* بقلم : الدكتور حيدر ابراهيم على
صحيفة إلكترونية تهتم بمعاناة الغلابة من أبناء شعبنا المقهور والمغلوب، كما تحاول جاهدة عكس الأخبار الفاضحة لفساد النظام
الأربعاء، 9 سبتمبر 2015
ستات الشاي.. انقسام سوداني حول الظاهرة وانتشارها
في الفترة الأخيرة انتشرت بائعات الشاي في السودان، أو ما يعرف محلياً بـ"ستات الشاي"، وهن مجموعة نسوة يقمن ببيع الشاي في الطرقات والأماكن العامة في الهواء الطلق، بطريقة بدائية تُختصر أدواتها في "منقد"، وهو وعاء مربع الشكل يصنع من الحديد ويوضع عليه الفحم، وعدد من علب المربّى والعسل الفارغة يضعن فيها السكر وحب الشاي والقهوة والبهارات المصاحبة. ويكتمل الشكل التقليدي بـ"البنبر"، والذي بدأ يختفي من البيوت السودانية مع الحداثة، وهو عبارة عن مقعد يرتفع عن الأرض سنتيمترات فقط، يصنع من الحديد وحبل البلاستيك.
ومهنة بيع الشاي من المهن التي ابتدعتها النساء في السودان لإعالة أسرهن. وزاد عدد البائعات في الفترة الأخيرة مع تمدّد الحرب في أطراف البلاد، واستقبال الخرطوم للنازحين. وتقول حواء، وهي واحدة من "ستات الشاي"، "ظروف الحرب في درافور قادتني وأبنائي إلى الخرطوم بعد وفاة زوجي، ولم أنل حظاً من التعليم، وليست لدي فرصة للتوظيف في الحكومة أو غيرها، لذا عمدت إلى بيع الشاي في الشارع. والحمد لله ما يأتيني من دخلها يكفيني وأبنائي".
حلقات "ستات الشاي" أصبحت بمثابة "هايد بارك شعبي"، أو ما يعرف محليا "بالشمارات"، إذ يتم تداول الأخبار السرية، فضلاً عن الاخبار السياسية والرياضية والفن والثقافة. وتلتف حول ستات الشاي طبقات مختلفة، من الطلاب والموظفين، إلى النواب والوزراء. وأخيراً أصبحت الفتيات أيضاً يرتدن أماكن ستات الشاي، رغم أن الخطوة كانت تستنكر من قبل المجتمع السوداني المحافظ الذي ينظر إلى الفتاة التي تجلس في الشارع نظرة دونية.
ونافست الوافدات من دولتي أثيوبيا وإريتريا ستات الشاي السودانيات وأصبحن أكثر جذبا للشباب. وأصبحت ست الشاي تثير غيرة عدد من ربات المنازل اللاتي يرين فيها خطرا يهدد زواجهن. وتقول سعاد "زوجي يقضي جل وقته عند ست الشاي بعد أن أحيل للمعاش، رغم أنه ليس من عشاق القهوة والشاي، وعندما أحتجّ يقول إنه يجلس مع أصحابه ولا يأبه لست الشاي أصلا".
جدل كبير يدور بشأن ستات الشاي، إذ انقسم الوسط السوداني بين مهاجم ومدافع عنهن، فالبعض يرى أنهن ساهمن في إفساد المجتمع بالنظر إلى الأوقات التي يقضيها البعض لديهن، من دون أن يكون هدفه الشاي أو القهوة، وما يثار من أقاويل حولهن من ترويج للمخدرات والدعارة. بينما يدافع آخرون عنهن، باعتبارهن سيدات مكافحات اخترن الجلوس تحت أشعة الشمس ولأوقات طويلة من الليل، بحثاً عن الرزق الحلال.
ويقول عبدالله "ست الشاي توفر مكان التقاء الأصدقاء بتكلفة أقل، في ظل الضائقة المالية التي نعاني منها". أما محمد فيرى أنه "ليس هدف كل الشباب القهوة والشاي، وقد تكون ست الشاي نفسها جاذبة بسبب مظهرها وطريقة حديثها". لكن يوسف يختلف تماما عن ما ذهب إليه محمد، ويقول لـ"العربي الجديد": "أنا شخصياً لا علاقة لي بشرب الشاي أو القهوة في المنزل، ولكني أجد لهما طعما خاصا عند ست الشاي، وأعتقد أن ما يجذب هو طريقة الإعداد، فضلا عن الأجواء المحيطة البعيدة عن التكلّف".
وتمثل ست الشاي ملاذاً لكثير من الشباب في المناسبات العامة، خاصة رأس السنة، فيعمد الكثيرون إلى الالتفاف حولها وتقضية الليل، لا سيما أولئك الذين حالت ظروفهم المالية دون استمتاعهم بالحفلات التي تقام في تلك الليلة، إذ تصل تكلفتها في الحد الأدنى إلى ثلاثين جنيهاً، بينما تكلفة فنجان الشاي جنيهان في الطرقات العامة، وفي شارع النيل أربعة جنيهات.
ويرى الخبير الاجتماعي علي عبدالله أن الالتفاف حول ست الشاي الذي بدا واضحاً أخيراً يعود إلى الحالة المزاجية للشعب السوداني التي تبدّت ملامحها أخيراً وساهمت في تدني الروح وولدت لديهم إحساساً ورغبة في عمل أشياء لتحسين المزاج وانتشالهم من الوهدة المعنوية، ومنها شرب الشاي عند ست الشاي. وأضاف "كما أن العطالة وعدم القدرة على تحقيق الطموحات ولّدا نوعاً من الإحباط والشعور بعدم الرضا والخوف من المستقبل وفقدان الثقة، وهو ما قاد الشباب إلى الجلوس عند ست الشاي لساعات طويلة، وأصبح الوقت للشاي". وأوضح أن "أماكن ست الشاي أصبحت ملتقى لطالبي الوظائف والباحثين عن المتعة، أيا كان شكلها". وأردف "تلك الأماكن تعطيهم شعوراً بالأمان النفسي والرضا المجتمعي، وإن كان مزيفاً ومؤقتاً".
العربي الجديد
سلام دارفور مستمر والاتحاد الأفريقي يعلن دعمه وثيقة الدوحة
أكد نائب رئيس الوزراء ووزير الدولة القطري، رئيس لجنة متابعة تنفيذ وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، أحمد بن عبدالله آل محمود، دعم مجلس السلم الأفريقي وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، ودعمه سيادة السودان واستقراره.وقال آل محمود ردا على سؤال، لـ "العربي الجديد"، في اختتام اجتماعات لجنة متابعة تنفيذ وثيقة الدوحة للسلام في دارفور، حول موقف مجلس السلم الأفريقي وإمهاله الحكومة السودانية، والأطراف السودانية الأخرى، ثلاثة شهور للتفاوض، "إن ممثل الاتحاد الأفريقي الذي حضر الاجتماع أعلن أن موقف مجلس السلم بشأن دارفور قد فهم بشكل خاطئ، وأن المجلس يحترم سيادة السودان ويدعم السلام في دارفور على أساس وثيقة الدوحة ". ويمثل هذا الأمر تراجعا عن موقف سابق كان قد أعلنه المجلس في شهر أغسطس/ آب الماضي، حيث أمهل مجلس السلم الأفريقي، الأطراف السودانية، ثلاثة أشهر، للانخراط في مفاوضات جادة، والوصول لاتفاق سلام ينهي الحرب الدائرة في إقليم دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، داعيا لعقد مؤتمر تحضيري بمقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، لوضع خارطة لانطلاقة الحوار الوطني. في المقابل، قال مسؤول ملف دارفور وممثل الحكومة السودانية في الاجتماع، أمين حسن عمر، لـ "العربي الجديد"، "لا أحد يعطينا أية مهلة. نحن دولة ذات سيادة، ولا نفهم هذا البيان، على أنه مهلة، فهو يتحدث عن 3 شهور لكي تتم اجتماعات نحن موجودون فيها. وبالنسبة لنا الاتحاد الأفريقي يقوم بدور مهم لمساندة جهود السلام للبحث عن السلام ونعتقد أنه سيواصل هذا الدور، كمشاركة أخوية، وليس من باب الوصاية على السودان". وأضاف "ما صدر كان بيانا تقليديا، لا أدري لماذا فسر بهذه الطريقة. ونحن نرحب بالدور الأفريقي والدور العربي، لأن كلا الدورين بلا أجندة استعمارية وأجندتهما تحقيق السلام في السودان فقط".وكان نائب رئيس مجلس الوزراء القطري قد أكد في كلمة ألقاها في الاجتماع "أن وثيقة الدوحة لسلام دارفور قد تمكنت، بفضل الله وبمساندة أهل دارفور والأطراف والمجتمع الدولي، من الصمود أمام التحديات والصعاب". وقال إن "صمود الوثيقة لقناعة الجميع بأنها كانت شاملة واعترفت بالحقوق ووضعت نهاية للحرب وعالجت القضايا الإنسانية وقضايا التهميش بجانب بعض القضايا الوطنية الأخرى، وأصبحت المرجعية والإطار الذي يؤسس للسلام المستدام في دارفور"، مضيفا أنه "رغم وجود بعض المتغيرات، التي لا تزال تعترض طريق إنفاذ الوثيقة، إلا أن الوضع الإنساني والأمني في دارفور يشهد تحسنا ملحوظا في ظل انحسار العمليات العسكرية الكبيرة خلال الفترة الماضية".كما لفت إلى أن هناك تقدماً ملموسا في سير عمليات إعادة الإعمار والتنمية، وأهاب في هذا الصدد بأطراف الوثيقة للإسراع في جهودهم نحو مخاطبة القضايا العالقة، وذكّرهم بقرار مجلس الأمن الدولي الذي أكد دعمه الوثيقة، باعتبارها إطارا متينا لعملية السلام في دارفور، ومناشدته الإسراع في تنفيذها. "آل محمود : (الوضع الإنساني والأمني في دارفور يشهد تحسناً ملحوظاً في ظل انحسار العمليات العسكرية الكبيرة خلال الفترة الماضية)" وأضاف المسؤول القطري "يظل شغلنا الشاغل في مسيرة تنفيذ هذه الوثيقة هو عرقلة بعض الحركات المسلحة غير الموقعة لعملية السلام، واستمرارها في اللجوء إلى العنف، ومعاناتها من الانشقاقات التي تضرب صفوفها، مما يؤجل كثيراً من عملية التحاقها بركب السلام".واعتبر أن الجو بات مواتياً لالتحاق الحركات المسلحة بوثيقة الدوحة للسلام في دارفور، في ظل الإعلان الذي صدر من الحكومة السودانية بالتزامها بإعلان وقف إطلاق النار لمدة شهرين من طرف واحد في مناطق الحرب المختلفة، لبناء الثقة وتمكين الجميع من المشاركة في الحوار الوطني. وقال "إن من أهم أولوياتنا متابعة تنفيذ ملف العودة الطوعية للنازحين واللاجئين"، معربا عن عدم الرضا على الوتيرة التي تسير بها عمليات العودة الطوعية، ولافتا إلى الصراع القبلي العنيف الذي شهده الإقليم، والذي راح ضحيته مئات القتلى والمصابين من قبيلتي الرزيقات والمعاليا بسبب الصراع حول الأراضي (الحواكير). وشدد على ضرورة البحث عن كافة السبل المتاحة لوقف هذه الصراعات الدامية، والالتزام بمقررات الصلح وتسوية الخلافات الصادرة عن مؤتمرات الصلح، وفرض هيبة الدولة، وتوفير الخدمات الضرورية كافة. كما أكد على أهمية المضي قدماً في استكمال الحوار الدارفوري- الدارفوري، الذي انطلق في يناير /كانون الثاني الماضي باعتباره ركيزة أساسية في تنفيذ وثيقة الدوحة وقال "إن هذا الحوار يهدف إلى ترسيخ السلم في دارفور، وتعزيز بناء الثقة، والتشجيع على تحقيق المصالحة، والوحدة بين أهل دارفور والسودان بشكل عام." ولفت إلى تمديد مجلس الأمن ولاية (اليوناميد) لمدة عام تنتهي بنهاية يونيو 2016، في ظل حديث يدور حول خروج البعثة من دارفور. وفي هذا الصدد دعا الأطراف المعنية إلى الاستمرار في مشاورات الفريق المشترك لتطوير استراتيجية ملائمة لخروج البعثة، وأن يتم تقييم موضوعي للأوضاع الأمنية والإنسانية، خصوصاً وأن هناك اتفاقا بين الجميع على الانسحاب التدريجي من المناطق الآمنة.
العربي الجديدالسودان يُعدّ كتيبتين قتاليتين لتحرير صنعاء من الحوثيين
أعد السودان كتيبتين قتاليتين للمشاركة في الحرب البرية في اليمن، لتحرير العاصمة صنعاء، من أيدي الحوثيين، استجابة لطلب رئيس الحكومة اليمنية، عبد الهادي منصور. وفق مصادر "العربي الجديد ".
ويشارك السودان ضمن تحالف يضم عشر دول في عاصفة الحزم، لوقف التمدد الحوثي في اليمن.
وأكد وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، الثلاثاء، أن لدى الخرطوم التزاماً سياسياً لتحرير اليمن، وأشار إلى التنسيق التام بين الرئيس، عمر البشير، والعاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، وبقية دول التحالف في الملف اليمني، ونفى أن تكون اليمن قد طلبت دعماً من الآخرين، وأكد أن الحكومة هناك تقود الحرب البرية بنفسها.
لكن الناطق الرسمي باسم الخارجية، علي الصادق، في ردّه حول ما أثير بشأن إرسال الخرطوم ستة آلاف جندي، للمشاركة في حرب تحرير صنعاء، أكد أن الخطوة تتطلب تنسيقاً كاملاً مع أعضاء التحالف، وأكد أن الخرطوم لن تتردد في الاستجابة للطلب متى ما طلب منها.
وقالت مصادر متطابقة، لـ"العربي الجديد "، إن الحكومة جهزت كتيبتين تمهيداً لإرسالهما إلى اليمن خلال الفترة المقبلة للمشاركة في تحرير العاصمة، ضمن الاتفاق الذي تمّ مع الرئيس اليمني، خلال زيارته للخرطوم، والتنسيق بين دول التحالف، وأشارت إلى أن الخطوة مرهونة ببعض الترتيبات اللوجستية، وأخرى متصلة بالتشاور والتنسيق مع عضوية التحالف.
العربي الجديد
غنيمة التمزقات السودانية: تجريف عمره ربع قرن
محمد جميل أحمد
أصبح هناك ميل إلى الاغتراب عن الفضاء العام للكتابة العربية لدى كثير من الشعراء الشباب في السودان. الأمر أشبه بممارسة كتابة مختلفة وُجدت في نصوص غلب عليها التجريد والغموض والغرائبية، تماثل تلك التي نلمسها في عوالم سليم بركات. إنه ضرب من اغتراب يروم تعزيز خصوصية سودانية ما، لكتابة مغتربة أصلاً على وقع سجال إيديولوجي حيال صراع الهوية الدائر في السودان منذ أكثر من ربع قرن. هكذا، إذا ما أمكننا تتبع الكثير من نصوص مجلة "إكسير" السودانية غير الدورية، والتي يمكن اعتبارها منبر كتابة الشعراء الشباب من أمثال: محمد الصادق الحاج، أحمد النشادر، ناجي البدوي، راندا محجوب وآخرين، سنقع على نماذج لنصوص استلهمت مزاج سليم بركات، من خلال نسق تعبيري مارس تسييلاً غريباً لخيال مفكك العناصر، تنشط فيه إشارات غامضة لعوالم سليم بركات، وعلى نحو يضعنا باستمرار أمام سؤال التجنيس في هوية نصوصهم. " بين جدل الهوية واغتراب الكتابة العربية فيه، يتشظَّى جيل الشعراء" . علق هؤلاء في مناخ يشكَّل ضغطاً متواصلاً للتناقضات التي عوّمها المتن الإيديولوجي الإعلامي لخطاب السلطة، ذلك الخطاب ذي النزعة الطُهوريَّة المُوَسْوِسَةْ حيال الثقافة العربية في السودان، في مواجهة الدعوة إلى ثقافات سودانية متنوعة نادت بها "الحركة الشعبية الجنوبية" ضمن خطابها السياسي حول أطروحة السودان الجديد؛ ما أدى في النهاية، ضمن أسباب أخرى، إلى انقسام السودان. في جانبي الصراع، كانت اللغة العربية ضحية بريئة. ولعل ما أوقع تلك الكتابة الشبابية في حال من الاغتراب بين اللغة والهوية ما هو إلا صدى لمقولات بعض المثقفين السودانيين؛ من أن العربية في السودان "غنيمة حرب"، مقتبسين المقولة الشهيرة للروائي الجزائري، كاتب ياسين، التي عبر فيها عن موقعه وموقفه كمثقف من اللغة الفرنسية في الجزائر. في الواقع، لا يمكن تفسير هذا الاغتراب وتلك المقولة ضمن أسباب معرفية حيال تمثُّل السودانيين للعربية، وسياق ظهورها التاريخي في البلاد، بل يندرج الأمر كأي سياق إيديولوجي، في الأسباب الثقافوية لسياسات الهوية والأدلجة، كما في سياق الضربات التحويلية التي مزّق بها النظام مقومات الهوية السودانية منذ ربع قرن. إلى ذلك، بدا اغتراب الكتابة السودانية على هامش المركز العربي، بصورة ما، أحد ردود فعل الهوية الثقافية العربية في دفاعها عن ذاتها، وارتهانها لخطابات نظم متخلفة أنتجت واقعاً ثقافياً مأزوماً. والحال، أن ما بدا اختلافاً في كتابة الشعراء الشباب، وما صاحبها من ميل واضح للهوس بالتشكيل والضبط وعلامات الترقيم في متون تلك الكتابة "الجديدة" ونصوصها؛ ربما هو أحد ردود فعل الكتابة المغتربة ذاتها. وهو ما نحسبه بعيداً عن أي استحقاق يسعى إلى مواجهة اللغة العربية كلغة طبيعية لعامة السودانيين؛ بها يغنّون ويحلمون.
العربي الجديد
السودان.. الانقلاب والفساد المؤسس
* طارق الشيخ
ما الدوافع التي حركت الحديث الكثير في السودان، في هذه الأيام، عن مكافحة الفساد؟ أصبحت هذه المكافحة قضية يجري تسليط الضوء عليها إعلاميا في السودان، وهذا إيجابي في حال ما إذا كان يمضي في الوجهة الطبيعية والإيجابية. ومن هذا مشروع قانون تقدم به وزير العدل الجديد، عوض الحسن النور، للبرلمان لإجازته، تشير بعض تفاصيله، كما تسربت إلى الصحف، إلى منح مفوضية مكافحة الفساد "الحق فى استدعاء الدستوريين، وأي مسؤول حكومي آخر، من دون اللجوء إلى الأجهزة المختصة لاستجوابه، والتحقيق معه بشأن أي قضية، أو شبهة فساد". ثم كتبت صحف باحتفالية "ومنح مشروع القانون المواطنين حق الشكوى ضد أي مسؤول حال امتلاكه مستنداتٍ، تثبت تورطه في فساد إلى المفوضية المكونة من وزارتي العدل والداخلية، لتتوليا التحقيق في القضية، ومن ثم إحالتها إلى المحاكم الجنائية أو المدنية". يصب هذا كله في خانة الإيجابي المطلوب وبإلحاح، لوقف الفساد الذي اتخذ شكلا وبائياً في السودان. ولكن، عملياً، تُستعاد ذكرى مؤتمر الاتحاد الإفريقي الشهير في سرت الذي أقر فيه القادة الأفارقة في تطور مهم أن يدان كل انقلاب عسكري، يقع في أي من دول القارة السمراء. ولكن، عندما بدأ القادة بحث التفاصيل، اصطدمت الفكرة النبيلة هذه بالواقع، إذ إن عدداً معتبراً من الرؤساء الحاضرين في القمة، بمن فيهم مضيفها معمر القذافي، تنكبوا طريق الانقلاب العسكري للوصول إلى الحكم. وتفتقت عبقرية القادة بأن يطبق القرار اعتباراً من قمة سرت فصاعداً، ومن دون نبش الماضي الأليم، والعودة إلى التاريخ، وبعضه قديم، يوجب إسقاط الجرم عن الانقلابيين، وفقا لتفسير قيادات إسلامية، سألها صاحب هذه السطور، في مؤتمر صحفي، عن السر وراء تشددهم في ما يصفونه، بدأب، انقلاباً عسكرياً في مصر، ويتجاهلون، في الوقت نفسه، وبإمعان، انقلاباً عسكرياً تجاوز عمره ربع قرن في السودان. وفي الواقع، لا يمكن الفصل بين الفساد ظاهرة والانقلاب العسكري فعلاً خارج السياق العام السياسي والاجتماعي، فالانقلاب العسكري وكر الفساد المؤسس. وتثبيت أركان حكم منبت، لا عمد له وسط المجتمع، يقتضي عملية إفساد واسعة ممنهجة، وتنتهي به إلى نشر تلوث سياسي واجتماعي مدمر. والانقلاب ابتداء هو فعل لصالح جماعة سياسية، أو اقتصادية، أو طبقة يفرض غلبتها وأفكارها ونهجها وضمان مصالحها بقوة السلاح. وتتم عملية واسعة لشراء ولاء أحزاب، أو قوى اجتماعية، عدا عن القوات النظامية، بمختلف مسمياتها، وتستحيل هذه القوى مجتمعة إلى شعب وحكومة الانقلاب. وينجم عن هذا الفعل تفتيت ممنهج للقوى السياسية المنظمة، وإضعافها، وإبعادها عن دائرة التأثيرين، الاجتماعي والسياسي. "لا حاجة إلى قوانين جديدة، ولا تذكير الناس بأن رائحة الفساد باتت تزكم الأنوف، لأن المواطن السوداني تواضعت مناعته، إلى درجة مريعة، وافترسه الفساد الرسمي قبل غيره" ويحرص الانقلابيون على ممارسة سياسة إفساد وإبعاد واسعتين للقوى الحية في المجتمع من نقابات ومنظمات أهلية، تبدأ بالترهيب والاعتقال والتعذيب، ثم الإحالة إلى الصالح العام، وتنتهي بشراء الذمم. وفي المحصلة، ونتيجة هذا كله، ليس فقط تتم عملية إزاحة الطبقة السياسية والاجتماعية من على الساحة، بل تنهار أعمدة الدولة بكاملها، وتزدهر صناعة الفساد. هذا بالضبط ما جرى في السودان، ومنذ بداية تغلغل الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية التي سعت إلى شراء قادتها بالمال، إلى درجة أن البيان العسكري الأول لانقلاب الرئيس عمر البشير صيغ، وجرى تسجيله تلفزيونياً كما هو معروف، في بناية وسط الخرطوم للحركة الإسلامية. تريد الحكومة السودانية، اليوم، أن تحارب الفساد، ربما لأنه أصبح منفلتاً بأكثر مما ينبغي، وخرج عن السيطرة. لنفترض جدية الأمر، والله أعلم بالنيات، فلماذا هذه الرحلة الطويلة ومشروع قانون جديد؟ ولماذا مساءلة الدستوريين ووضع الأمر كأنه عبقرية نزاهة، أشرقت على السودان بغتة؟ ولماذا تأسيس مفوضية شفافية ومكافحة الفساد؟ ولماذا يخرج كبار المسؤولين، بين فترة وأخرى، لحث المواطنين على تقديم ما لديهم من أدلة موثقة ضد كل مفسد؟ أصبح الفساد ظاهرة وبائية في السودان، يتفق على ذلك المواطن البسيط، وبات يقر بهذه الحقيقة أعلى رأس في الدولة. ودليل إقرار الدولة بهذا الحال هو إنشاء المفوضية، وهي، على الرغم من اسمها الفضفاض، أفضل مثال على الفساد المستهدف نفسه، لأن أهم وأعرق مؤسسة لمكافحة الفساد في السودان، ومنذ تأسيس الإنجليز الدولة الحديثة في السودان، هي ديوان المراجع العام، وهو حي وموجود منذ عقود. وللمفارقة، يعين رئيس الجمهورية، هذا المراجع العام، ولا مرجعية له سوى رئيس الجمهورية، ولا يعزله سوى رئيس الجمهورية الذي يتسلم نسخة من تقرير المراجع السنوي، ويتسلم البرلمان نسخة، بهدف المحاسبة، الفورية والمحددة بفترة زمنية. واذا كان الحال كذلك، فلماذا يصور قادة الدولة بأن في الأمر عجبا، كما في أغنية الكابلي؟ لماذا تطلب الموثق، ولديها أفضل موثق رسمي في الدولة. لا يحتاج الأمر إلى قوانين جديدة قطعاً، ولا تذكير الناس بأن رائحة الفساد باتت تزكم الأنوف، لأن المواطن السوداني تواضعت مناعته، إلى درجة مريعة، وافترسه الفساد الرسمي قبل غيره. ولا شبيه لمفوضية مكافحة الفساد في الفساد المؤسس للدولة في السودان، سوى هيئة شؤون المغتربين، وهي هيئة غرائبية، إذ تطرد الدولة، وبطريقة مؤسسة، خيرة كوادرها، ثم تلتف عليهم، لتمتصّ ما ادخروه. وبلا حياء، تقيم لهذا التعسف مؤسسة متضخمة، بهدف وحيد، هو الابتزاز المالي المؤسس بلا مقابل. لو تنزع الدولة السودانية دثار الوهم. لديها ديوان المراجع العام، وبالإمكان التعامل الجاد مع تقريره السنوي، وهو أكثر من كاف. ولمن لا يعرف، تقرير المراجع العام السوداني أحد أهم المصادر الرئيسية التي تستند إليها منظمة الشفافية الدولية في تقريرها السنوي عن السودان. وأمام الحكومة أحد طريقين لمحاربة الفساد: نهج القادة الأفارقة، بمعنى من الآن فصاعداً، أو التعامل مع تقرير المراجع بأثر رجعي، ونبش السنوات الماضية بكل روائح الفساد وألوانه، والتي تركت جروحا غائرة على اقتصاد السودان وإنسانه. ودعونا من الكلام الكبير وقانون الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد وبنودها. لنبدأ بما هو قائم وموجود وموثوق.
* كاتب وصحفي سوداني، دكتوراة من جامعة صوفيا، نشر مقالات وموضوعات صجفية عديدة في الصحافة العربية، يعمل في صحيفة الراية القطرية، عمل سابقاً رئيس تحرير ل "الميدان" الرياضي السودانية.
العربي الجديد
مسؤولة أميركية تأمل في رفع العقوبات عن السودان قبل إنقضاء فترة أوباما
أبدت مسؤولة أميركية أملها في أن ترفع العقوبات المفروضة على السودان قبل إنقضاء فترة الرئيس باراك أوباما، بينما تأسف وزير الخارجية السوداني على استمرار الحروب الأهلية في البلاد رغم أن جميع البلدان تجاوزتها.
وانطلقت بالخرطوم، الثلاثاء، فعاليات منتدى سلام السودان بقاعة الشارقة برعاية معهد أبحاث السلام بجامعة الخرطوم ومشاركة كوكبة من فنانين شاركوا في وقفة من أجل السلام عقب جلسة المنتدى.
وأكد وزير الخارجية أبراهيم غندور أهمية تحقيق سلام حقيقي عبر حوار شامل وشفاف، قائلا إن “الحكومة ستسعى للبحث عن السلام في أي مكان”، وأعرب عن أسفة لتأخير قضايا السلام في السودان.
وقال إن العديد من القضايا لا سيما السلام والديمقراطية والهوية والفقر كان يمكن حسمها عقب الاستقلال، مبينا أن ذلك جاء في خطاب الوثبة الذي تلاه الرئيس عمر البشير لدى انطلاقة الحوار الوطني في يناير 2014.
وتأسف غندور لاستمرار الحروب الأهلية التي تجاوزها الكثيرين وإندلاع الحرب في العديد من مناطق السودان وقتل الأخوة بعضهم بعضا.
من جانبها أبدت مساعدة مدير بعثة منظمة المعونة الأميركية بالسودان، لي سوانسون، أملها في أن ترفع العقوبات الأميركية عن السودان قبل انتهاء فترة الرئيس باراك أوباما.
وتجدد الإدارة الأميركية سنوياً وبشكل روتيني منذ العام 1997 عقوبات مفروضة على السودان بموجب العمل بقانون الطوارئ الوطني.
وطالبت سوانسون بالانتقال من محطة تقديم المساعدات الإنسانية الى تحقيق التنمية المستدامة، قائلة “ظللنا طيلة 50 عام نقدم المساعدات والآن نريد تحقيق السلام والتنمية”.
وأكدت ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مارتا رويدس أن المنتدى سيكفل التفكير الجاد في السلام وتحديد تكلفته في السودان عن طريق الحوار باعتبار أن السلام مفتاح الاستقرار والتنمية.
وتابعت “لدينا رغبة حقيقية في تحقيق السلام في السودان ولدينا ميزانية تقدر نسبتها بـ 69% للتنمية والحكم الرشيد والشراكة مع الآخرين لتحقيق السلام وحل الأزمات في دارفور والمناطق الحدودية مع جنوب السودان.
وأفاد الفنان راشد دياب بأهمية دور الفن في انهاء الصراعات وتحقيق السلام، وانتقد دور “الحكامات” في تأجيج النزاع، وقال لـ (سودان تربيون) “هذه الثقافات لا بد من معالجتها”، داعيا الدولة لإيجاد وعاء يوجه الفن لتحقيق السلام والابتعاد من غناء “الحرابة”.
وذكر دياب أن السودان الدولة الوحيدة في العام التي بها ثلاثة حروب فشلت جميع المبادرات لإخمادها، وأعلن عن مبادرة يقوم بها عدد من الفنانين لمناطق الصراعات من أجل توفير معينات العيش للمتضررين من الحرب، ومعالجة المشاكل النفسية.
ودعا الخيرين لمد يد العون لهذه المبادرة، وأعاب على الحكومة ضعفها في ايقاف الحرب لإعتمادها على الإعلام الموجه.
سودان تربيون
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






