـ(15) مليون شخص الذين لم يشاركوا في الانتخابات أصلاً.. وما هي سيناريوهات إيقاف الحرب الأهلية في دارفور وجبال النوبة وأقاصي جنوب النيل الأزرق.
{ الأمر الذي كنت تتوقعه ولم يحدث.. والأمر الذي لم تكن تتوقعه وحدث وفاجأك؟
–    لم أكن أتوقع أي شيء.. ولم أفاجأ بأي شيء.. ولكن عموماً يبدو لي أن التشكيلة أفضل من سابقتها.. والله أعلم.. ولكنني لا أعتقد بأن المشكلة في التشكيلة.
{ إذن  أين تكمن المشكلة ؟
–    المشكلة في طريقة الحكم.
{ كيف؟
–    طريقة الحكم السارية أدت لانهيار هياكل الدولة الأساسية.
{ ما هي؟
–    الخدمة المدنية والخدمة العسكرية والتعليم.. كما أن هنالك مشكلات اجتماعية عميقة مثل عجز الدولة عن خلق الوظائف لمئات الآلاف من الشباب.. الآن بكل أسرة القاسم المشترك هو العطالة حتى على مستوى تخصصات الندرة كالأطباء والمهندسين والمعلمين.. والآن عشرات الآلاف من الخريجين لا يحتاجهم سوق العمل ولا يجدون وظائف.. وحتى الذين يعملون يقبلون بوظائف دنيا كسائقي ركشات وبائعين متجولين وأصحاب أكشاك تمت محاربتهم ويجدون مضايقات لا حصر لها.. تخرج الحليم من طوره.
–    فطريقة الحكم هي نظام الحكم.. أنا أعتقد أن الحكم الرئاسي بطبيعته القابضة لا يصلح للسودان.. فهو ليس كالنظام الرئاسي مثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية.
{ كيف ذلك؟
–    لأن النظام الرئاسي في أمريكا لا يتدخل في الحكم الإقليمي أصلاً.. فالحاكم أقوى من الرئيس في ولايته.. ولا يستطيع الرئيس أن يتدخل في شؤون الولاية أصلاً ولذلك هنالك تراضٍ ورضا عن طبيعة الحكم.. وكذلك فإن المعارضة لها نفس وزن الحكومة.. فالآن الحزب الجمهوري (المعارض) هو الآن أقوى من الحكومة.
–    فإذا جاء نواب جمهوريون من “الكونغرس” للسودان، فإن السفارة الأمريكية هنا بالخرطوم ملزمة باستقبالهم وتنفيذ برنامجهم ومراعاة توجيهاتهم.. على عكس المعارضة عندنا هنا فهي منبوذة.. ومخونة.. ومطاردة.. ومسلط  عليها أفراد الأمن  ولا تستطيع أن تقيم ندوة حتى شاعت النكتة إن أحد أفراد المعارضة سُئل (إن شاء الله عوجة ما في) فقال: (عوجة مافي لكن مرفعين مرة أكلا)، فهو لا يستطيع .أنه نتيجة للإهمال أن المرفعين قد أكل والتهم زوجته.
–    للأسف الشديد نظام الحكم الموجود في السودان لا هو (رئاسي) ولا (برلماني).. الحقيقة فان وضع الحكومة  لاتحسد عليه. والشخص قد لا يلاحظ هيبة الدولة إلا في مطاردة المستضعفين مثل (ستات الشاي) والباعة المتجولين، ولكن يد الحكومة تكون مغلولة كما ضربنا المثل بإنجاز مطلوبات البطاقة الشخصية و(الباسبورتات) وهموم المواطنين، فلنضرب مثالاً بـ”إثيوبيا” رغم أن إثيوبيا أفقر من السودان في الموارد، فلنقارن بين الأداء في مطار (الخرطوم) ومطار (أديس أبابا) وحجم المسافرين.. ولنقارن بين الخطوط الجوية السودانية والخطوط الإثيوبية.. ونقارن بين السدود التي أقامتها الحكومة الإثيوبية والسدود التي أقامتها الحكومة السودانية.
–    فالحكومة الإثيوبية أقامت حوالي (12) سداً لتوليد الكهرباء في حجم (سد مروي).. ولذلك  فان إثيوبيا ستقوم ببيع الكهرباء لـ”السودان” و”كينيا” وفي المستقبل لـ”مصر” بعد إكمال (سد النهضة).
والآن إثيوبيا دخلت في عصر (قطار الأنفاق) والسودان أضاع ميراث “كتشنر” من السكك الحديدية، والآن حتى المستثمرين السودانيين ينقلون صناعتهم واستثماراتهم إلى إثيوبيا.. والخدمة العامة لا تعرف المحسوبية والرشوة، إذاً ماذا بقي من هيبة الدولة للسودان غير المهرجانات والاستقبالات التي لا طائل منها؟
–    فمشكلة نظام الحكم البرلماني هي مشكلة الأحزاب السودانية، فالأحزاب السودانية هي ليست أحزاب ديمقراطية.فهي أحزاب أسر وعوائل.. ولذلك لا تتمتع بالمحاسبة الداخلية.. وتفتقر إلى (المجتمع السياسي)، بمعنى أن تكون فيها نخب سياسية مؤمنة بالمحاسبة السياسية وقادرة على فرض التداول السلمي للسلطة داخل الحزب.. لأن الأحزاب السياسية السودانية مثل حزب (الأمة) هو حزب أسرة المهدي.. والاتحادي الآن هو حزب المراغنة.
{ والحزب الاتحادي المسجل يمكن نقول حزب (آل الدقير)؟
–    لا هذا لا وزن له.والأحزاب الأخرى أحزاب موالاة صنعها دستور “الترابي”.
{ والأخوان المسلمون.. والشيوعيون؟
–    ولكن أهم حركتين  هما حركة الأخوان المسلمين والشيوعيون.. الأول (الإسلاميون) أصبحت أداة حكومية.
{ والثانية.. الحزب الشيوعي؟
–    الحزب الشيوعي لا يعرف إلا الديمقراطية المركزية. و..
{ كيف ذلك؟
–    المرحوم “عبد الخالق محجوب” كان أهم من المؤسسة (الحزب).. وكذلك “محمد إبراهيم نقد”.
{ إلى ماذا ترد ذلك؟
–    وذلك لظروف العمل السري والقهر.. هنالك كذلك فجوة أجيال. فالآن “الترابي” و”الميرغني” و”الصادق المهدي” جميعهم تجاوزوا الثمانين بينما هم لا يعرفون الأحفاد.. والآن السودان هو بلد الأحفاد .وليس بلد الجدود لأن الأحفاد (الشباب) يشكلون (70%) من الشعب السوداني.
–    كان هنالك أمل في المؤتمر الوطني بعد أن أجاز الوثائق الإصلاحية الست ،أن يتحول إلى حزب حقيقي حاكم.. ولكن للأسف تم تحويله إلى (أداة) من أدوات الدولة.. ومجرد سلم للسلطة بلا مبادرات وبلا إبداع وبلا حرية.. ولا قدرة على النقد.. كأنه الوجه الآخر لسلطة الدولة.
–    كيف تنظر الى تشكيل الحكومة الجديدة؟
–    .. أنا أعتقد أن الحكومة يجب أن تقوم على الانسجام والأداء الجماعي وعقلية الفريق مع وجود (الخطة) و(البرنامج) و(المحاسبة).. ولا أدري هل هذه العوامل موجودة أم لا.


المجهر السياسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق