الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

التجاني السيسي يبتدر إتصالات مع قوى معارضة للإتفاق على القضايا القومية

قال مسؤول في حزب التحرير والعدالة القومي، الذي يرأسه التجاني السيسي، أنهم شرعوا في اتصالات مع حزبي المؤتمر الشعبي والأمة القومي ، لمناقشة القضايا السياسية، وكشف عن إتجاه لتوقيع مذكرات تفاهم ثنائية مع عدد من الأحزاب وصولا لرؤية مشتركة حول ما أسماه "القضايا الوطنية".
JPEG - 24.9 كيلوبايت
عيسى مصطفى الأمين السياسي لحزب التحرير والعدالة القومي (سونا)
ووقع الحزب الأسبوع الماضي على مذكرة تفاهم مع حركة العدل والمساواة التي يتزعمها عبد الرحمن بنات.
وقال الأمين السياسي للحزب، عيسى مصطفى، في تصريح لوكالة السودان للأنباء، الإثنين، إن حزبه بدأ في توقيع مذكرات تفاهم مع القوى السياسية لمناقشة كل قضايا الوطن.
وأضاف " الخطوة تأتي في إطار الحوار مع بقية القوى للوصول لوفاق سياسي وهو المدخل للحوار مع كل القوى السياسية"
وأكد عيسى تواصل حزبه، مع المؤتمر الشعبي والأمة القومي، لمناقشة كل القضايا السياسية مضيفاً أن الاتصالات ستستمر مع المعارضة والأحزاب والحركات الموقعة مع الحكومة.
وكان حزب التحرير والعدالة إنشق قبل عدة أشهر إثر خلافات عاصفة نشبت بين رئيسه التجاني السيسي وامينه العام بحر إدريس ابوقردة بسبب الترتيبات الأمنية.
وشكل الرجلين حزبين حمل أحدهما "التحرير والعدالة" رأسه أبوقردة، وإختار السيسي لتنظيمه إسم "التحرير والعدالة القومي".
سودان تربيون

(الشيوعي):الحكومة السودانية أذنت بالحرب على رافضي الحوار



عدّ الحزب الشيوعي السوداني تزايد وتيرة الاعتداءات والانتهاكات في مواجهة أنشطة أحزاب المعارضة، بمثابة إذن لمحاربة القوى التي ترفض المشاركة في الحوار الوطني الذي أطلقه الرئيس عمر البشير منذ يناير 2014.

واعتقلت السلطات الأمنية، الخميس الماضي، 4 من قيادات حركة "الإصلاح الآن" أثناء مخاطبات جماهيرية وسط الخرطوم، قبل أن تطلق سراحهم وتفرض عليهم استدعاء يومي لمدة 12 ساعة ليومين على التوالي.وقال المتحدث باسم الحزب الشيوعي يوسف حسين في بيان تلقته "سودان تربيون"، الإثنين، إن الانتهاكات تعدت حزبه وشملت حزب المؤتمر السوداني، وحركة "الإصلاح الآن"، وحزب البعث العربي الإشتراكي، إلى جانب طلاب دارفور بجامعة أمدرمان الأهلية.
وقالت "هيومن رايتس ووتش" إن جهاز الأمن السوداني اعتقل ما لا يقلّ عن 17 ناشطا منذ بداية أغسطس، ينتمي معظمهم إلى حزب المؤتمر السوداني.
وأشار حسين أيضا إلى قرار إغلاق دار الحزب الجمهوري بأمدرمان وحظر نشاطه السياسي، رغم أن الحزب قدم طعناً أمام المحكمة الدستورية ضد قرار مسجل الأحزاب برفض تسجيله، موضحا ان الطبيعي والقانوني هو مزاولة نشاطه لحين البت في الطعن المقدم أمام المحكمة.
وأكد المتحدث باسم الشيوعي "أن كل هذا التدهور في حالة حقوق الإنسان يأتي متزامناً مع ما يطلقه النظام من عنجهيات وعنتريات وتحديات لقوى المعارضة، وكذلك للمجتمعين الدولي والإقليمي".
وتابع "طبيعي أنه، لا زيارة الصين، ولا المشاركة في (عاصفة الحزم) بقادرة على دعم النظام الشمولي الفاسد، ولا بإخراس أصوات المقاومة ضده، خاصة وأن شبح الإنهيار الإقتصادي يخيم على بلادنا وما يصاحبه من تردٍ غير مسبوق في كل ضروب وآفاق الحياة".
وحرض الحزب في بيانه على "رفع الأصوات من كل مكان لاستنكار هذه الاعتداءات على حقوق الإنسان، وضد التلويح بإعطاء الإذن لمحاربة القوى التي ترفض المشاركة في حوار الطرشان".
ودعا إلى تنظيم الوقفات الاحتجاجية ضد هذه الممارسات ورفع المذكرات للجهات المعنية للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين.
ونبه إلى أن هذه الاعتداءات على هامش الحريات تتعارض مع مواثيق حقوق الإنسان، ودستور 2005 ساري المفعول، وقانون تنظيم الأحزاب للعام 2007، ومع حق سائر قوى المعارضة للنظام في اختيار ما تراه من طريق سلمي جماهيري للإطاحة بالنظام.
وقال الحزب إن "مسلسل إنتهاكات حقوق الإنسان، والعدوان على هامش الحريات طال عدداً من قيادات وعضوية أحزاب المعارضة رغم إنها أحزاب مسجلة حسب القانون".
سودان تربيون

وزير الخارجية يرأس وفد السودان لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة

عدلت الحكومة السودانية عن تصريحات سابقة كانت اعلنت فيها مشاركة الرئيس عمر البشير في إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك خلال سبتمبر الجاري، وقررت أن يرأس وزير الخارجية ابراهيم غندور وفد السودان بمعية 9 من المسؤولين رفيعي المستوى.
JPEG - 19.5 كيلوبايت
وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور ـ سودان تربيون
وكان مسؤول في البعثة السودانية بالأمم المتحدة قال في تصريحات نشرت قبل عدة أسابيع أن البشير سيحضر إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالفعل كان إسم الرئيس السوداني مدرجا على قائمة الرؤوساء الذين سيخاطبون القمة الراتبة، غير أن مسؤولين سودانيين أكدوا في تصريحت لاحقة أن الحكومة لم تحسم أمر مشاركة البشير في الاجتماعات.
وأبلغ مسؤول دبلوماسي رفيع "سودان تربيون" الإثنين،أن وزير الخارجية إبراهيم غندور سيرأس وفد السودان الى نيويورك لحضور الإجتماعات المنعقدة في 19 سبتمبر الجاري .
وأفاد المسؤول الذي فضل عدم ذكر إسمه، أن وفد السودان سيضم 9 مسؤولين، وأنه يترتب لإثارة قضايا العقوبات الإقتصادية، وإستمرار وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، علاوة على طرحه قضية المحكمة الجنائية الدولية التي تلاحق مسؤولين كبار في الحكومة على رأسهم البشير.
وطبقا للمسؤول فإن تلك القضايا ستطرح على عدد من المجموعات والتكتلات الاقليمية والدولية من بينها اجتماع الوزراء العرب، ومنظمة التعاون الإسلامي ، ودول عدم الانحياز ، ومجموعة الـ77.
وأضاف "السودان سيحاول حشد الدعم والتأييد في الأمم المتحدة لموقفه من تلك القضايا".
وأكد إعتزام وزراء الخارجية الافارقة قيادة تحركات مكثفة على هامش اجتماعات الجمعية العامة بشأن قضية المحكمة الجنائية تنفيذاً لمخرجات قمة جوهانسبيرج التي خلصت الى عدم التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية.
سودان تربيون

الحكومة السودانية تتهم أوغندا بترتيب إجتماع مجلس السلم الأفريقي مع المعارضة بأديس

إتهم مساعد الرئيس السوداني، أوغندا بترتيب إجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي مع الحركات المسلحة بأديس أبابا الشهر الماضي ، عبر مندوبها في المجلس، ووصف الخطوة بأنها "محاولة فردية"، وشدد على أن الخطوة تمثل سابقة منافية لميثاق الإتحاد الأفريقي وأن الحكومة طلبت إيضاحات رسمية بشأنها.
JPEG - 14.3 كيلوبايت
ابراهيم محمود حامد (الفرنسية)
وقال إبراهيم محمود حامد، الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس الحزب، في مقابلة مع وكالة "الأناضول" نشرتها الإثنين، أن إجتماع المجلس مع المسلحين"سيترك انعكاسات سلبية في التعاطي مع الحركات المتمردة والمتطرفة التي تعبث فساداً في كثير من البلدان".
وعقد زعماء المعارضة اجتماعاً مع مسؤولي مجلس السلم الأفريقي في 24 من الشهر الماضي، عشية جلسة استمع فيها المجلس لتقرير من أمبيكي، ودعا في ختامها إلى عقد اجتماع تحضيري بين الفرقاء السودانيين في أديس أبابا.
وأبرز الذين حضروا ذلك الاجتماع هم الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي، ومالك عقار، رئيس الجبهة الثورية وهي ائتلاف يضم 4 حركات مسلحة 3 منها تحارب في إقليم دارفور المضطرب غربي البلاد، والرابعة هي الحركة الشعبية / قطاع الشمال، التي تحارب في مناطق متاخمة لجنوب السودان ويتزعمها عقار.
ورفضت الخرطوم المشاركة في اجتماع مماثل مع خصومها بدعوة من الوساطة الأفريقية في مارس الماضي، وهو ما عدته المعارضة "تنصلاً" من خارطة طريق وافق عليها الحزب الحاكم في سبتمبر الماضي.
ونفى حامد الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس حزب "المؤتمر الوطني" (الحاكم) الذي يتزعمه الرئيس عمر البشير، وجود خلافات بين بلاده ومجلس السلم الأفريقي الذي يفوض فريقاً يقوده رئيس جنوب أفريقيا السابق، ثابو أمبيكي، للتوسط بين الفرقاء السودانيين.
وفيما أشار المسؤول السوداني أن علاقة الخرطوم "جيدة في مجملها مع الدول الأعضاء في مجلس السلم"، متهمًا أوغندا ذات العلاقة المتوترة مع حكومته.
ورأى أن غياب مفوض مجلس السلم عن الاجتماع، دلالة على أن  الاجتماع "لم يكن رسمياً"، لكنه طالب بـ"إدانة هذه السابقة التي تفتح الأبواب لحملة السلاح، ومنظمات إرهابية بالدخول لمقر الاتحاد الأفريقي".
ويسعى الاتحاد الأفريقي لإنقاذ عملية حوار متعثرة دعا لها الرئيس البشير، مطلع العام الماضي، وقاطعتها فصائل المعارضة الرئيسية بشقيها المدني والمسلح بسبب، رفضه شروطها للانخراط في العملية.
وفي أغسطس 2014 وسع الاتحاد الأفريقي تفويض وسيطه أمبيكي، ليشمل المساعدة في إنجاح الحوار بجانب وساطته بين الخرطوم وجوبا، والخرطوم ومتمردي الحركة الشعبية الذين يحاربونها في مناطق متاخمة لجنوب السودان.
ولا تمانع فصائل المعارضة من عقد الحوار بالداخل، لكنها تشترط لذلك عقد اجتماع تحضيري خارج البلاد، وبرعاية أفريقية، لتوفير الأجواء الملائمة للحوار وعلى رأسها وقف الحرب، وإلغاء القوانيين التي تقول إنها مقيدة للحريات والتوافق على آلية مستقلة لإدارة الحوار.
وفيما لا تزال الحكومة تتمسك برفضها لعقد اجتماع تحضيري بالخارج مع تعهدها بتوفير الضمانات اللازمة لزعماء التمرد للمشاركة في الحوار بالداخل، منح مجلس السلم الأفريقي في اجتماعه الذي عقد في 25 من الشهر الماضي، الوسيط أمبيكي 90 يوماً، لتقديم تقرير حول انخراط "الجهات المعنية السودانية في العمليات الرامية، لتحقيق حوار وطني شامل وجامع وجاد على النحو المتوخى في خارطة الطريق".
سودان تربيون

أمريكا تقدم مساعدات إنسانية للشعب السوداني وتصعّد حملتها ضد الحكومة


الخرطوم ـ «القدس العربي»

في الوقت الذي أعلنت فيه الخرطوم عن تصاعد حملة أمريكية ضد السودان في مجلس الأمن الدولي،استلم برنامج الأغذية العالمي بالسودان دعما بقيمة 86مليون دولار مقدمة من الوكالة الأمريكية للتنمية لتيسير حياة أكثر من إثنين ونصف مليون شخص في ولايات دارفور وكردفان. 
وتتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع السودان ببعدين: «سياسيي وإنساني» ففي البعد الأول بدأت في تصعيد واضح
لحملة دبلوماسية ضد السودان، حيث أعلن مندوب واشنطن في مجلس حقوق الإنسان، خلال جلسة المجلس الإجرائية في الأسبوع الماضي، عزم بلاده ‏تقديم مشروع قرار يعيد السودان إلى البند الرابع، ويقضي بتعيين مقرر خاص لحقوق الإنسان هناك.‏
وسارع السودان إلى مقاومة هذه الحملة، حيث قال السفير علي الصادق، الناطق باسم وزراة الخاراجية السودانية في تصريحات صحافية، إن بلاده تقوم بحركات مكثفة لإفشال المزاعم الأمريكية التي تهدف لإعادة السودان إلى الفصل الرابع الخاص بالرقابة على انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي الخرطوم قصد القائم بالأعمال الأمريكي جيري لانيير، التأكيدعلى أن المعونات التي تقدمها أمريكا للسودان هي إلتزام من الشعب الأمريكي بمساعدة الأشخاص الضعفاء بالسودان، وهو التصريح نفسه الذي قاله في السادس والعشرين من آيار/مايو الماضي عندما وصلت مساعدات أمريكية تبلغ 47 ألف وخمسمئة طن من الذرة،لتوزع في مناطق متفرقة من دارفور وشرق البلاد. 
وبحسب «سودان تريبيون»تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مانح منفرد لبرنامج الأغذية العالمي بالسودان، وساهمت بما يصل إلى 45 ٪ من الاحتياجات التشغيلية للمنظمة في البلد، وقدمت أكثر من 170 مليون دولار في شكل مساعدات غذائية إلى الشعب السوداني منذ شهر كانون الثاني/ يناير 2015.
القائم بأعمال السفارة الأمريكية في الخرطوم، أبدى أملا في توقف النزاع الحالي في أقرب فرصة لتنتهي الحاجة إلى المساعدات الغذائية التي تقدمها أمريكا للسودانيين. 
وبدت لغته ،في البيان الذي أصدره برنامج الأغذية العالمي في السودان، محايدة وإن كانت تركز على جوانب يقوم بها المجتمع المدني الأمريكي لا الحكومة الرسمية،لكن الناطق باسم الخارجية السودانية كان واضحا في تصريحه للصحافيين بخصوص ما سماه بالحملة الأمريكية ضد بلاده عندما قال إن الخرطوم وحلفاءها قادرون على تفنيد أية مزاعم تحاول أمريكا إلصاقها بالسودان من خلال تقديم ما وصفه بالتطورات المحرزة في أوضاع حقوق الإنسان خلال الفترة الماضي. 
ممثل برنامج الأغذية العالمي والمدير القطري في السودان عدنان خان قال في البيان الصحافي الذي أصدره «البرنامج» إن الولايات المتحدة الأمريكية هي الشريك الأكبر لبرنامج الأغذية العالمي في السودان منذ فترة طويلة، الأمر الذي جعل الوكالة مستمرة في تقديم المعونات للمحتاجين.
وكانت أمريكا قدر رفعت الحظر الاقتصادي جزئيا عن السودان وسمحت باستيراد أجهزة الاتصالات والتقانات المتصلة بها وذلك من أجل تعزيزحرية التعبير ومساعدة السودانيين على التواصل فيما بينهم ومع العالم أجمع،حسب ما ذكره المبعوث المريكي للسودن. دونالد بوث قبيل زيارته الأخيرة للخرطوم.
وظلت العلاقات الاقتصادية بين الخرطوم وواشنطنت تأرجح بين المرونة والأزمة، بحسب الأجواء السياسية التي تقتضي 
استخدام الجزرة حينا والعصا في أحيان كثيرة.ومنذ أن تبنت حكومة الإنقاذ الوطني عند مجيئهاعام 1989 خط المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وحملت أدبياتها وعد الأمريكان بالفناء «أمريكا قد دنا عذابها» اتخذت الحكومة الأمريكية موقفا صارما تجاه السودان وصل قمته في الحظر الاقتصادي الذي بدأ منذ 3/11/1997 بموجب الأمر التنفيذي الرئاسي رقم (13067)، ويجدد الرئيس الأمريكي سنويا قانون العقوبات ضد السودان. 
ويقول المحلل محمد الناير إنه وبرغم وعود الإدارة الأمريكية المتكرر برفع الحظر الاقتصادي عن الخرطوم إلا أنها ظلت تجدد العقوبات سنوياً دون مبررات كافية ويشير الناير لبعض الحيوية في هذا الملف منة خلال وعود كثيرة ظهر من 
خلالها تغيير في الطريقة الأمريكية للتعامل مع ملف الاقتصاد السوداني لكنها تظل ـ في نظره – مجرد وعود. ما لم تحدث اختراقات واضحة.
ويرى الناير أن أمريكا تقدم مساعدات إنسانية وتفرض عقوبات إقتصادية في ذات الوقت ويُرجع ذلك لتعقيدات يتسم بها المجتمع الأمريكي في شقيه الرسمي والمدني.


صلاح الدين مصطفى

جامعة الدول العربية وقضايا السودان: الخلل البنيوي في النظرة والمنهج



*أحمد حسين آدم

ترددت كثيرا في الكتابة عن علاقة جامعة الدول العربية بالسودان وقضاياه المصيرية، ذلك أن السودانيين خارج إطار السلطة والنظام الحاكم، خاصة الذين يعيشون تحت ويلات الحروب، والإبادات الجماعية، قد استيأسوا من أي إصلاح أو مراجعة في نظرة ومواقف الجامعة العربية إزاء قضايا السودان.
لذلك ربما ينظر بعض الناس إلى الذي يخوض في هذا المسعى، وكأنه يحرث في البحر، إذ لا رجاء أو أمل في مسعاه. فضلا عن ذلك فإن الجامعة العربية ليست على مستوى من التأثير الكبير في السياسة والقرار الدوليين.
لكنني قررت أن أكون إيجابيا بناءً بقدر المستطاع عبر طرحي هذا. وساحأول التطرق إلى أس المشكل وفتح الحوار في هذا الشأن من جديد. إنني استند على تجربة شخصية ومتابعة لصيقة لمواقف وأداء الجامعة العربية في السودان.
فقد أتيحت لي الفرصة أن التقي وأحاور عددا من مسؤولي الجامعة العربية إبان المفاوضات والمشاورات الإقليمية والدولية التي جمعت أطراف النزاع السوداني في دارفور، منذ  العام 2004 وحتى 2010. كما تربطني علاقات جيدة وبناءة مع  بعض مسؤولي ودبلوماسيي الجامعة المرموقين. وعليه فمن المهم أن ندير حوارا حول أمر السودان، والذي ما يزال عضوا في الجامعة، وتتعاطى مع قضاياه وأزماته، من وقت لآخر، حتى ولو كان ذلك وفقا لمنهج مخل، أو انحياز لطرف دون آخر من أطراف الأزمة.
لقد مرت في السودان هزات وتحولات كبرى، زعزعت كيانه، فاستقل على إثرها جزء عزيز من شعبه وأرضه، جنوب السودان. فبلدنا، إذن، لم يعد بلد المليون ميل مربع، كما يحلو لبعض الناس تسميته. أما الهزة  العظمى الآخرى فتتمثل في حقيقة أن ما تبقى من السودان يعيش حربا مع نفسه، حيث تشهد البلاد حروب إبادة، تلك التي ترتكب فيها جرائم دولية خطيرة ضد جزء كبير من المواطنين. فبسبب هذه الجرائم الجسيمة أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال في حق الرئيس عمر حسن أحمد البشير. كما أن السودان يعيش وضعا شبيها بوضعه تحت الوصاية الدولية، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي وبعض المنظمات الإقليمية والدولية العديد من القرارات بخصوصه، كما تنتشر في السودان عشرات  الآلاف من القوات الدولية بتفويضات أممية وإقليمية، وذلك في إطار التعامل مع أزماته المتطاولة ونزاعاته الدموية المهددة للأمن والسلم الدوليين.
كل هذا يحدث، لكن الجامعة العربية لم تغير في نظرتها القديمة ومقاربتها لأزمات السودان، فنظرتها تقوم على نظرية المؤامرة، فوفقا لتفسيرها أن كل أزمات السودان هي نتيجة لمؤامرات الصهيونية العالمية والأطماع الدولية، والتي تستهدفه بسبب عروبته، وطمعا في ثرواته. أي أن أزمات السودان ليست بِمَا كسبت أيدي حكامه أو نخبه الفاسدة! 
فلنحاول الاقتراب من جذر المشكل، بادئ ذي بدء، لنقول إن هنالك عدة عوامل ذات مستويات وحلقات متعددة ربما تفسر وتشخص الفشل والخلل البنيوي في علاقة الجامعة العربية بالسودان وهي:
أولا: الجامعة العربية لا تضع السودان ضمن أولوياتها، فهي منشغلة ومهتمة بقضايا دول المركز العربي، كسوريا والعـــراق وفلسطين ولبنان واليمن. أما السودان في نظرة ومخيلة الجامعة والكثير من العرب يمثل هامش الهامش، والطرف الأبعد في الانتماء والاهتمام العربي، كالصومال وجيبوتي!
ثانيا: الجامعة العربية وكثير من القادة والمثقفين العرب لا يعترفون بحقيقة التعدد والتنوع  الثقافي والديني والعرقي والإثني واللغوي في السودان، والذي لا يمكن أن تعبر عنه أو تستوعبه هوية واحدة، مهما ملكت من سطوة وقوة. إذ لا يمكن أن تفرض الهوية العربية والإسلامية على واقع التنوع  والتعدد في النسيج الوطني أو الهوية السودانية. لذلك فإن الجامعة العربية، ووفقا لمتابعة لصيقة وموضوعية لمواقفها نحو قضايا السودان، استطيع أن أقول لا تعترف أو تعتبر كيانا يمثل كل شعوب وأقوام السودان، فهي عمليا ترى أنها تمثل أهل الانتماء العربي من السودانيين دون سواهم. كذلك ظلت تستمع  وتعتمد رواية واحدة لما يحدث في السودان، وهي الرواية المخلة الأحادية التي تبثها الأطراف التي تستثمر في موضوع عروبة السودان وإسلاميته. فهؤلاء يصورون للجامعة ولبقية العرب أن هنالك مؤامرة على السودان، وأن العروبة في خطر عظيم، في حين أن مصدر الخطر الحقيقي على العروبة هو هؤلاء الذين يستثمرون في مشروع الفتنة العنصرية من أجل السلطة والنفوذ والمال باسم العروبة والإسلام.
لكل هذا جاءت مواقف الجامعة العربية منحازة إزاء النزاعات الدموية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وقبلها جنوب السودان. فمثلا السيد عمرو موسي، الأمين العام السابق للجامعة العربية، لا يرى أن لأهل دارفور قضية عادلة، والذين قتل منهم ما يقرب من الأربعمئة ألف وشُرد منهم أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، واغتصبت المئات من نسائهم وبناتهم. لذلك كان عمرو موسي يعارض التدخل الدولي لحماية المدنيين في دارفور بزعم أن موضوع دارفور ضخم ويتأجج بالتدخلات الدولية، في حين أنه كان يعمل ليل نهار لتدخل حلف الناتو في ليبيا لحماية المدنيين فيها!
جدير بالذكر أن ليس هنالك من مقارنة بين عدد الضحايا من القتلى والنازحين في حالة حرب ليبيا ونزاع دارفور،  والذي مضى عليه أكثر من عشر سنوات وقتذاك. نقول هذا، ولكننا لا نقرق بين الضحايا والأنفس البشرية، فالنفس هي النفس، والقتل هو القتل. هل هنالك من ازدواجية معايير أكثر من هذا؟ لا غرابة فعمرو موسي يتبنى نظرة منحازة ضد أهل دارفور الضحايا، فهم في مخيلته ليسوا عربا، وبالتالي هم غير جديرين بالحماية الإنسانية والإهتمام، فحسب عمرو موسى أن أزمة دارفور مفتعلة ومصنوعة من قبل الصهيونية العالمية للنيل من النظام السوداني العربي الذي يتزعمه الرئيس عمر البشير!
ثالثا: الجامعة العربية تتبنى مقاربة وموقفا ازدواجيا إزاء أزمة السودان السياسية والتطلعات المشروعة لشعبه في الحرية والديمقراطية والسلام والعيش الكريم. فمثلا عند بزوغ  فجر الربيع العربي تبنت الجامعة العربية مواقف قوية داعمة لثورات الربيع ضد بعض الحكام العرب، كما ظهر ذلك جليا في حالة ليبيا، والآن في سوريا. أما في حالة السودان فقد تماهت مواقف الجامعة العربية في مواقف النظام السوداني تماما، كما أنها ظلت تتمادى في دعم النظام سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا في كل المنابر الإقليمية والدولية، وذلك رغم ما يرتكبه نظام الرئيس عمر البشير من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، الأمر الذي أغضب السودانيين وأفقدهم الثقة في الجامعة العربية، بل وصنفوها ضمن الشركاء والداعمين لجرائم وانتهاكات  النظام السوداني.
كدليل على هذه الحيثيات والوقائع أذكر أنه في العام 2005، أرسلت الجامعة العربية وفدا إلى إقليم دارفور لتقصي الحقائق حول النزاع  وتحديد ما إذا كانت هنالك جرائم دولية قد ارتكبت في دارفور ومعرفة المسؤلين عن ارتكابها. وبعد زيارة الإقليم توصل وفد الجامعة إلى أن هنالك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتكبت في دارفور، وأن القوات المسلحة السودانية وميليشيات الجنجويد التابعة لها تتحمل المسؤولية الكبرى في ارتكابها، وقد وثق وفد الجامعة هذه الحقائق في تقرير مفصل تم نشره في موقعها الالكتروني، إلا أن التقرير تم حذفه بعد فترة قليلة من الموقع، ولم ير النور مرة أخرى. وقد أكدت لي مصادر مأذونة في الجامعة العربية أن التقرير حذف نتيجة لضغوط مارسها دكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير الخارجية السوداني آنذاك.
هذا غيض من فيض في سياق علاقة جامعة الدول العربية بالسودان. وعليه نرى أنه إذا كانت الجامعة جادة في كسب عقول وقلوب السودانيين فعليها إصلاح هذا الخلل البنيوي في نظرتها للسودان والسودانيين. وعلى الجامعة أن تعترف وتتعامل وفقا لحقائق التعدد والتنوع في السودان. عليها أن تحترم التطلعات المشروعة للشعب السوداني في الحرية والديمقراطية والسلام العادل والعيش الكريم.
فمن المهم أن تقف على مسافة متساوية من أطراف الأزمة السودانية والمكونات الدينية والثقافية والعرقية والإثنية والاجتماعية المتعددة للشعب السوداني. عليها أن  تجري تغييرات جذرية في سياستها تجاه السودان، وأن تفتح حوارا مع كل شرائح ومكونات الشعب السوداني. ولا شك أن الجامعــــة العربية عليها مسؤولية ومهمة عظيــــمة لبناء الثقــــة مع السودانيين جميعا، خاصة الذين أصبحـــت ترتفع أصواتهم ويتساءلون بجدية عن جدوى استمرار عضوية بلدهم في جامعة تتماهى مواقفها مع حكومتهم التي تحرمهم حقهم في الحياة والمواطنة المستحقة. إذا بحثت الجامعة عميقا في مشكلات السودان فستكتشف أن أكبر مهدد للأمن العربي هو ممارسات النظام وانتهاكاته ضد شعبه التي تستدعي التعاطي الدولي.

٭ باحث في معهد التنمية الافريقي في جامعة كورنيل نيويورك
أحمد حسين آدم
القدس العربي

غبار الدقيق والقمح والحقائق المغيبة


د/ التجاني الطيب إبراهيم

خلفية

لإستيراد حاجيات البلاد من القمح والدقيق في الفترة من يوليو 2012م – أغسطس 2015م، تولت الحكومة توفير النقد الأجنبي اللازم، وتحديد أسعار الإستيراد والإستهلاك. أما عملية الإستيراد، فتم حصرها في أكبر ثلاثة مطاحن محلية، وحدد لهذه المطاحن سعر صرف 2,9 جنيه للدولار الأمريكي مع تطبيق سعر صرف 3.65 جنيه للدولار بالنسبة لموردي القمح والدقيق غير المضمنين في القائمة الحصرية، على أن يبيع كل المستوردين بنفس سعر المستهلك الذي تحدده الجهات الرسمية!
سياسة الإحتكار الرسمي هذه أدت إلى تشوهات في صناعة الدقيق والخبز أهمها: 

• غياب الشفافية والتنافس حرم البلاد والمواطن من الحصول على أفضل أسعار ونوعية الوارد من القمح والدقيق. فتعددية سعر الصرف الرسمي غير المفهومة، وعدم وجود آلية للتحقق من تماشي جودة وأسعار الدقيق المستورد مع الدقيق المنتج محلياً، شجع التحايل على نوعية وأسعار المستورد من السلعتين، ما خلق نوعاً من الغموض في جودة وأسعار الدقيق المتداول في الأسواق المحلية، ما يعني إهدار موارد مالية السودان في أشد الحاجة إليها لتحريك قطاعات إقتصاده الحيوية.

• السماح بإستيراد الدقيق في ظل وجود طاقة طحن محلية فائضة، بغض النظر عن عدم وجود آلية للتحقق من تطابق جودته مع نوعية الدقيق المنتج محلياً، حرم الإقتصاد القومي من الإستفادة من القيمة المضافة لطحن نفس الكمية من الدقيق المستورد محلياً، مما أضاع الكثير من فرص العمل محلياً بالإضافة إلى عدم الإستفادة من خفض سعر التكلفة الكلية للإنتاج المحلي (جدول 1)، وفقدان الردة، التي تستخلص من الطحن وتلعب دولارً مهماً في الإنتاج الحيواني، ما يعتبر أيضاً إهداراً للموارد القومية.

مدخل
ربما إدراكاً لبعض تلك التشوهات، ولتحسين مناخ الشفافية والتنافسية في صناعة الدقيق، أعلنت الحكومة في مطلع النصف الثاني من شهر أغسطس الماضي فك الإحتكار الذي فرضته على إستيراد القمح والدقيق وفتح باب الإستيراد لكل شركات المطاحن عبر العطاءات، وتحريك سعر دولار الإستيراد من 2,9 إلى 4 جنيهات، مع الإبقاء على الدعم وأسعار الخبز دون زيادة!! لهذا الغرض حدد بيع جوال الدقيق زنة 50 كيلو للمخابز بسعر 116 جنيهاً، وتوجيه القمح المدعوم للخبز فقط. ونسبة لأهمية صناعة الدقيق في حياة الناس اليومية، فقد أثار وما زال يثير القرار كماً هائلاً من ردود الإفعال المتباينة في منطلقاتها وتقاطعاتها. من الناحية النظرية، فالقرار خطوة في الإتجاه الصحيح وإن جاءت متأخرة، لكنه ليس "بالتاريخي" أو التحريري لأن الحكومة ما زالت ممسكة بكل الخيوط من سعر الصرف وإلى سعر المستهلك، ناهيك عن توفير النقد الأجنبي اللازم للإستيراد. أما من الناحية العملية، فلن يغير القرار كثيراً في فك الإحتكار القديم – على الأقل في المدي القصير – نسبة لإمكانيات كبرى شركات الطحن الضخمة في مجال البنى التحتية اللازمة لصناعة الدقيق ومقدرات تلك الشركات التمويلية والفنية غير المتوفرة حالياً لشركات الطحن الأخرى. وهذا ينطبق أيضاً على المخزون الإستراتيجي، الذي سيتم إستيراد القمح بواسطته. كما أن القرار، وللأسف، رفع نسبة الدقيق المستورد إلى 30% من إحتياجات البلاد من الدقيق بدلاً من وقفه كليةً نسبة لعدم جدواه المالية والإقتصادية، ما يعني المزيد من المضاربة وجني الأرباح في سوق الدقيق. أيضاً القرار لم يكن موفقاً في حصر الإستيراد عبر العطاءات على الدقيق والقمح فقط ولم يشمل كل واردات الدولة، مركزية وولائية ومحلية! بالإضافة إلى ذلك، من غير المفهوم كيف يرفع سعر الصرف بنسبة 38% دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة الدعم وأسعار الخبز.

الدقيق المستورد والقمح المستورد
صناعة الدقيق في السودان يحفها الكثير من الغموض والضبابية نسبة لغياب المعلومة، رغم أهمية تلك الصناعة للإستقرار الإجتماعي والسياسي، وإستنزافها لكثير من موارد البلاد المالية الشحيحة، خاصة النقد الأجنبي. لهذا نود في هذه العجالة أن نسلط الضوء على هذه الصناعة بناءاً على المعلومات والإحصاءات المتوفرة ووفق منهج علمي ومهني بحت بعيداً عن غبار القمح والدقيق على أمل المساهمة – ولو بالقدر القليل – في كشف بعض جوانب ما يدور في هذا القطاع الهام.

متوسط سعر طن الدقيق الجيد يبلغ الآن حوالي 480 دولار تسليم بورتسودان، بينما يبلغ سعر طن القمح لإنتاج نفس النوعية من الدقيق حوالي 300 دولار (جدول 1)، علماً بأن جوال الدقيق زنة 50 كيلو من النوعين ينتج مابين 900 – 1000 رغيفة حسب أوزان الخبز الرسمية. التقديرات المتداولة أن السودان يستهلك 2 مليون طن من الدقيق سنوياً، أي ما يعادل 2,4 مليون طن قمح مستورد بتكلفة 960 مليون دولار لكمية الدقيق المستورد، و720 مليون للقمح المستورد، ما يعني أن إستيراد القمح يوفر للخزينة العامة مبلغ 240 مليون دولار في العام، بينما يخفض الطحن المحلي سعر جوال الدقيق بحوالي 16 جنيه، بالإضافة إلى الردة المستخلصة من الطحن، والمقدرة في حدود 400 ألف طن (200 ألف من كل مليون طن دقيق)، بقيمة 1,12 مليار جنيه (172 مليون دولار بسعر 6.5ج/ للدولار) حسب سعر المطاحن، والذي يبلغ حالياً حوالي 140 جنيه للجوال. هذا يعني أن الطحن المحلي يوفر للخزينة العامة حوالي 412 مليون دولار في العام في حالة إستيراد الدقيق بدلاً من إستيراد القمح. لكن يبقى السؤال عن كيفية التعامل مع عائدات الردة هل هي ملك للمطاحن أم هناك نوع من المحاصصة بين المطاحن والحكومة، التي لا تشير موازنتها العامة لأي إيراد من هذا القبيل.

حسب موازنة الدولة للعام المالي 2015م، تبلغ إعتمادات فروقات سعر الصرف على القمح 2,4 مليار جنيه بحجة أن الدولة تحسب سعر الإستيراد على أساس سعر أٌقل من السعر الرسمي لضمان إستقرار أسعار الخبز. وفقاً للسياسة الجديد، تم رفع سعر الدعم إلى 4 جنيه للدولار على أساس أن تتحمل الخزينة العامة الفرق بين هذا السعر والسعر الرسمي (حالياً 6.5 جنيه للدولار). بناء على تقدير أن السودان يستهلك حوالي 2 مليون طن من الدقيق، فإن إجمالي الدعم بالجنيه يبلغ 2,4 مليار جنيه للدقيق المستورد مقارنة مع 2,2 مليار جنيه للقمح المستورد، مع مراعاة أن هذه الأرقام تتماشى مع إعتماد الدعم المرصد في موازنة 2015م. السؤال هل هناك دعم أو حاجة لدعم الخبز فعلاً إذا قارنا أسعار الخبز بسعر صرف الدعم والسعر الرسمي مع أسعار الخبز الحالية للمستهلك؟

إذا نظرنا إلى تكلفة جوال الدقيق المستورد بعد إستعمال سعر الصرف وأضفنا إليه 10% للنقل والترحيل والربح، ثم 10% أخرى تكلفة المخابز، وقدرنا إنتاجية جوال الدقيق بحوالي 600 رغيفة بدلاً من 900 لنكون في غاية المحافظة والواقعية في تقدير تكاليف صناعة الدقيق، فإننا نجد أن سعر الرغيفة يصل إلى 20 قرشاً في حالة سعر صرف الدعم المفترض، و32 قرشاً بإستعمال السعر الرسمي، ما يعني أن سعر الرغيفة الحالي أقرب إلى سعر الصرف الرسمي وليس هناك دعم يذكر في كلا الحالتين (جدول2). ولو كان هناك دعم فعلاً، فالمواطن هو المتضرر الأول لأنه يدفع الدعم ويحصل على ثلاثة رغيفات فقط بدلاً من خمسة للجنيه.
لو طبقنا نفس المنهج على جوال الدقيق المطحون محلياً بعد إضافة 20% للطحن والتعبئة والنقل والتخزين والتوزيع والربح، و 10% لتكلفة المخابز، فإننا نجد أن سعر الرغيفة لا يتعدى 16 قرشاً بسعر الدعم، و26 قرشاً بسعر الصرف الرسمي، و21 قرشاً بالسعر المحدد رسمياً للجوال 116 جنيه (جدول2). هذا يشير بوضوح إلى قلة تكلفة الدقيق المطحون محلياً مقارنة مع الدقيق المستورد وإلى عدم وجود دليل على وجود دعم حكومي لصناعة الخبز. بالعكس، تشير التضريبات إلى أن المواطن هو الداعم لصناعة الخبز وليس الحكومة، والسؤال هو على أي أساس تقدر الحكومة منصرفات الدعم في الموازنة العامة، ولماذا تتحمل الخزينة العامة فروقات سعر صرف باهظة تحول للبنك المركزي دون دليل ملموس يثبت وجودها؟


الخلاصة
من الواضح أن صناعة الدقيق في السودان يشوبها الكثير من الغبار والحقائق المغيبة. فلا شك أن هذا القطاع يحتاج إلى إعادة دراسة ومراجعة كاملة وشاملة من قِبل الحكومة تشمل: (1) وقف إستيراد الدقيق والإعتماد على القمح المستورد للأسباب التي ذكرناها آنفاً؛ (2) مراجعة الأسس التي تثبت أن صناعة الخبز مدعومة فعلاً، ورفع العبء عن المواطن والخزينة العامة في حالة عدم وجود دعم؛ (3) التأكد من أن أسعار وجودة القمح مطابقة للمواصفات لمطلوبة رسمياً والتصنيف الموحد للتجارة الدولية (SITC: Standard International Trade Classification) لتجنب المغالاة في قيم فواتير الإستيراد (Overinvoicing) المنتشرة في دول العالم الثالث بواسطة جهة تفتيش معترف بها دولياً، مثل المفتش العام في سويسرا؛ (4) إستغلال طاقة الطحن الفائضة في إستيراد القمح وتصدير الدقيق المطحون لدول الجوار، مثل أثيوبيا وجنوب السودان، وتشاد، للإستفادة من صافي عائدات الصادر في دعم سوق النقد الأجنبي المحلي؛ و(5) النظر في كيفية الإستفادة من عائدات الردة في دعم الخزينة العامة.

eeibrahim46@hotmail.com
الراكوبة