الخميس، 23 يوليو 2015

المفوضية الأوروبية: الأوضاع الإنسانية في السودان تسير (من سيئ إلى أسوأ)

قالت المفوضية الاوروبية، إن الأوضاع الإنسانية في السودان "تسير من سيئ الى أسوأ" وأعلنت عن مساعدات اضافية بمبلغ 4 ملايين دولار لإعانة المتأثرين بالنزاع المسلح والفارين من الحرب في جنوب السودان.
JPEG - 58.4 كيلوبايت
نازحون من شرق دارفور يحملون مساعدات انسانية بعد وصولهم إلى معسكر زمزم في 22 مايو 2013
وقال مفوض الاتحاد الاوروبي للمساعدات الانسانية وادارة الازمات كريستوس ستايليانيدس، طبقا لبيان تلقته (سودان تربيون) الأربعاء، "إن الاتحاد الاوروبي ملتزم بتقديم المساعدة يرغم القيود الخطيرة المفروضة على وصول المساعدات الانسانية".
وأضاف "الوضع الإنساني في السودان يسير من سيئ الى أسوأ، وهناك حوالى 5.4 مليون شخص في دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان بحاجة الى مساعدات منقذة للحياة.. أن العدد المتزايد من اللاجئين الفارين من جنوب السودان يجعل الوضع الهش اكثر صعوبة".
وأعلن بيان المفوضية تقديم دعم إضافي للسودان بقيمة 4 ملايين دولار ليصل حجم المساعدات الاوروبية في البلاد خلال العام الحالي الى 32 مليون دولار، وينتظر أن يوجه الدعم الجديد لمساعدة المتأثرين في مناطق التزاع بالولايات الثلاث بجانب اللاجئين الفارين من دولة جنوب السودان.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كشفت عن ان تمويل خطة الاستجابة لمقابلة إحتياجات مواطني دولة جنوب السودان حتى السابع من يوليو الجاري لا زال يقف عند حدود 17.9 مليون دولار وهو ما يعادل 12% فقط من جملة مبلغ الـ 152.1 مليون دولار المطلوبة لتغطية احتياجات 196 ألف لاجئ من جنوب السودان.
سودان تربيون

(7+7) تعتزم مطالبة البشير بتأجيل إنطلاق الحوار الوطني إلى أكتوبر

تعتزم آلية "7+7" الخاصة بالحوار الوطني في السودان، مطالبة الرئيس عمر البشير الذي ستلتقيه خلال أيام، بتأجيل بدء الحوار الوطني إلى أكتوبر المقبل لإتاحة الفرصة أمام لجان الحوار لمزيد من التحضير، خاصة فيما يلي الاتصال بالأحزاب والحركات الممانعة.
JPEG - 26.2 كيلوبايت
الجلسة المفتاحية للحوار الوطني بقاعة الصداقة يوم الأحد 6 أبريل 2014 ـ "سونا"
وأطلق البشير دعوة للحوار الوطني في يناير 2014، لكن دعوته واجهت تعثرا بعد نفض حزب الأمة يده عنها ورفض الحركات المسلحة وقوى اليسار التجاوب معها من الأساس، إلى جانب انسحاب حركة "الإصلاح الآن" ومنبر السلام العادل لاحقا.
وقال عضو آلية الحوار الوطني عبود جابر لـ "سودان تربيون" الأربعاء، إن لقاء الآلية بالرئيس البشير المرتقب انعقاده خلال أيام سيحدد موعد انطلاق الحوار "لكن آلية (7+7) ترجح انطلاقه في أكتوبر.. يزيد أو ينقص قليلا".
وعزا جابر أسباب تأجيل الحوار الوطني إلى انفاذ التوصيات المتعلقة بتحريك لجان الحوار الوطني خاصة لجنة تهيئة المناخ للحوار حتى تعد برامجها ومطلوباتها، إضافة للجنة الاتصال بالقوى والحركات الممانعة التي سيتيح لها التأجيل التواصل مع الرافضين لضمان أن يكون الحوار شاملا.
وأكد جابر أن مقترح التأجيل تم التوافق عليه داخل آلية "7+7" بطرفيها، أحزاب الحكومة والمعارضة، موضحا أن خارطة الطريق التي تواضعت عليه القوى السياسية المشاركة في الحوار نصت على أن يكون السقف الزمني للعملية 3 أشهر، بلا تمديد إلا لأمر طارئ أو ملح.
ولم يستبعد إجراء اجتماعات تحضيرية أو تنسيقية بين آلية الحوار والقوى الممانعة خارج السودان، شريطة أن يلتئم الحوار داخل البلاد، كما أبدى استعداد الآلية لتبني أي مطلوبات من الممانعين لتهيئة الأجواء للحوار، شريطة أن تكون موضوعية وتصب في صالح العملية.
وكان عضوا في آلية "7+7" قد أعلن هذا الأسبوع أنه من الممكن إدارة ما أسماه "حوار تنسيقي تشاوري تحضيري" مع الأحزاب والحركات الرافضة خارج السودان، تمهيدا لتهيئة الأجواء وانطلاق الحوار من الداخل.
من جانبه أبلغ المسؤول السياسي لحزب العدالة الأصل، عضو آلية الحوار الوطني جمعة بشارة أرور، "سودان تربيون" أن تأجيل انطلاق الحوار الوطني إلى أكتوبر هي مجرد تسريبات وقراءات تقديرية للكيانات المشاركة في العملية.
وأضاف أن موعد انطلاق الحوار لم يحدد حتى يتم تأجيله، مشيرا إلى أن ذلك سيحدد في لقاء الرئيس البشير بآلية الحوار الوطني خلال أيام.
في ذات السياق عدّ عضو مجلس السلطة الإقليمية لدارفور مصطفى نجم البشاري أن تأجيل الحوار الوطني إلى أكتوبر المقبل، "فرصة محمودة إذا قصد منه انتظار الآخرين ولملمة كل الأطراف من أجل الوصول إلى نتائج إيجابية وتحقيق نجاحات".
ودعا البشاري المتحاورين إلى أن يبدأ الحوار بكل الأطراف وحثهم على الصبر أثنائه، قائلا لوكالة السودان للأنباء، إن الحوار يحتاج إلى الحكمة.
ونادى عضو مجلس السلطة الإقليمية لدارفور بضرورة الإجماع على الأجندة والثوابت الوطنية من أجل تحقيق الأهداف المرجوة وبناء السودان واستقراره.
إلى ذلك أعلن المؤتمر الوطني عن لقاءات مكثفة مع الأحزاب والقوى المتحفظة على الحوار الوطني وأكد توفير كافة الضمانات لمشاركة القوى الرافضة للانخراط في عملية الحوار.
وكشف رئيس القطاع السياسي بالحزب مصطفى عثمان إسماعيل عن لقاء يجمع البشير بعضوية آلية (7+7) على مستوى رؤساء الأحزاب خلال أيام، مؤكداً أن "الحوار القادم ليس حوار إسلاميين بل لجميع الناس.. حوار يهدف لحل شامل لقضايا البلاد".
وأوضح إسماعيل للمركز السوداني للخدمات الصحفية، أن أكبر معوق للحوار الوطني هو ارتباط الأحزاب المعارضة بالقوى الخارجية، موضحاً أنها وضعت 14 شرطاً للانضمام لمسيرة الحوار.
ورأى أن الحوار الوطني لا سقف له داعياً الحركات المسلحة والقوى المعارضة بالاحتكام لصوت العقل والانخراط في مسيرة الأمن والسلام بالبلاد.
سودان تربيون

البشير يرأس إجتماعا رفيع المستوى لبحث أزمة الكهرباء وقرار بإعفاء مدير التوزيع

بحث الرئيس عمر البشير بمعية نائبيه ووزراء رئاسة الجمهورية ومدير جهاز الأمن والمخابرات، أزمة التيار الكهربائي مع المسؤولين في وزارات النفط، والكهرباء والموارد المائية ، في إجتماع مطول امتد زهاء الخمس ساعات، بينما أصدر وزير الكهرباء قرارا بإعفاء مدير التوزيع في هيئة الكهرباء وعين خلفا له.
JPEG - 19 كيلوبايت
وزير الكهرباء والموارد المائية معتز موسى
وشهدت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية إنقطاعا في التيار الكهربائي لساعات طويلة، مما خلق حالة من التذمر وسط المواطنين الذين تأثروا أيضا تبعا لذلك بإنقطاع الإمداد المائي.
ودفعت وزارة الموارد المائية للرئيس البشير بوثيقة ترمي لتطوير واستدامة التيار الكهربائي على عدة مراحل، حيث وافق البشير على اعتمادها ووعد بمتابعة مراحل عملها عن كثب.
وأصدر وزير الموارد المائية والكهرباء معتز موسى، الاربعاء قراراً باعفاء مدير شركة توزيع الكهرباء علي عبد الرحمن، وعين مكانه عبد الرحمن حجاج الذي كان يعمل مديراً للتخطيط والمشروعات بالشركة.
وجاء قرار اعفاء مدير شركة توزيع الكهرباء بعد تعيينه وزيراً للشؤون الهندسية في حكومة الولاية الشمالية.
وأرجع معتز موسى العجز في الامداد الكهربائي، إلى عدم استدامة الوقود وتذبذب المياه في النيل و البحيرات الرئيسة في سدي مروي والروصيرص فضلا عن بعض الاشكالات المتعلقة بالاختناقات في شبكة التوزيع والنقل.
وأكد في تصريحات صحفية عقب الاجتماع أن الوزارة وضعت المعالجات التدريجية التي ادت إلى تحسين الامداد بنحو أفضل مما كان عليه سابقا، نافيا وجود برمجة للقطوعات حاليا.
وأوضح معتز موسى أن الوثيقة التي وجدت اهتماما من الرئيس ونوابه قسمت الاعمال إلى مدى قصير لمعالجة العجز في التوليد بأنواعه المختلفة والاختناقات في شبكات النقل والتوزيع للعام ( 2015 - 2016م ) مع استدامة بعض الصيانات وتعزيز التوليد بإضافات اسعافية بجانب خطة متوسطة المدى للاعوام (2017 - 2020 م) ومؤشرات هادية للمرحلة ما بعد العام 2020 م.
وبشأن التوليد في سد مروي قال وزير الموارد المائية " إن الوحدات العشر في السد جاهزة للعمل."
وإستدرك بالقول " الا أن هذه الفترة من كل عام يكون مستوى البحيرة منخفضا جدا وان الأيام العشرة الماضية كان ايراد النهر فيها منخفضا دون المعدل مما يعني انخفاضا كبيرا في القدرة على التوليد وهو امر خارج سيطرة البشر ".
واضاف " الوزارة اعادت ادارة التخزين المائي بالبلاد على نحو منظومة واحدة لتعديل الاوضاع نحو الاحسن في مروي وهو ما يجري هذه الايام ".
واشار إلى أن ازدياد كمية المياه خلال الخريف يجعل حجم المياه امام وخلف السد متقاربا مما يتسبب في انخفاض التوليد مرة اخرى في سد مروي لافتا الى انها ظواهر موسمية لا تتعلق بالأداء في سد مروي بل تؤثر على كافة السدود .
واوضح موسى أن انفصال الجنوب وفقدان البلاد لموارد مهمة من العملة الحرة ادى إلى انخفاض التوليد الحراري إلى ادنى مستوياته مشيرا إلى أن الانتاج الحراري ارتفع من 19 % إلى 40% من الشبكة القومية وتوقع أن يرتفع حجم التوليد الحراري من 900 ميقاواط إلى 1350 ميقاواط العام القادم .
وحول استيراد الكهرباء من اثيوبيا اكد الوزير أن الطلب على الكهرباء في اثيوبيا اصبح عاليا ومن ثم انعدم الاستيراد خلال الشهرين الماضيين مما اثرعلى حجم الامداد لأنه كان جزءا من حسابات الكهرباء .
وحول زيادة اسعار الكهرباء قال وزير الموارد المائية " أعرف امران ، الاول أن الكهرباء تباع الآن بــ 20 % من تكلفتها والناس فيها سواء الغني والفقير والامر الثاني أن رئيس الجمهورية وضع خطا أحمر بعدم المساس بأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة وفي هذا الاطار يتم التداول وسنرى ما يأتي به المستقبل" .
سودان تربيون

الأربعاء، 22 يوليو 2015

عبد الواحد لـ" التغيير": الدولة السودانية هي مؤسسة الكلية الحربية


 وصف رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور الدوله السودانيه بأنها  مؤسسسة الكلية الحربية  وأكد أن اسقاط  عمر البشير لن يحدث التغيير طالما أن المؤسسة العسكرية موجودة ويسيطر عليها الفرد الواحد.
وقال عبد الواحد نور في حوار مع " التغيير الالكترونية " ينشر لاحقا اذا كانت الدفعه في الكلية الحربية تستوعب 300 طالبا حربيا فانهم يقبلون 5 طلاب  من دارفور وكردفان ومثلهم من الشرق والنوبيين , أما البقية فهم من اثنيات محددة، بل  حتى من جغرافيا محددة,".
وأشار نور إلى أن الجنود العاديين هم  ابناء الهامش واغلبهم من كردفان ودارفور وجبال النوبة والنوبيين وهم الذين لم تتوفر لهم فرص التعليم الكافيه وربما فرصهم معدومة تماما في بعض المناطق.
وقال " هذه الدوله لايمكن لها ان تستمر لان الفرد يقرر انابة عن المؤسسة. فاذا تغير البشير او جاء الصادق المهدي وأي شخص يأتي عن هذه المؤسسة لن يغير مادامت هذه المؤسسه موجودة "، وأضاف " هناك استحالة تغيير وستكون هناك استمرارية لهذه الدولة".
ونوه الى ان . حكومة الصادق المهدي هي التي كونت جيش المراحيل بواسطة اللواء فضل الله برمة ناصر وجندوا قبائل معروفه وواشعلوا  بها حروب في جنوب السودان". وشدد " والصادق نفسه من أسس الدفاع الشعبي وتمت الابادات والمآسي التي وقعت في حق الجنوبيين ولم تضع أمامهم سوى فرصة الانفصال".  و وقال "  اذهب لترى مايجري بين المسيرية والدينكا ، وهؤلاء كانوا يتعايشون مع بعضهم البعض فتزاوجوا لان هذه القبائل لديها مصالح مشتركة وتاريخ مشترك و من المؤكد ان بينهم مشاكل كأي مجتمعات اخرى متخلفة, لكنهم يعرفون وسائل وطرق حل هذه الاشكالات".

  متهما الدولة بتسييس الموضوع وخلق عدائيات بسلوك الدوله العنصري وغرس الفتنه بين القبائل". وزاد قائلا "  وجاءت حكومة البشير لتكمل ماتم من قبلهم، ودخلت ودعمت اطرافاً ضد اخرين وسخروا لهم سلاح الدولة حتى يمارسوا الابادة بشكل كامل ". 

نص حوار صحيفة (السفير) اللبنانية مع محمد حسنين هيكل.



(السفير)
بقميص أبيض مفتوح الصدر وبنطال أسود استقبلنا “الأستاذ” متوكئاً على “الووكر” لكسر في ساقه، في الشاليه القائم في منتجع الروّاد على الساحل الشمالي الذي يمتد بامتداد الشاطئ بين الاسكندرية ومرسى مطروح عند الحدود مع ليبيا.
البحر الهادئ فيروزي بسطحه الهادئ يمتع النظر ويغري بالتأمل. قال وهو يلاحظ انبهارنا بالمشهد الجميل: هنا كان الماريشال مونتغمري يقيم مركز قيادته أثناء معركة العلمين خلال الحرب العالمية الثانية.. وكان يبدأ نهاره مع أول شعاع للشمس فيسبح عارياً.
بدأ يستجوبنا عن أحوال لبنان بتفاصيله التي لا تنتهي، وبدأنا نسأله عن أحوال مصر في محاولة لفهم ما يجري فيها من تطورات يختلط فيها القرار السياسي المفرد في غياب المؤسسات التي تحمي هذا القرار بالزخم الشعبي مع الدماء التي يسفحها الإرهاب في نواح عدة من مصر، أخطرها سيناء التي ظلت متروكة لدهور، والتي اتخذها الإرهاب قاعدة خلفية، مسنداً ظهره إلى العدو الإسرائيلي.
وباشرنا الحوار يواكبنا إحساس من يجلس إلى موسوعة: فالتجربة عريضة والثقافة مميزة، والمتابعة دقيقة، والتحليل يستند إلى معلومات تفصيلية تتجاوز الأخبار والمعرفة المباشرة بأصحاب القرار، والذاكرة المميزة التي تحتفظ بشبابها… كل ذلك يحضر مع “الأستاذ” فإذا هو دائرة معارف: يعرف الكثير الكثير من المرجعيات السياسية معرفة مباشرة، ويعرف عن البلاد وأحوالها، لا سيما العربية وبعض الغرب البريطاني والأميركي وبعض الشرق، روسيا أساسا ثم الصين والهند وصولا إلى اندونيسيا، اقتصاداً وثقافة وتوجهات، لهذا كله فهو “الأستاذ”.
وبلغة “البدو” هو العارفة. ذاكرته نضرة، ومعلوماته شاملة، فضلاً عن أنها تستند إلى معرفة مباشرة بأصحاب القرار وصانعي السياسة.. ثم انه متابع دقيق وخزينه المعرفي يسهل عليه تحليل الحاضر واتجاهات الريح، ما يمكّنه من استقراء المستقبل.
يعرف البلاد وحكامها، يعرف نخبها الثقافية والقادة المؤثرين في التوجهات وفي القرار، ثم ان له ذاكرة فيل، فهو نادراً ما ينسى قائداً أو قيادات سبق له أن عرفها، عن قرب، في هذا البلد أو ذاك. يعرف الملوك والرؤساء والأمراء والشيوخ. يعرف قادة مفكرين مؤثرين في الغرب، بريطانيا وأميركا وفرنسا، وفي الشرق. ثم ان له صلات بالنخب، يتابع حركتها ونتاجها الفكري والثقافي حتى اليوم. ويعرف معظم القياديين من الساسة العرب… والأهم انه قارئ نهم ومتميز، تمكنه صلاته بكبريات الصحف العالمية برؤساء تحريرها والكتّاب فيها أن يعرف كثيراً عن الآفاق الثقافية وحركة التجديد فيها.
يعرف مصر كلها، بتاريخها القديم وبصناع تاريخها الحديث، من زعماء أحزاب العهد الملكي والنخب الثقافية، إلى القائد الذي تجاوز معه الراوية إلى موقع الصديق والمستشار ومبلور الأفكار والمفسر والشارح للقرارات، جمال عبد الناصر.
عرف السادات جيداً واختلف معه إلى حد الذهاب إلى السجن، وعرف مبارك إلى حد القطيعة بعدما اكتشف عبثية الحوار معه، وعرف كل من كان له موقع في العهود الثلاثة السابقة على “الميدان”، كما كان يعرف بعض المجلس العسكري. وحاور الإخوان الذين يعتبرونه خصماً. واجتهد في نصح محمد مرسي، فلما يئس ابتعد، ثم انحاز إلى “الميدان” وتفهم أسباب حركة الجيش التي انتهت بتولي المشير عبد الفتاح السيسي قمة السلطة عبر استفتاء شعبي كان محكوم النتائج.
..ولقد ذهبنا إليه للحديث عن إيران، التي عرفها امبراطورية بالشاه وإحدى زوجاته شقيقة الملك فاروق، ورئيس الحكومة الذي قاد عملية تغيير ثوري الدكتور محمد علي مصدق سنة 1951، والذي قاتله الاميركيون والغرب والامبراطور، ولم تتيسر الحماية لهذا الزعيم الشعبي الذي لعب دوراً تاريخياً وصار بطلا وطنيا لا منازع له في شعبيته حين أقدم على تأميم البترول، وواجه الامبراطور والغرب والرأسمالية الإيرانية وأجبر الشاه على التنازل عن كثير من صلاحياته… ثم قاتله الغرب عموماً وتمكنوا من “أسره” ثم تصفيته سياسياً.
كذلك فهو قد واكب الثورة الإسلامية في إيران، فكان بين أوائل من حاوروا الخميني الإمام بمنطق المتفهم والمساند ولكن من موقع عربي… كما عرف الكثير من قيادات الثورة ومن متابعي نهج الخميني بعد رحيله وأبرزهم هاشمي رفسنجاني رئيساً وركناً في قيادة الحكم لفترة طويلة… وما يزال يقرأ التطورات في إيران بعيون عربية.
ربما لكل هذه المعارف اخترنا ان نحاوره حول التطورات الأخيرة، وتحديداً حول اتفاق فيينا وما بعده، ورؤيته لإيران ما بعد هذا التطور، وكيف سيكون موقف الغرب منها وكيف سيتصرف الحكم المصفح بالشعار الثوري في المرحلة الجديدة التي سيقبل فيها الغرب عليها… ثم أين روسيا والصين؟ قبل أن نتوقف أمام محطة العرب وإيران من اليمن إلى لبنان مروراً بالسعودية إلى الخليج.
البداية: أوباما وقدراته..
بدأنا بمحاولة استعادة رأي “الأستاذ” بالرئيس الأميركي باراك أوباما، انطلاقاً من خطابه أمام جامعة القاهرة سنة 2009 ثم الانطباعات التي تكوّنت لديه بعد ولايتين له:
ـ ألم أكن على حق في ما قلته يومها؟ انه خطيب مفوّه، لكن تكوينه ضده، أصوله ولون بشرته، وموقع السود في النظام الأميركي.
بماذا يتحدى أوباما الكونغرس؟ علينا التمييز بين أن يختلف مع الكونغرس ويمارس اللعبة في إطار نصوص معينة أو بين أن يتحدى الكونغرس. أنا لا أراه يتحدى الكونغرس وقد اقتربت ولايته الثانية من نهايتها. سيمر الاتفاق، سيحدث الكونغرس ضجيجاً كبيراً حوله ولكنه يبقى من اختصاص الرئيس وإدارته. لا يمكن في أميركا أن يتم توقيع اتفاق ولو بالحروف الأولى ضد إرادة الكونغرس حيث إن هناك دائما توافقا بين الكونغرس والإدارة في هذه المسائل.
التحدي الوحيد الموجود في المنطقة بالنسبة إلى السياسة الأميركية هو إيران. فالعالم العربي كله كما نرى! وفي تركيا من هم مثل أردوغان لا يُبنى على مواقفهم. هذا هو التحدي الوحيد حيث لن ترضى أميركا عن طيب خاطر بنظام كالنظام الإيراني: أن تقر بوجوده كحقيقة واقعة وهي لا تملك حلاً آخر! ولكنه لن يكون النظام الأفضل بالنسبة إليها.
سحب هيكل نفساً من سيكاره، ثم استأنف كلامه فقال:
ـ لو كان هناك “سلاح اقتصادي” قد يؤذي إيران لكان آذاها في السنوات التي اشتد فيها الحصار الاقتصادي عليها.
هناك أمر جديد حصل نتيجة المفاوضات بين أميركا وإيران وهو أن حاجزاً كبيراً كان قائما بين أوروبا وافريقيا وآسيا وبين إيران قد انكسر من غير محاذير بعد فك الحظر الأميركي. وذلك برغم ان العداء الأميركي لإيران سيستمر. وبعد أن وصلوا الآن إلى نوع من الاتفاق لن تضطر دول كثيرة إلى مراعاة الحظر الأميركي الذي كان قائماً.
توقف عن الكلام لحظات ونظر إلينا يتفحصنا ثم عاد إلى تحليل شخصية أوباما وقدرته على القرار:
ـ لا يمكن أن تأتي بأحد من خارج سياق القوى الحقيقية وتتوقع منه أن يصل إلى التفرد بالقرار. مجيء أوباما هو دليل بحد ذاته على أزمة قرار وأزمة قوى في أميركا، فليس من الطبيعي أن تأتي برئيس “أسود” وبأغلبية الأصوات في الانتخابات.. فالأغلبية هي للبيض (WASP). إذا جئت برئيس من أقلية ضدها تمييز تاريخي ولا تملك مفاتيح القوة ومضطهدة فأنت تريده أن يحقق لك هدفاً. السود حتى هذه اللحظة في أميركا 12ـ 14% وليست لديهم أي من مفاتيح القوة، وهناك تمييز عنصري بحقهم. القوى الحقيقية في أميركا لديها هدف في هذه اللحظة. وبغض النظر عما إذا كان أوباما قد نجح أو فشل فهو لم يحقق الهدف. حتى لو كانت هناك محاولة من قبله بشكل معين فليس معنى ذلك انها قد تنجح. لا أعتقد انه غيّر صورة أميركا كثيراً وهو أمر صعب للغاية بالنسبة له. الذي يغير أميركا هي الصدمات المتوالية في فيتنام وإيران وأماكن أخرى.
تسألني عن الدليل؟ أعطني دليلاً واحداً أن أوباما غيّر سياسة في منطقة ما. نتكلم هنا عن تغيير حقيقي وليس لعبة العلاقات العامة في الشكل (كيف يدخل أوباما ويفتحون له الأبواب ويتراقص في مشيته وهو طويل، ويتكلم بثقة)…
واستنتج “الأستاذ”:
ـ تقدم أميركا نفسها أمام الخارج بوجه آخر يمكن ان يكون مقبولاً في العالم، بأنه ليس لديهم تمييز عنصري ومشاكل إنسانية من هذه الطبيعة. فشلت سياسة الاحتواء الأميركية السابقة. ما غيّر الأوضاع ليس أوباما، بل ما غيرها هو أن كوبا وقفت وإيران وقفت. فلم يصل رئيس في أميركا إلى السدة واتخذ خيارات جديدة وغيّر الأوضاع. بل كان يأتي “الرئيس” ويجد أمامه حقائق مختلفة تسقط خياراته القديمة. يمكن أن نقول إن الحصار الذي كان مفروضا على إيران سيخف. لكن الحرب على النظام في إيران، وإن لم تعد موجودة في الشكل الذي كانت عليه سابقاً، لا زالت مستمرة. والإيرانيون يدركون ذلك. تراهن أميركا على تحولات انفتاحية داخل النظام الإيراني. لكن النظام الإيراني لم يفعل مثل ما فعلناه في مصر حيث قرر السادات ليلاً السفر إلى تل أبيب وركب الطائرة في الصباح فكان ظهر اليوم التالي في مطار بن غوريون. هذا أمر لم يفعله ولن يفعله أحد غيره.
الزيارة الأولى: 1951..
صمت لحظة ثم عاد يستذكر تاريخ علاقته بإيران، قال:
ـ أوّل زيارة لي إلى طهران كانت سنة 1951 أيام مصدّق، وعرفت الشاه وعرفت أشرف (شقيقة الشاه)… ثم عرفت الخميني والخامنئي ورفسنجاني وخاتمي الذي تكرم فزارني في برقاش.
وفي تقديري أن علينا ألا نبالغ في مدى تأثير الاتفاق النووي. هو مهم جداً ولكن أميركا لن تترك العالم كله يجري مباشرة الى إيران بل تريد أن تتصل مع إيران علنا بقدر معلوم لكنها لا تريد لأحد غيرها أن يتصل. ما تمثله إيران هو الطموح المستقل الذي وصل إلى حد المعرفة النووية (وتباعا السلاح النووي)، وهذا غير مقبول من أميركا. هناك فرق بين ان تتعامل لفترة مع حقائق تدرك انه ليس بإمكانك ان تغيرها الآن، ولكن تتعامل معها مع افتراض أنك قد تكون قادراً على تغييرها في مرحلة لاحقة. فلو نجح النموذج الإيراني ورُفع عنه الحصار وتركته ينمو، تكون الخطة قد فشلت. وما تقوم به أميركا اليوم هو انها تشغل إيران الى ان تكون قد استولت بالكامل على سوريا، وتشغل إيران الى ان تكون قد استولت بالكامل على الأردن. العامل النفسي يلعب دوراً وقد بات الجميع يخاف من إيران وفي هذه الحالة تسقط كل التحفظات. والمعركة تدور حالياً في مصر حول ما إذا كان ينبغي الانفتاح على إيران. والرئيس السيسي يستمع ويهتم ولكن هناك محاولات لكي لا يحصل التقارب أو الانفتاح. الدول القوية قد تقوم ببعض الأشياء التي تستسهل أن تقدم عليها هي، ولكن لا تسمح لك أن تفعلها أنت. فهي قد تسمح لبعض الدول التي يمكن ان تسيطر عليها ان تقدم على ذلك، ولكن ان تقوم بها أنت، ثم غيرك، ثم ثالث ورابع وتكر السبحة، فهذا لن يكون مقبولا.
وخلص “الأستاذ” إلى الاستنتاج:
- لم ينتهِ التناقض الإيراني الأميركي ولن ينتهي بوجود هذا النظام في إيران. فإما ان يتغير النظام فيها أو يتم إسقاطه. فأميركا أمام نظام في إيران رافض للهيمنة الأميركية وملاصق لروسيا وللصين، وهو في منطقة وموقع جغرافي يشكل نقطة ارتكاز مشرفة على روسيا والصين وتركيا… يمكن ان تقبل أميركا بترتيبات في هذه اللحظة، ولكن لن ينتهي عداء أميركا مع هذا النظام مهما كان، إلا اذا غيّر النظام طريقته أو غيرت أميركا مطالبها منه. التناقض الحالي بين الاثنين أكبر من ان يحل، ولن توفر أميركا أي قيد تقدر ان تفرضه على تمدد النووي الإيراني. نحن هنا أمام علاقة قوة: هل تستطيع اميركا ان تقبل بقوة في المنطقة قادرة على الانتشار والتأثير خارج حدودها ولا تكون حليفة لها؟… ان التناقض بين الدولتين كبير جدا ويجب ان يغير أحدهما طبيعته. هل ستغير الثورة الإيرانية رأيها في مفهومها للاستقلال؟ ولو تواضعت اميركا قليلا او لو روّضت إيران تنتهي المشكلة. ما نشهده اليوم هو الاستمرار للوضع الذي جاء بعد الثورة الإيرانية، والحيرة بين إمكانية احتواء الثورة وهي ترفض أن تُحتوى، وبين ضربها وهذا أمر لا يقدر عليه أحد ولا يرغب فيه احد، فلا يستطيع أحد ان يتحمل حرباً في هذه الظروف. هناك طرف متمرّد وطرف آخر يريد أن يروّضه وهنا تدخل في صراع دون ان “يمسكوا في هدوم بعض”، وإذا جلسوا إلى الطاولة فهم قد جلسوا لطرح موضوع محدد. هناك دولة محورية بين 5+1 وهي أميركا، فهل تستطيع اميركا ان تقبل في هذه اللحظة نظاماً ثورياً خارجاً على طاعتها ويمارس سياسة مستقلة؟
إيران بعد الاتفاق..
سألنا عما بعد الاتفاق النووي، فقال هيكل:
ـ أميركا لن تقبل بوجود أي نظام في إيران يسمح بوجود دولة قوية. فإيران وتركيا تشكلان قاعدة المواجهة الأميركية الأمامية مع روسيا، بصرف النظر عما إذا كان في روسيا قيصر أو زعيم شيوعي. في العودة إلى التاريخ والجغرافيا، تشكل روسيا خطراً حقيقياً على أوروبا، ويتحسب الأميركيون من روسيا بحد ذاتها وليس من النظام الشيوعي فيها. هزيمة أميركا في إيران ستكون مدوّية، كما كان لوقع سقوط الشاه والعائلة البهلوية، ثم ان فشل أميركا حتى الآن في تطويع الثورة الإيرانية أو استبدالها بنظام آخر يضعها أمام نزاع خطر قد يدخل في مرحلة يقلم فيها الطرفان أظافر بعضهما بعضا، ويصعب على أميركا أن تقبل بنظام قوي في إيران. هذه مسألة في غاية الأهمية.
واستنتج “الأستاذ”:
ـ الاتفاق سيجعل إيران أقل شعوراً بالعزلة. لأن الغرب قد نجح، ولو بالفوضى، في أن يجعل العراق بؤرة عزل لإيران، وسوريا كانت تشكل نقطة ارتكاز لإيران في المنطقة… أما اليوم فإيران وحدها في الإقليم وليس لديها حلفاء طبيعيون لما تمثله الآن، ولا حتى تركيا.
وكان بديهيا أن يستدرك هيكل ليتوقف أمام عنصر مؤثر في التطورات المحتملة، فقال:
ـ أما الحركات والتنظيمات التي تعتمد عليها، فكلها ضعيفة. يشكل “حزب الله” قوة كبيرة في لبنان، ولكن لبنان كله (مع احترامي لكم) له حدود في التأثير، فكيف إذا كانت سوريا مدمرة بهذه الطريقة التي هي عليها اليوم؟ وإذا كان العراق يعيش أو يموت بالطريقة التي نشهدها. نحن أمام مأزق حقيقي، فلا تحمل الناس أكثر مما تطيق. صحيح أن لدى السيد حسن نصر الله إشعاعاً معيناً في لبنان وخارجه، لكن لا تحمّله أكثر مما يطيق، فليست لديه القدرة على التحرك والحركة خارج حدود لبنان. صحيح أن لديه سمعة جيدة، ولكن السمعة لا تشكل بحد ذاتها قوى تقاتل على الأرض. قتال “حزب الله” في سوريا هو للدفاع عن نفسه، وليس في معركة إثبات نفوذ. إذن فهو بحالة دفاع عن النفس في سوريا لأنه مستهدف، فمن يريد أن يضرب إيران اليوم يحاول ان يقص أجنحتها في أي مكان لديها فيه نفوذ. وقتال “حزب الله” هو من أجل بقائه ودفاعا عن نفسه وعما يمثله في لبنان، وهذا ما يؤكد مشروعيته في انه يقاوم، وليس في انه جزء من مشروع إيراني. إيران قد تستفيد من ذلك، وكذلك مصر برغم اننا لا نعترف بذلك: فنحن نستفيد من كل بؤرة مقاومة معطِّلة لتسوية شاملة في لحظة ضعف العالم العربي وتهاويه بهذه الدرجة.
ـ وماذا عن مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق، إذا ما حاولنا استكشاف الآفاق المحتملة؟
قال “الأستاذ”:
ـ ليس صحيحاً أن كل الملفات قد طُويت وتم فتح الملف النووي وحده. لقد فتحت كل الملفات. والموقف الأميركي يهتم بإيران أكثر من اهتمامه بما حولها. إيران مثل مصر، دولة حقيقية وجدت على أرض محددة عبر التاريخ وبقيت في الموقع نفسه دون تغيير، وتحمل في تكوينها حضارة طويلة وقوة. وعندما تكون الطريق إلى إيران مفتوحة، فسيدخل فيها الاميركيون إلى آخر مدى. الشيخ راشد بن مكتوم كان شاطراً في هذه المسألة وكان مستعداً أن يضرب من يحاول الاستهانة بإيران. هناك حقائق في الجغرافيا، فالسعودية تهيمن على الخليج وهناك إيران وتأثير الهند وباكستان، ولكن لإيران التأثير الأكبر في المنطقة.
ثم استدرك فأضاف:
ـ لقد فتحت كل الملفات بين أميركا وإيران، وقد لامسوا المواضيع من دون أن يجدوا لها الحل. كل من لديه مصالح متشابكة يدخل الى المفاوضات وقد وضع أجندة بالمواضيع المطروحة، وهي تتضمن تلك التي لها أولوية في هذه اللحظة.
رأينا العقوبات والحصار في مصر خلال عهد عبد الناصر، وكذلك واجهت كوبا هذا المصير. إيران تتعرض لما تعرضت له كل حركة تمرد في وجه الهيمنة الأميركية. ذلك حصل لعبد الناصر وحصل لكاسترو وللصين وآخرين كثيرين، وإيران تعلمت من تجربة الآخرين ودرست تلك التجارب جيداً، ولن يعيد أحد تجربة ما قام به السادات في مصر فينقلب على ذاته. ونتيجة تجربة السادات وحسني مبارك واضحة أمام الجميع.
واستنتج “الأستاذ”: ـ ليس هناك أقوى من شعب على أرضه مع حضارة مستمرة. الإيرانيون لم يفعلوا سوى أنهم كانوا أنفسهم. هناك حضارة فارسية على هذه الأرض وفي هؤلاء الناس، وهذا ما له قيمة كبيرة. فمصر مثلا وبرغم كل ما أصابها مارست هذا الأمر في فترة ما.
عن مصر وروسيا والسعودية..
ـ وماذا عن مصر؟.. طالما قد استذكرت تجربتها في الماضي؟
ليت هناك رؤية واضحة بالنسبة إلى ما ستكون عليه مصر مستقبلا، ولكنها بدأت تستعيد توازنها حيث ان فترة الفوضى التي سادت في مصر بعد حكم السادات ومبارك قد انتهت. والمصريون اليوم مرهقون بما يواجههم ويتخيلون أن هناك إنقاذاً سيأتي من العالم العربي، لكن لا مفر أمامهم من أن يعتمدوا على أنفسهم.
روسيا كانت قد دخلت في صميم الشرق الأوسط. ولُسعت فيه ودفعت فيه خسائر برغم حسن نياتها، ثم انتكست بعد أن خرجت مصر من المعادلة الإقليمية فيه، والآن تقف سوريا عند باب الخروج.
هناك تناقض، تاريخياً، بين إيران وروسيا، وهناك شك طبيعي روسي. التجربة الشيوعية في روسيا لم تكتمل ولكنها تركت مواريث ثقافية أثرت في أمور كثيرة، ما قام به ستالين وخروشوف أو غورباتشوف أنهم نظروا إلى مطالب روسيا في المنطقة بمقدار قوتها. والصراع التاريخي بين روسيا وإيران طويل جداً وكذلك التداخل بينهما، وصيغ التعايش في ما بينهما لم تعش كثيراً، فالشاه حاول ومن قبله، والروس يرغبون في فترة من غير مشاكل كما يرغبون بسلام مع كل حدودهم (مع أوروبا أو مع الجنوب) لأنهم يشعرون انهم يحتاجون إلى إعادة بناء واسعة جداً، فأحوالهم ليست جيدة. روسيا لا تزال بلد عالم ثالث، وهي غنية بالموارد، وقد دخلت في ثورة صناعية حقيقية، برغم انها “عالم ثالث” ولكنها في أفضل حالات العالم الثالث، ولو أن واحدة من جمهورياتها لديها كل مظاهر العالم الأول ولديها قوة. لو امتلكت إيران مثلاً القنبلة النووية فلن يجعلها ذلك دولة من دول العالم الأول.
انتقلنا إلى الأبعاد العربية لهذا التطور المؤثر دولياً، وكذلك انعكاسها على الجوار الإيراني، فقال هيكل:
ـ في نقاط الارتكاز في المنطقة، باكستان ليست نقطة ارتكاز بل هي نقطة تواجد فقط. فلا يكفي ان تحتل أميركا بلداً ليكون نقطة ارتكاز. نقاط الارتكاز (pivots) في المنطقة هي تركيا إلى حد ما وإيران إلى حد ما والهند إلى حد ما. أما باكستان فلديها مشاكل كثيرة وخطيرة. أما الدول العربية، فمصر مشغولة ولا يوجد هناك تحالف عربي يمكن ان يحل محلها في الدور الذي يمكن ان تلعبه، والسعودية ودول الخليج تتصرف بطريقة متخلفة.
وإذا عدنا إلى أساس الموضوع فالسعودية في أزمة لا أعرف كيف ستكون نهايتها أو كيف ستتطور وكيف ستؤثر على نظام الحكم فيها. أما البدائل فلا بدائل! ولا أحد عنده سلطة تخوله ان يكون البديل. هناك مشكلة حقيقية وهذا هو ما يبقي السعودية.
الجيش يتحكم به هم أمراء الأسرة. هم أذكياء إلى درجة ان الوحدات الرئيسية في الجيش هي بقيادة أمراء. هل هناك من يملك المصداقية المطلوبة؟ لا أدري. كلهم يتساوون ولا أحد يظهر انه البديل، حالة الصراع الموجودة هي مع البرجوازية الناشئة.
عن سوريا والعراق واليمن.. والوضع العربي
وكان بديهيا أن نسأل عن سوريا التي تقلق أوضاعها المضطربة الجميع… فقال هيكل:
ـ سوريا لم تكن مركزاً لدعم بؤر المقاومة في المنطقة بل حاولت أن تفيد منها لمصلحتها. إذا تحدثنا عن مشروع تقسيم في سوريا فذلك يعني اننا نتحدث أيضاً عن مشروع تقسيم في العراق، وتأثيرات ذلك في شبه الجزيرة العربية كبيرة جداً، ولا أظن ان الاميركيين يريدون ذلك. ما يريدونه هو ان يتخلصوا من النظام الحاكم حالياً وان يأتوا بنظام يناسب مصالحهم (وليس مصلحة إيران بطبيعة الحال).
العراق الحالي كان تركيبة جديدة، والقوى التي أنشأته لم تعد تهتم فيه اليوم وتركته لأهله الذين يرغبون في الحفاظ على التماسك الداخلي فيه.
والأكراد المشكلة الأكبر فيه، وهم جادون في محاولتهم لتحقيق مطالبهم فيه بصرف النظر في ما إذا كانت محقة. هناك قاعدة للدولة الكردية وهي موجودة على ارض موجودة، وسيكون في منتهى الصعوبة ان تمنع قيام الدولة. وإذا استطعت ان تمنعها فستلقى مقاومة كبيرة من الأكراد لفترة طويلة. والحقيقة ان للأكراد الحق في ان تكون لهم دولة تمثل قوميتهم بلغتها وعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، ولو تركهم العرب ليقيموا هذه الدولة فسيقاومها آخرون (تركيا وإيران).
واستدرك الأستاذ فقال:
لا أعرف كيف ومتى ستنتهي المصائب التي يقع فيها العالم العربي، والكارثة أن كل ذلك يحدث في اشنغال مصر.
سيغرق السعوديون في مستنقع اليمن. عندما تدخّل عبد الناصر هناك كان يساعد حركة تحرر فيها وليس لديه حدود ملاصقة لها، أما السعوديون فلديهم باستمرار مطالب من اليمن ولقد استولوا على محافظتين فيها. اليمن مرهق وسترهق السعودية حتماً في دخولها في حرب مع اليمن ولكنها حذرة جداً. فالقبائل يعرف بعضها بعضاً جيداً. ولن يتوغل السعوديون في الداخل اليمني سيواصلون الضرب من الخارج. وهم يعرفون المصائب الموجودة هناك.
السعودية ودول الخليج أضعف من أن تشاغب على الاتفاق النووي، ولكن يمكنها أن تشكو الى الأميركيين وتعاتبهم وهم يعتبرون توقيع الاتفاق خيانة لهم. الاماراتيون اتخذوا موقفا ايجابياً حتى الآن. ثم انه علينا ان ننتظر تصرفات هذه الدول وليس مواقفها المعلنة. كلهم يتساوون في الخوف من إيران، وقد قامت دول الخليج بالتحريض على إيران في الفترة الأخيرة والتشكيك في نياتها.
إذا أكملت أية دولة دورة تخصيب اليورانيوم يكون لديها القدرة على صناعة القنبلة النووية خلال 6 أشهر. ما قامت به إيران هي انها تعهدت ألا تطور سلاحاً نووياً وقد امتلكت المعرفة النووية. هناك دول في الخليج (الامارات وقطر) تبرز في محطات معينة أن لها علاقة في تمويل ودعم التكنولوجيا في مجالات مختلفة، ولكن يبقى هناك فرق بين ان تشتري التكنولوجيا وتستخدمها دون القدرة على استيعابها وبين أن تستوعبها.
وخلص هيكل إلى الاستنتاج بعد هذا الاستعراض والمقارنة بين إيران والدول العربية:
ـ الدول هي التي تصنع عقول الحكام وليس العكس لأن المجتمعات هي التي تترك أثراً.
هناك من كان وضعه أسوأ منا وهي ألمانيا، فقد تقسمت ودمرت وتبهدلت بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن كان لدى شعبها نواة الإرادة المستقلة. مشكلتنا في العالم العربي أنك لا تجد بين المسؤولين من لديهم الإرادة لصنع تاريخهم. المنطقة الأغنى هي الخليج، والمنطقة الأهم وهي مصر والشام عندها مشاكل كثيرة، أما المغرب العربي فهو غارق في مشاكله و “زهقان” من المشرق العربي… فأين يبقى الأمل؟ في السودان؟
لقد دخل العالم العربي كله في فراغ. هناك فكرة انهارت وهناك قوى إقليمية ظهرت، لم تظهر لدينا قوة بديلة او فكرة بديلة. ولكي يبادر أحدهم عليه ان يتمتع بإمكانية القبول أو مصداقية القبول، ولا يملك أحد المصداقية المطلوبة في العالم العربي، أبداً. المصداقية تائهة في مكان ما وهي خارج العالم العربي. كلهم يتكلم بكلام جيد ولكن لا أحد منهم يعني ما يقوله، ولا يملك أحداً تشخيصا حقيقيا للمنطقة أو لأحوال العالم من حولها.
في إيران هم قادرون على ان يفهموا ما يجري في العالم ومن حولهم. لقد استطاعت الثورة الإيرانية ان تأخذ ثوابت الثقافة والحضارة الفارسية باستمرار. هناك أمة كانت تتقدم واستمرت في ذلك وكان الانتقال سلساً. وهذا أمر يمكن أن يحدث في بلدين: عندنا هنا في مصر، وفي إيران، وإلى حد ما تركيا طبعا. فهذه أوطان حقيقية والباقي كله يشكل فسيفساء بين أوطان حقيقية.
ـ ومتى تنتهي الفوضى في العالم العربي؟
ـ نحتاج بين 12 إلى 15 سنة.
عن مصر والإخوان وإسرائيل
عدنا إلى المنطقة العربية ومآسيها والتعثرات السياسية الخطيرة، وانكشاف الأنظمة وعجزها ضمن الفراغ السياسي الذي تعيش فيه عن مواجهة “داعش”، واضطرارها إلى طلب النجدة الأميركية. سألنا “الأستاذ”:
ـ لقد ربطت الحديث عن “داعش” بالفراغ، هل هناك خوف على مصر؟
ورد جازماً: لا خوف على مصر. “داعش” لا تعيش في مصر. طبيعة مصر مختلفة. هناك جماعات إرهابية خطرة موازية لداعش لكن التنظيم لم يصل إلى هنا، ولا ينجح “داعش” في مصر. لقد نجح الإخوان مثلا، كحركة محلية. داعش والبغدادي لا أحد يقبل بهما في مصر. حسن البنا ممكن أما البغدادي فلا أحد يقبل به.
سألنا: قلت ان تنظيم الاخوان نشأ، في الأصل، محلياً، لماذا لا يزال مستمرا حتى الآن؟
ـ قوته في انه ورث التنظيمات الصوفية. الطرق الصوفية لها نفوذ قوي في مصر. حسن البنا كان صوفيا، وهو استخدم البنية التحتية للصوفيين. حسن البنا وفي مكتبي في “اخبار اليوم” سلمني البيان ذاته الذي جاء فيه ان المتطرفين في التنظيم ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين. التنظيم (الاخوان) متأثر بالطرق الصوفية ولكن هذا التأثير هو الذي يجعل له جذوراً في مصر. الناس في مصر عندها عشق للدين. وهناك يسار حقيقي في مصر. هناك أحزاب في مصر وعندها برامج سياسية وخصوصا الوفد له برنامج، ويمكن ان يقوم ائتلاف.
مصر تمشي إلى مستقبل ما. أنا أرى أن أحوال مصر لا بأس بها. هناك اقتصاد مأزوم ومرهق جداً. التعليم ليس مدمرا تماما. أنا أخشى من الأحكام المطلقة. التعليم ليس مدمرا الى هذا الحد. التعليم الخصوصي طول عمره موجود. من يأتي بالمعلم الخصوصي هو من طبقة معينة. النظام التعليمي معمول لاستيعاب 6 ملايين واليوم يتم تحميله من 30 إلى 35 مليوناً، من دون تحديثه بذريعة ان نصف علم أفضل من جهل كامل. النصف الجاهل كارثة. أنا أراهن على أنه في التصنيع ليس بالضرورة ان نحتاج الى مستوى علمي معين. الوظائف العامة في الدولة لا تتحمل أكثر من 9 أو 10 ملايين. علينا الاتجاه الى التعليم المهني لغايات واضحة مثل الصناعة والتجارة والسياحة والخدمات. عليك ان تخلق وظيفتك. استنفدنا الوظائف العامة. لازم نسلم ان مصر كلها في ازمة. وهي في مرحلة الانتقال من حال إلى حال. أنت امام بلد لا يزال يدعي انه كويس وهو مفلس.
… وكان لا بد ان نستعيد ما يجسد الواقع المأساوي الذي نعيش. قلنا: لقد كدنا ننسى فلسطين..
ـ فلسطين تجسد تردي الواقع العربي. ومن باب الطرافة لا أكثر، أستذكر أنني ذهبت مع احمد بهاء الدين مرة للقاء القائد الراحل ياسر عرفات في تونس، وكان معنا ادوارد سعيد على أساس انه خبير في المجتمع الإسرائيلي، وهذا تخصصه، وطلب إلينا “أبو عمار” ان نذهب للقاء محمود عباس (ابو مازن) فذهبنا إليه… ولقد حاول الرجل ان يقنعنا وبحماسة، بأن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة صماء بل فيه كتل وجماعات وتنوعات ويمكن النفاذ منها وسمعناه أنا وبهاء قد أصابنا الاستغراب أمام هذا التحليل.
وكان بديهيا أن نسأل عن إسرائيل وموقفها من الاتفاق.. فقال “الأستاذ”:
ـ إسرائيل لا تتأثر كثيراً، طالما يعتبر الطرف الأميركي حمايتها من مسؤولياته المباشرة. كانت إسرائيل تراهن على صدام اميركي مع إيران وهي لا تستطيع ان تتصادم مع إيران، ثم أصيبت بخيبة ما عند توقيع الاتفاق.
ـ إسرائيل في اية مرحلة من عمرها الافتراضي؟
ـ المرحلة التي يبدأ فيها العد التنازلي لإسرائيل هي عندما يكون هناك عالم عربي قوي. الآن إسرائيل مهيمنة على المنطقة كلها.
ـ وماذا عن أميركا.. ألا يمكن ان تكبر التناقضات الداخلية، في الولايات المتحدة الأميركية عندما تلملم انتشارها في العالم؟!
ـ لن يحصل ذلك. بالمصالح لا أحد يمكن ان ينسحب. اميركا لم تعد قادرة على الانسحاب. بلد تجارته وموارده الأولية كلها في العالم الخارجي. لا يمكن لأميركا ان تخرج من عندك ومن عند غيرك ما لم يكن عندك قدرة على التعايش معها من خلال نموذج معين. لنأخذ نموذج إيران: إيران إرادة واحدة. العالم العربي إرادات كثيرة وليس إرادة واحدة.
أما في الأفكار والثقافة فإن النموذج الأوروبي العلماني (الفرنسي) هو أقدر على التأثير من النموذجين الأميركي والروسي، وهو نموذج ثقافي أولا واقتصادي ثانيا. انه البحر الأبيض المتوسط.
ـ وماذا عن تركيا؟
ـ تركيا إلى المأدبة المتوسطية والأوروبية والأردوغانية. أما عن أردوغان، فكل واحد منا يعبّر في النهاية بطباعه عن طبيعته. كيف تطلب من مخلوق يفترض ان طبعه لا يعبر عن طبيعته وطبيعته لا تعبر عن طبعه انه تركي عثماني بالتأكيد!
وبعد لحظات استدرك “الأستاذ” فقال: ـ في أي حال، لقد ظلمنا الاتراك. هم لعبوا دوراً مهما في حماية الإسلام وأرض الإسلام بعد انهيار العصر المملوكي. محمد علي من داخل الإسلام كان فريدا في بابه.
بين الأمبراطوريتين..
وعاد الأستاذ إلى إيران والاتفاق ليستنتج:
ـ لا اميركا يمكنها ان تتجاهل إيران ولا إيران تتجاهل اميركا. قدر من التطبيع جيد، لكنّ هناك قدرا كبيرا من التناقضات بينهما.
أعتقد ان الكوبيين تصرفوا بطريقة جدية مع أميركا وليس هناك أي نوع من أنواع التبعية.
وختمنا بسؤال من واقع الحال في عالمنا:
ـ هل أميركا أعظم امبراطورية في تاريخ البشرية؟
ورد بسرعة: لا، أبداً. إنكلترا هي أعظم واكبر. في النفوذ والاقتصاد والتحول والعصر الصناعي. هي نشأت في وقت مثالي. فترة التجارة والصناعة والبحر. لا امبراطورية وافقت زمنها وعصرها بقدر الإمبراطورية البريطانية. أميركا قوية جدا لكن “ده كلام ساكت” كما يقولون. الحقيقة ان الإمبراطورية الحقيقية في التاريخ بعد الإمبراطورية الرومانية هي الإمبراطورية البريطانية.. لكل امبراطورية نهاية بالسيطرة ولكن ليس بالنفوذ. الإمبراطورية البريطانية باقية بقوة ما دامت اللغة الإنكليزية باقية. الإنكليزية صارت لغة التكنولوجيا وهذا من حظهم. الإمبراطورية باقية باللغة. ليس بالضرورة ان تبقى بالقواعد والجغرافيا. لازم نسلم ان الإمبراطورية البريطانية والرومانية هما نموذجان مهمان ومختلفان تاريخيا. الوعاء لكل حاجة هو اللغة. حظ الإنكليز ان الثورة التكنولوجية قد منعت سقوطهم. فالانكليزية هي اللغة المعتمدة في وسائل التواصل والتقنيات والإعلام واللغة السائدة هي اللغة الإنكليزية. قلت مرة لمارغريت تاتشر: أنتم فقدتم امبراطورية في الجغرافيا ولكنكم وجدتم امبراطورية في اللغة. قالت لي: ما أصح هذا الكلام!
كنا نود أن نسأل أكثر فنعرف أكثر ولكننا لم نشأ أن نستبق حواراُ أوسع عن أحوال العرب بعنوان مصر في المقبل من الأيام.
وستكون لنا عودة إلى ” الأستاذ ” لاستكمال الحوار المفتوح مع عقله وثقافته السياسية البلا حدود.

بعض أساليب تنظيم (داعش) في التجنيد : (داعش) والأميركية المستوحدة


(روكميني كاليماشي)
بعض أساليب تنظيم (داعش) في التجنيد : (داعش) والأميركية المستوحدة
روكميني كاليماشي
توحي المحادثات بين امرأة أميركية شابة في مناطق ولاية واشنطن الريفية وبين رجل بريطاني على علاقة تربطه بالتشدّد ببعض الإشارات حول الكيفية التي يوظفها تنظيم داعش في تجنيد الأعضاء الجدد من جميع أنحاء العالم.

أليكس، البالغة من العمر 23 سنة، وهي معلمة في مدرسة أيام الأحد وجليسة أطفال، كانت ترتجف من الإثارة في اليوم الذي أخبرت فيه متابعيها على موقع «تويتر» بأنها اعتنقت الإسلام. ولشهور عدة، ظلت علاقاتها تنمو وتتوطّد مع مجموعة جديدة من الأصدقاء عبر شبكة الإنترنت – وهي المجموعة الأكثر اهتماما بها من أي وقت مضى – والذين كانوا يعلمونها ما عليها أن تصنعه لكي تكون مسلمة. وعلى نحو متزايد، كانوا يخبرونها عن «داعش» (من واقع أنه «الدولة الإسلامية» الجديدة المزعومة)، وكيف أن تلك الجماعة تبني وطنا جديدا في سوريا والعراق حيث يمكن للجميع الحياة وفق شريعة الله.
إحدى الشخصيات «الإسلامية»، على وجه الخصوص، ويُدعى فيصل، أصبح رفيقا دائما وملازما لها باستمرار، وصار يمضي الساعات الطويلة في كل يوم مع أليكس على «تويتر»، و«سكايب»، إلى جانب البريد الإلكتروني، ويشق طريقه معها بمنتهى الجدية عبر أصول الدين وأساسيات الإيمان. إلا أنها حين أخبرته بأنها عثرت على مسجد لا يبعد إلا مسافة خمسة أميال فقط عن المنزل الذي كانت تعيش فيه مع جدّيها في ريف ولاية واشنطن، صار فيصل باردا للغاية نحوها وبصورة مفاجئة.
كان المسلمون الوحيدون الذين تعرفهم أليكس هم المجموعة التي عرفتها عبر شبكة الإنترنت، ولقد حثها فيصل على الارتباط بهذه المجموعة حصرا، متحجّجا بأن المسلمين غالبا ما يتعرّضون للاضطهاد في الولايات المتحدة، وقد تتعرّض للاتهام بالإرهاب. كما حذّرها فيصل من حينها وحتى الآن بأنه من الأفضل لها أن تبقي محادثاتها سرا عن الجميع، حتى عن أفراد عائلتها.
وهكذا، ووفقا لتوجيهاته، بدأت أليكس مشوار الانخراط في حياة مزدوجة. فقد ظلت تواصل التدريس في مدرسة الأحد في الكنيسة المجاورة، لكن مذياع مركبتها الخاصة لم يعدّ موجّها إلى إذاعة «كيه لاف» المسيحية. إذ بدلا من ذلك، أخذت تدندن بأناشيد «داعش» التي تستمع إليها من خلال هاتفها «الآيفون»، وعاشت في أحلام اليقظة حول نوع الحياة التي يعيشها المسلحون هناك.
تقول أليكس «شعرت بأنني أخون الرب والمسيحية»، غير أنها أصرت على الحديث شريطة أن تستخدم الاسم المستعار الذي تظهر به على الإنترنت، ثم أضافت «لكنني شعرت بالإثارة لأنني حصلت على العديد من الأصدقاء الجدد».
على الرغم من الخلاف الصريح والصارخ ما بين آيديولوجية «داعش» والغرب، ظل ذلك التنظيم المتطرف يبذل جهودا مضنية في تجنيد المواطنين الغربيين إلى صفوفه، ويسعى بشغف عجيب إلى استغلالهم في حملات الدعاية الضخمة التي ينظمها. وحقا، خلال شهر يناير (كانون الثاني) من هذا العام، يُعتقد أنه سافر ما لا يقل عن 100 مواطن أميركي للانضمام إلى الإرهابيين في سوريا والعراق، من أصل نحو 4 آلاف مواطن غربي آخر من مختلف الجنسيات كانوا قد اتخذوا المسار.
وتضاعفت جهود التجنيد التي يبذلها التنظيم الإرهابي بمعاونة كوادر هائلة من المشغّلين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والتنظيم الإرهابي نفسه يحافظ على حضوره على الإنترنت على مدار الساعة، وتتّسع فعاليته بشكل كبير بواسطة مجموعات كبيرة من المتعاطفين والمتطوّعين والمشجعين الذين يتناقلون ويتشاركون رسائل التنظيم ويتبنّون وجهة نظره، مما يزيد من اجتذاب المزيد من المجنّدين المحتملين، حسبما يشير المحللون.
ودائرة أليكس على الإنترنت – التي تضمّ العشرات من الحسابات، وتدير بعضا منها شخصيات عرفت نفسها مباشرةً بأنهم أعضاء في تنظيم داعش أو أولئك الذين يعتقد محللو الإرهاب أنهم على صلة مباشرة بالتنظيم – تقضي بصورة جماعية آلاف الساعات في التفاعل مع أليكس على مدار أكثر من ستة شهور. كذلك أرسلوا إليها الأموال وهدايا الشوكولاته. لقد أشبعوا فضولها وهدّأوا من مخاوفها حيث كانوا يوجهونها نحو المفاهيم الدينية المتشددة التي يقوم عليها التنظيم الإرهابي. وكمسيحية، كانت أليكس تتوجه في ذلك السبيل تعبيرا عن الحاجة إلى اتخاذ خطوة إضافية في ذلك المضمار. ومع ذلك، فقد عملت على تجاوز الفجوة بنفسها: محاولة لتفسير حالة الانجذاب، حيث قالت إنها كانت بالفعل منجذبة نحو فكرة ممارسة الإيمان بصورة أكمل.
لقد كانت المقابلات المكثفة التي أجريت مع أليكس وعائلتها، بالإضافة إلى مراجعات لرسائل البريد الإلكتروني، ومدوّنات «تويتر»، والرسائل الخاصة التي تبادلتها عبر «سكايب»، والتي وافق الجميع على الاطلاع عليها من قبل صحيفة «نيويورك تايمز» بشرط الإحجام عن الكشف عن هوياتهم الحقيقية أو عن اسم المدينة أو البلدة التي يعيشون فيها، قد فتحت نافذة واسعة تطل على الجهود المكثفة الحثيثة للغاية الموجهة نحو غرس الفكر المتطرّف في نفسية الشابة الأميركية، وزيادة إحساسها بالغربة عن عائلتها ومجتمعها.
يقول ناصر ودادي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، الذي يعد ورقة بحثية حول مكافحة الدعاية المتطرّفة «لدى كل منا جدار طبيعي في وجداننا للحماية ضد الأفكار السيئة، وإنهم يبحثون دائما عن نقاط الضعف في ذلك الجدار، ومن ثم يبدأون الهجوم بغية الاختراق».
لقد عاشت أليكس مع جدّيها معظم سنوات حياتها. ومع أنها علمت أن هناك مسجدا يبعد مسافة خمسة أميال عن منزلها، فإن فيصل – كما سبقت الإشارة – أخبرها بأن تبتعد عنه ولا تذهب إليه. وللوصول إلى منزل أليكس من أقرب بلدة كان على الزوار الانعطاف عند إحدى الحدائق ثم المسير لمسافة ميل واحد عبر حقول القمح والبرسيم المروية الواسعة.
وفي شرحها لواقع حياتها قالت أليكس «يحب أجدادي الحياة بعيدا عن كل شيء. وإنني أحب المجتمع والأصدقاء. إنني أشعر بالوحدة هنا». لكنها، في الواقع، عاشت مع جديها فعليا طيلة حياتها، ذلك أنها عندما كان عمرها 11 شهرا فقدت والدتها، التي كانت تعاني من إدمان المخدرات، حق حضانتها. ووفق الطبيب المعالج فإن «متلازمة الكحول الجنينية» سببت لأليكس ارتعاشا في يديها، كما أنه أسهم كذلك في نقص مستديم للنضج الجيد وسوء الحكم على الأمور. ولعل هذا ما يفسّر بصورة جزئية ما حدث معها على الإنترنت، كما تقول عائلتها.
ثم في أعقاب عقب تركها الكلية العام الماضي، كانت تتقاضى مبلغ 300 دولار في الشهر من العمل كجليسة أطفال ليومين في الأسبوع والتدريس في مدرسة الأحد للأطفال لدى الكنيسة في عطلة نهاية الأسبوع. وفي المنزل، كانت تمضي الساعات تشاهد الأفلام على موقع «نيتفليكس» وتحدث صفحتها الشخصية على وسائل الإعلام الاجتماعية. أما جدتها (68 سنة) التي أشرفت على تربية ثمانية أطفال وأحفاد في المنزل المتواضع (لكنه أنيق) والذي بحجم مقطورة واسعة مزدوجة، فتقول «كل الأطفال الآخرين ينشرون أجنحتهم ويطيرون، لكنها ظلت تبدو مثل طفلة تائهة».
ثم، يوم 19 أغسطس (آب)، اهتز هاتف أليكس الجوّال حاملا أخبارا عن مقتل صحافي الـ«سي إن إن» جيمس فولي. لم يكن جيمس فولي الذي تعرّض للإعدام ذبحا على يد «داعش» من الصحافيين الذين سبق لأليكس أن سمعت عنهم. كذلك ما كانت قد سمعت شيئا في ذلك الحين عن «داعش». غير صورة أن الشاب المسكين الجاثي على ركبتيه والسكين يعتمل في رقبته من الوريد للوريد لم تغادر تفكيرها.
اهتزت نفسية أليكس إثر تلك الجريمة المروّعة، وأذهلتها حالة الفضول المرعبة، ثم دخلت على حسابها على «تويتر» لعلها تعلم المزيد عن الأمر. وعن هذا تشرح قائلة: «كنت أبحث عن أولئك الذين يوافقون على ذلك، حتى يمكنني تفهّم لماذا يفعلون ذلك. كان من السهل للغاية العثور عليهم». لقد أصيبت بصدمات أخرى، وذلك من خلال معرفتها حقيقة مفادها أن أولئك الذين يعرّفون عن أنفسهم بالانتماء إلى «الدولة الإسلامية» المزعومة، يُعرفون أيضا بمسمى «داعش» (ISIS) أو (ISIL) اختصارا، واحتاج الأمر وقتا حتى يمكنهم الإجابة بأدب عن أسئلتها الجمة. وهنا تضيف أليكس موضحة: «لكن، بمجرّد تأكدهم من صدق فضولي واهتمامي، كانوا لطفاء للغاية معي. وسألوني عن عائلتي، وفي أي الأماكن أعيش، وماذا أريد أن أصنع في حياتي».
* خدمة «نيويورك تايمز»

فى تقرير استقصائي : مجند طلاب الطب لداعش لا يزال بالسودان



كشف تقرير استقصائي لـ (بي بي سي) الانجليزية ان بريطانيا يدعى محمد فخري الخباس لعب دورا رئيسيا في تجنيد 16 طالبا يدرسون الطب في جامعة مامون حميدة لتنظيم الدولة الاسلامية (داعش).
واورد التقرير ان عملية تجنيد طلاب الطب تمت في السودان حيث درس فخري ، وانها أكبر مجموعة من البريطانيين تنضم لداعش .
ونشأ فخري، البريطاني من أصول فلسطينية، في شمال شرق إنجلترا وتربى مع أخوين لأب يعمل طبيبا بالهيئة الوطنية للخدمات الصحية.
وبدأ دراسة الطب في جامعة مامون حميدة بالخرطوم عام 2008، وتخرج من الجامعة في 2013.
وفي 2011، تولى فخرى رئاسة جمعية الحضارة الاسلامية بالجامعة التى تحولت إلى كيان أكثر تطرفا على يده.
وقال بعض طلاب الجامعة، الذين اشترطوا عدم ذكر أسمائهم، إن محمد فخري كان يستغل دوره في الجمعية لنشر الإسلام السياسي.
وكانت أغلب اجتماعات الجمعية عادية لا تنطوي على أي من الممارسات المثيرة للجدل، لكن اجتماعات مغلقة كانت تعقد بعيدا عن الحرم الجامعي استغلت في تجنيد الطلاب.
وبعدها بدأ فخرى في الدعوة إلى رفض البحث عن وظائف في الغرب.
وتزعم ادارة الجامعة أن فخري موجود في سوريا، بينما عبر احد اشقائه عن اعتقاده بان فخرى لا يزال في السودان. ورفضت أسرته إجراء مقابلة مع بي بي سي.
كان أغلب الطلاب البريطانيين بجامعة مامون حميدة أبناء أطباء ناجحين بريطانيين من أصول سودانية. وكان هؤلاء الأطباء يرسلون أبناءهم إلى الخرطوم لدراسة الطب بهدف ربطهم بجذورهم قبل العودة إلى بريطانيا لممارسة المهنة.
وكان تسعة من طلاب الطب والأطباء حديثي التخرج البريطانيون من أصول سودانية قد اختفوا من الخرطوم في مارس 2015 ، واتجهوا إلى تركيا جوا ثم عبروا الحدود إلى سوريا ، كما تبعهم تسعة آخرون في يونيو 2015 ، إلا أن السلطات التركية اعتقلت اثنين منهم.
ورجح أحد طلاب السنة النهائية بالجامعة أن فخري خدع الطلاب. وقال إنه (فخري) كان يخبر الطلاب أنهم سوف يعملون كأطباء على الحدود التركية السورية تحت لواء تنظيم داعش ، هذا هو ما قاله الطلاب الذين تمكنوا من العودة. وأضاف ان بعضهم منذ وصلوا إلى وجهتهم وإلى أن عادوا لم يكن أي منهم يعلم إلى طرف من أطراف الصراع ينتمي وسط الحرب الدائرة في سوريا. لقد كان يستغل نواياهم الحسنة.
وكان طالبان من العائدين من سوريا قد سُمح لهم باستئناف الدراسة في الجامعة هما زينب وداعة وأحمد عبدون، إلا أنهما ابعدا بعد ذلك.
وكان أحمد سامي خضر، ابن طبيب بريطاني، من الطلاب البريطانيين الذين استهدفهم التنظيم، طالبا في مدرسة ويلنغتون لقواعد اللغة بجنوب لندن وتخرج من جامعة مامون حميدة في يوليو 2014.
وقالت إحدى الطالبات اللاتي عاصرنه أيام الدراسة إنه كان (مهذبا، وذكيا، ولطيفا، ومنفتحا على الآخرين. ولم يكن ذلك النوع من الأشخاص الذين يتحدثون عن فكرة الجهاد أو الإرهاب أو يشجعون عليها) ، لكنها شاهدته في المرة التالية في فيديو ترويجي نشره تنظيم داعش في مايو الماضي بعد شهرين من اختفائه مع شقيقته ندا.
وتظهر بعض الصور الشخصية المنشورة على حساب أحمد خضر على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك شخصا مرحا، إلا أن مصادر أخبرت بي بي سي بأنه بدأ يعيش في عزلة عن المجتمع منذ عام تقريبا.
وجرت العادة أن تظهر مقاطع الفيديو التي ينشرها التنظيم رجالا ملثمين يستعرضون وهم حاملين أسلحتهم، إلا أنها أظهرت هذه المرة رجلا يتحدث بلطف داعيا أصدقاءه من الأطباء إلى الالتحاق بداعش .
وأعربت صديقته السابقة عن صدمتها لما سمعت كلمات خضر قائلة (يبدو وكأنه تعرض لعملية غسل مخ، أو أنه يتحدث من خلال شخص آخر).
بعد أسبوع واحد فقط من ظهور هذا الفيديو على الإنترنت، غادر الطلاب البريطانيون الخرطوم إلى سوريا.
ويرى البعض أن هناك تقصير من جانب الجامعة وأنها لم تقدم الرعاية الكافية للطلاب أو لم توفر أنشطة منهجية إضافية.
وتحدث أحد اولياء امور الطلاب عن ضعف شديد في رعاية الطلاب، والأنشطة الاجتماعية، وجذب اهتمام الطلاب، وهو( أكبر من أن نصفه بالخطأ).
وقال ماني عبد الكريم إبراهيم، عامل بريطاني من أصول سودانية في لندن، إن الطلاب المسلمين تحديدا معرضون أكثر من غيرهم لممارسات قد تدفع بهم إلى الانضمام لتنظيم داعش.
وأضاف (إذا كنت لا تفهم الإسلام جيدا وعجزت عن الإجابة على النقاط التي يثيرونها، فمن المحتمل إلى حدٍ كبيرٍ ان تسلم بما يقولونه).
في غضون ذلك، حذر طالب سابق بنفس الجامعة من الذهاب إلى سوريا ، وأضاف (من خلال ما سمعت، هناك الكثير من أنصار تنظيم داعش الذين سافروا يعتزمون العودة إلى بريطانيا والعمل بالهيئة الوطنية للخدمات الصحية في بريطانيا تحت أي ظرف).
حريات