‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات ومقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات ومقالات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 أبريل، 2016

كمال عمر: أسكن في بيت بالإيجار.. والدي اتحادي ديمقراطي.. أبنائي يحبون دكتور الترابي أكثر مني


كمال عمر: أسكن في بيت بالإيجار.. والدي اتحادي ديمقراطي.. أبنائي يحبون دكتور الترابي أكثر مني.. وهدف دحدوح عالق بذهني

الخرطوم – نصر حامد
كمال عمر سياسي محنك ورجل مصادم عركته السياسة ودخل أضابيرها وتمرس فيها وصعد نجمه بسرعة عبر حزبه (المؤتمر الشعبي)، (اليوم التالي) اصطادت عمر لتسبح في عوالمه التي لا يعرفها الآخرون، وكان الرجل صريحاً ومرحاً وتمتع بروح عالية وإجابات صادقة في حوار شيق ومتنوع تتابعونه عبر السطور التالية:
نعرف أكثر عن الاستاذ كمال عمر؟
أنا دنقلاوي من مواليد واو، ولدت بمستشفي الراهبات بواو، والمراحل الدارسية الأولية كانت بجنوب السودان، والثانوية في الحصاحيصا الشيخ طابت عبد المحمود والمناقل، ومن ثم درست بجامعة القاهرة الفرع كلية القانون.
ما سر التنقل بين مدن السودان المختلفة؟
كان والدي يعمل شرطياً لذلك كان التنقل بين المدن المختلفة.
هل تجيد الرطانة؟
انا دنقلاوي ولم أجد لغة الدناقلة إلا أنني ارطن بالدينكا.
متى التحقت بالمحاماة؟
عام 1987م.
ماذا عن الأسرة الصغيرة؟
أنا متزوج من الاستاذة زينب طه الحسين وهي جعلية ولدي من الأطفال ولدان وبنتان، وائل وهو مهندس ميكانيكا ووئام دكتورة أسنان، وكمال وهو محاسب. 
السكن؟
اسكن في مدينة الطائف جنوب قناة الشروق.
ملك ام إيجار؟
ضحك وقال: لن تصدقني، انا اسكن بالإيجار ولا أمتلك قطعة أرض.
علاقة الأولاد بالسياسة؟
انا ديمقراطي داخل المنزل، اعطي كل واحدة حريته في اختيار لونه السياسي إلا أن ابنائي يحبون دكتور حسن الترابي اكثر من أبيهم.
ماذا عن الأسرة الكبيرة؟
الوالد موجود في حي بمدينة دنقلا، والإخوان هناك أيضا والوالدة عليها رحمة الله انتقلت إلى جوار ربها قبل خمسة أشهر.
الأسرة الكبيرة ما ميواها السياسي؟

والدي اتحادي ديمقراطي ويحب الأزهري.

هل مارست كرة القدم؟
نعم وكنت حريف جداً 
الخانة؟
طرف شمال ويمين ووسط.
لماذا لم تواصل في كرة القدم؟
المفروض التحق بنادي هلال الحصاحيصا ولكن لم يتم ذلك لأن والدي له رأي واضح في كرة القدم.
من من اللاعبين الذين زاملتهم؟
ابليس لاعب هلال الحصاحيصا. 
أي فريق تشجع؟
الهلال وأموت في الهلال واحبه بصورة كبيرة.
لاعب مفضل؟
علي قاقرين، عز الدين الدحيش، طارق احمد آدم، هيثم مصطفى والآن كاريكا ومساوي.
لاعب مزعج من المريخ؟
بكري المدينة. 
إداري شاطر؟
جمال الوالي.
مدرب شاطر؟
فوزي المرضي.
لاعب من المريخ تتمني ان يلعب في الهلال؟
بكري المدينة.
عمل في المريخ تتمنى أن يكون في الهلال؟
ان المريخ لا يعرف اليأس ولديه العزيمة والإصرار واتمنى أن يكون ذلك في الهلال.
هل تشاهد المباريات داخل الملعب؟
نعم اشاهد كل مباريات الهلال من داخل الاستاد.
مواقف لا تنسى؟
عندما احرز اللاعب دحدوح هدفاً في الهلال خرجت من الاستاد ولم اعرف مكان عربتي الا بعد فترة وانتهت المباراة بفوز المريخ بهدفين.
لو كنت رئيساً لنادي الهلال فماذا ستفعل؟
الاهتمام باللاعبين السابقين وعمل تأمين لكل لاعبي الهلال الحاليين لأن هناك لاعبين بالهلال يمرون بظروف حرجة جدا جداً يسوقون الرقشات والأعمال الهامشية في سبيل البحث عن لقمة العيش.
هل يشجع أبناؤك الكرة؟
كل الأبناء يشجعون الهلال عدا ابني وائل فهو مريخابي ويحب المريخ.
فنان مفضل؟
محمد وردي ومحمد الأمين وعثمان حسين وأبو داود والكابلي.
فنانة؟
أم كلثوم وعائشة الفلاتية والبلابل.
شاعر مفضل؟
سيف الدين الدسوقي.
هواية؟
القراءة والتواصل الاجتماعي.
قرار موفق؟
الانتماء للحركة الإسلامية.
قرار غير موفق؟
انتقالي من منزل السجانة إلى الطائف.
خبر سار؟
نجاح الأبناء.
خبر غير سار؟
وفاة الوالدة عليها رحمة الله والدكتور حسن الترابي.
وجبة تفضلها؟
القراصة.
هل تدخل المطبخ؟
ادخل المطبخ باستمرار.
كمال عمر مطيع في المنزل؟
لا أنا متمرد جداً في البيت.
جريدة سياسية؟
اليوم التالي وألوان والجريدة..
صحيفة رياضية؟
قوون
صحافي سياسي؟
ليس لدي صحافي سياسي معين
وأيضا صحافي رياضي؟
ليس لدي كاتب معين
أمنية تحققت؟
دخول المحاماة
أمنية لم تتحقق؟
كانت لدي فرصة للاغتراب بالكويت لكن لم تتحقق.
لونك السياسي؟
مؤتمر شعبي.
شخصية سياسية؟
دكتور حسن عبد الله الترابي عليه الرحمة.
كلمة أخيرة؟
الشكر لصحيفة (اليوم التالي) واتمنى لها التفوق والازدهار.


اليوم التالي

الخميس، 14 أبريل، 2016

السودان ... الدبلوماسية بالمجان !!


أحداث : مها التلب
تسود حالة من السخط والإحباط في الأوساط الدبلوماسية والسياسية من ما يمكن تسميته ( الفشل الدبلوماسي المزمن ) ، إذ تتهم الدبلوماسية السودانية دوماً بالفشل في إحداث اختراق في كثير من القضايا، ويقول الخبراء إن الخارجية على الدوام ظلت سخية مع نظرائها من الدول الأخرى ، تمنحهم ما لا يستحقون وتقدم التنازلات على طبق من ذهب ، حيث لا تنازل فيما تتمسك وتتشدد بالقشور، وكل هذا مجاناً ودون ثمن .
فقد ظلت الدبلوماسية السودانية تتلقى ضربات عصا الولايات المتحدة الأمريكية على "قفاها" ، دون أن تتذوق طعم الجزرة الأمريكية الشهية، لكنها مع ثقل العصا الأمريكية حصلت على بعض الثمار الأوروبية المبذولة دون "نواطير" ، أما على المستوى العربي فإن دبلوماسية "حد الذروة" هي التي حكمت العلاقات السودانية العربية، بيد أنها تراوحت ما بين التشدد المكافئ للحرب أو التراخي المفرط .
فمن الحالة القريبة من الحرب مع الخليج إلى المشاركة في حلف عسكري، تبدلت علاقات الخرطوم فجأة من حليف لإيران إلى حليف سياسي وعسكري للمعسكر المناوئ لها، الدبلوماسية السودانية ما تزال تدفع ثمن أخطاء قديمة وتنسى أن التحولات الإقليمية والدولية الكبيرة التي تحدث تحتاج دبلوماسية جديدة وفعالة تعرف كيف تتعامل بالمثل وكيف تحافظ على مصالح السودانيين.

فشل تطبيق الحريات :
ابتدر أحد الدبلوماسيين الذين تحدثت اليهم "الجريدة" حديثه بالقول إن الدبلوماسية فشلت في إحداث اختراق في كثير من القضايا المفصلية والمهمة والتي وصفها بأنها غيرت مجرى الحياة السياسية للبلاد، وضرب مثلاً بفشل الدبلوماسية السودانية في تطبيق الحريات الأربع على المواطنين السودانيين في مصر، وفقاً للأعراف الدبلوماسية التي تقتضي أن تتم معاملتك بالمثل وزاد: هذا في نظري " عطاء من غير مقابل " مؤكداً في الوقت ذاته أن وزارة الخارجية ليس بمقدورها شيء لتفعله خاصة فيما يتعلق بملف العلاقات الثنائية بين القاهرة والخرطوم وأرجع السبب الى أن الملف ليس بيدها وإنما بيد رئاسة الجمهورية وهي من يقرر ما يراه مناسب بشأن علاقة البلدين الدبلوماسية .

من أجل التقارب :
في محور عن التطور في العلاقة ما بين الخرطوم والرياض قال الدبلوماسي الرفيع الذي فضل حجب اسمه لـ(الجريدة ) إن العلاقة بينهما غير متكافئة على الرغم من ما تقدمه الخرطوم للرياض من تنازلات ، وأشار الى الخرطوم قطعت علاقتها الدبلوماسية مع إيران على الرغم من أن السعودية طلبت تخفيف العلاقة وليس قطعها، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شاركت في عاصفة الحزم وبعدها رعد الشمال بجانب دعم المساعي السعودية في المنطقة الأفريقية وعلى الرغم من ذلك الثمار التي جنيت من ذلك لا ترقى والتحول الكبير، مقارنة مع حظيت به القاهرة التي ترددت في الانضمام لعاصفة الحزم ولم ترسل قوات ولكنها جنت العديد من ثمار عبر مشروعات مختلفة تم التوقيع عليها في زيارة الملك سلمان لمصر والتي استمرت خمسة أيام .

الاتحاد الأوربي والمائة مليون يورو :
و فيما يختص بالجانب الأوربي قال المصدر إن وزارة الخارجية قبلت تبرع الاتحاد الأوربي الذي قدره (100) مليون يورو من أجل مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر لمنع تسللهم الى أوربا خاصة اللاجئين الأريتريين والإثيوبيين وأكد أن التبرع غير مفيد وأن هذه الخدمة ستقدم للدول الأوربية دون مقابل لأن الاتحاد الأوربي هو من يننفذ هذه المشروعات الموجهة في المقام الأول للاجئين من دول الجوار في شكل خدمات صحية وتعليمية بجانب مكافحة الفقر وانخفاض معدلات انعدام الأمن الغذائي.

سيادة منتقصة :
حول سؤال "الجريدة" عن سماح الدبلوماسية السودانية لمبعثوين ودبلوماسيين غربيين يرفضون مقابلة رئيس الجمهورية المشير عمر البشير بزيارة البلاد، قال السفير: الأمر لا يعدو في بعض الأحيان من كونه استثناء لبعض السفراء المعتمدين لهذه الدول لدى السودان الذين لا يكتمل تعيينهم كمبعوثين دون تسليم أوراق اعتمادهم لرئيس البلاد .
إقعاد الدبلوماسية :
في الأثناء قال السفير السابق إبراهيم طه أيوب لـ(الجريدة ) أن السياسة الخارجية انعكاس لسياسة الحكومة التي اتهمها بإقعاد عمل الدبلوماسية السودانية مشيراً في الوقت ذاته الى أن الحكومة لا تمتلك رؤية موحدة في الكثير من القضايا ودلل على ذلك بمشاركة السودان بقوات برية في عاصفة الحزم دون الرجوع الى البرلمان، ووصف طه بعض الدبلوماسيين بالمحترفين في عملهم وقال: إن الحكومة أقعدتهم من أداء عملهم، وفي الوقت ذاته انتقد توظيف بعضهم وفقاً للانتماءات الحزبية واتهم السلطات الأمنية بالتغول على عمل الدبلوماسية السودانية بالسيطرة والاستيلاء على بعض الملفات، مؤكداً أن هذا الأمر يعمل على عرقلتها ويقلل من فرص تقديمها لعمل دبلوماسي يرتقي الى المنافسة دولياً وإقليميا وأشار الى أبان عمله مع الرئيس الراحل جعفر نميري" كان الدبوماسيون يملون عليه ما يفعله دبلوماسياً في الكثير من القضايا الدولية " .
ملفات بيد طه :
وقال دبلوماسي آخر فضل حجب اسمه لـ(الجريدة ) إن ملف دول الخليج بيد رئاسة الجمهورية وأردف: حتى أكون دقيقاً، فالملف بيد وزير الدولة ومدير مكتب الرئيس الفريق طه عثمان الحسين الذي يتمتع بنفوذ كبير ومزود بتفويض قوي من قبل رئيس الجمهورية، سيما وأنه كان قد نقل لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قطع العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإيران، وإن علاقته تمتنت مع القادة السعوديين منذ تلك اللحظة وتأكيداً لما جاء في حديث الدبلوماسي فإن متابعات "الجريدة" رصدت تحركات الرجل مع المملكة العربية السعودية وكانت الخرطوم بوابتها إلى القارة الأفريقية خاصة وأنها كانت تستهدف حشد تحالف دولي لإسناد مواقفها الدولية والإقليمية أثناء مشاركتها في القمة السادسة والعشرين للاتحاد الأفريقي أواخر يناير الماضي بأديس أبابا والتي شارك فيها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير للمرة الأولى منذ تسلم منصبه .
العصا والجزرة :
وقال السفير الذي فضل حجب اسمه أن موقف الإدارة الأمريكية تجاه السودان تمرحلت ما بين الشد والجذب والعصا والجذرة ودلل على ذلك بأن مواقفها ظلت مختلفة في كثير من القضايا المختلفة وأشار الى أن الحكومة وعدت في أكثر من مرة بتطبيع العلاقات بين البلدين ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بجانب شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب غير أنها لم تفعل شيئاً من ذلك حتى عقب التعاون الذي أبدته الخرطوم في ملف مكافحة الإرهاب بجانب التزامها بقيام الاستفتاء في جنوب السودان، وأضاف قائلاً إن اندلاع الحرب في كل منطقتي النيل الأزرق و جنوب كردفان ودارفور وأبيي كل هذه جعلت من الصعوبة بمكان تحقيق التطبيع بين الخرطوم وواشنطن في القريب العاجل .

دفاع وعطاء :
(الجريدة ) جمعت كل هذه التساؤلات والانتقادات وتوجهت بها إلى وكيل وزارة الخارجية السفير عبد الغني النعيم عوض الكريم الذي أكد أن العملية الدبلوماسية عبارة عن عملية معقدة وتحتاج إلى فهم أكثر من عمليات الحساب الرياضية خاصة في أمهات القضايا، وشبه عمل الدبلوماسية بالزرع الذي يغرس ومن ثم ينتظر الحصاد، مؤكداً الى أن العملية الزراعية تحتاج الى متابعة وتواصل بشكل شامل واوسع حتى تعطي في نهاية المطاف النتائج المطلوبة.
ودافع عبد الغني عن أداء الدبلوماسية السودانية رافضاً في الوقت ذاته حديث بعض الجهات عن تدخل جهاز الأمن والمخابرات الوطني في عمل الوزارة وشدد على أن العمل يمضي بصورة مستقلة بعيداً عن التدخلات لكنه استدرك قائلاً إن جهاز الأمن له دوره الذي يقوم به وكذا الحال ينطبق على وزارة الدفاع وكل الوزارات تقوم بدورها وفي النهاية تتشكل في شكل أهداف قومية تصب في مصلحة البلاد.
وقال وكيل الوزارة إن الخارجية تعمل بكفاءة عالية في ظل ظروف صعبة وقاسية يمر بها السودان قال عنها لا تقل عن نيل الاستقلال وفقاً للظروف الخارجية التي تحيط بالبلاد مؤكداً في الوقت ذاته الى أن السودان متقدم على مصر باتخاذه قرار تنفيذ الحريات الأربع، وتوقع أن تتخذ مصر ذات الخطوة على الرغم من تأخرها وقطع بأن السودان لديه القدرة على إيقاف الحريات الأربع في حال أراد ذلك .

الجريدة

الأربعاء، 13 أبريل، 2016

عمال (الدرداقات) بين مطرقة المحليات وسندان المتعهدين

محرومون من التنظيم النقابي.. تلاحقهم الرسوم الباهظة والغرامات
تحقيق – آمال حسن
شرع أحد الشباب، يعمل بائعاً متجولاً، يبلغ من العمر (18) عاماً، شرع في الانتحار بالسقوط من أعلى مباني وحدة النظام العام بالسوق الكبير بمدينة الأبيض، حاضرة ولاية “شمال كردفان”.
وحسب شهود عيان، فقد تسلق الشاب مباني المحلية، ورفض النزول منها حتى تتم الاستجابة لطلبه. وتم الاتصال بشرطتي الدفاع المدني والنجدة والعمليات، واللتان هرعتا إلى مكان الحادث وبدأتا التفاوض معه لإقناعه بالنزول، وفي أثناء الحديث معه صعد أحد النظاميين لإنقاذه، إلا أن المحاولة انتهت بسقوطهما معاً على الأرض، وقد أصيب النظامي إصابة بالغة، نقل على إثرها إلى المستشفى، وتم القبض على الشاب وفتح بلاغ ضده تحت المادة (133) الشروع في الانتحار. وقد أبدى الأستاذ “الشريف الفاضل” معتمد محلية شيكان أسفه لهذه الحادثة. وقد سلطت هذه الحادثة المؤسفة مزيداً من الضوء على قضية أصحاب (الدرداقات)، وعلاقتهم المتوترة بالسلطات المحلية، وكيفية تعامل الأخيرة معهم، وما قد يترتب على ذلك من نتائج مأساوية أحياناً. ولا يتعلق الأمر بمدينة الأبيض ومحلياتها حيث وقعت الحادثة، وإنما بالعديد من المحليات، بما في ذلك العاصمة القومية، حيث تشهد مدنها أزمات مماثلة في علاقة المحليات بعمال (الدرداقات). فقد وضعت المحليات العمال بين خيارين، إما أن يؤجروا (درداقات) من متعهدين معتمدين لديها مقابل مبالغ كبيرة، حسب وصفهم لها، لا تتناسب مع دخولهم المتواضعة، وإما التعرض إلى الغرامة حال اشتغل العامل بدرداقته الخاصة، والتي ربما تتعرض للمصادرة.
وقد خطت محلية بحري، خطوة ايجابية بإلغاء نظام المتعهدين، وتبقى أن تحذو محليات أم درمان والخرطوم حذو بحري، بوقف نشاط الوسطاء، وإنهاء الملاحقات والغرامات التي تثقل كاهل العاملين.

لأصحاب (الدرداقات) قضية عادلة:
عادة ما يشتكي أصحاب (الدرداقات)، من تعامل سلطات المحلية بالعاصمة القومية معهم، ويتهمونها بأن الإجراءات التي تتخذها بشأنهم تهدد بقطع أرزاقهم. وعمال (الدرداقات) هم في الغالب شبان صغار السن، أجبرتهم ظروفهم القاسية على هذا العمل، فمنهم من ترك المدرسة ليساعد أسرته في كسب العيش، ومنهم من يحاول التوفيق بين المدرسة والعمل.
وتدخل المحليات، في بعض الأحيان، كما في بحري نحى باتجاه تقنين احتكار عمل (الدرداقات) لمقاولين، ترتب على ذلك حرمان الآخرين من العمل ومطاردتهم، كما يقول “العجب إبراهيم” وهو من مالكي (الدرداقات)، في حديثه لـ(المجهر) أن المحلية أعطت (عطاء الدرداقات) لأحد الأشخاص، هذا الشخص لا يسمح لأصحاب (الدرداقات) الملاكي بالعمل.. فإما أن تؤجر من مالك العطاء درداقة وتعمل بها مقابل إيجار محدد، أو لا تشتغل نهائياً. وقال: نحن نعول أسراً، ولا يمكن أن نؤجر (درداقة) بمبلغ 15 جنيهاً في اليوم، لان هذا مبلغ كبير جداً، لان مصاريف الفرد الواحد تتجاوز الـ(20) جنيهاً في اليوم، بينما الدخل محدود أصلاً ولا يكفي حاجتنا. واستطرد قائلاً: إن على الحكومة أن تراعي ظروفنا، فقد قبلنا بهذا العمل الشاق وعليها أن تساعدنا، لأننا نريد أن نأكل حلالاً، وختم بقوله إن هناك وعوداً من النقابة بحل هذه الإشكالية، لكن وصفها بأنها بلا جدوى.
وفي السياق ذاته، تحدث لـ(المجهر) “عبد العزيز علوبة” وهو يمتلك (درداقة) أيضاً، وقال إنه يعاني من (الكشات) والملاحقات من قبل موظفي المحلية، وفي حال تم القبض عليه فإنه يغرم مائة جنيه وتحجز (الدرداقة) لمدة أسبوع، قبل أن يتم تسليمها له.. واستدرك قائلاً: “لكن يمكن أن يقبضوا عليك مرة أخرى”، وأضاف: “نحن نعاني لأننا نعول أسراً، و(درداقة) المحلية يتم تأجيرها بمبلغ 15 جنيهاً لليوم الواحد، وهذا المبلغ يمكن أن يساوي قيمة وجبة “كمونية” للأسرة، فكيف نعيش إذا دفعنا مثل هذا المبلغ الكبير من دخولنا اليومية المتواضعة؟”، وشدد على ضرورة أن تنظر الدولة في أمرهم وتحل مشاكلهم، وفوق كل ذلك أن لا تأتي لهم بمخدم،لأننا نتضرر من ذلك – على حد تعبيره. وأوضح أنهم كونوا نقابة لـ(الدرداقات) لكن الحكومة تدخلت، كما قال “وحلت النقابة وظلوا يطاردوننا”، وتساءل: إلى متى هذه المطاردة؟ وطالب الحكومة بدلاً من كل ذلك أن توفر لهم عملاً بديلاً، “وحتى لا نضطر لأن نصبح حرامية أو نشالين، أو الانضمام للمعارضة”، وأضاف: “نحن نطالب بحقنا في الحياة والعمل والعيش الكريم”.
رئيس الوحدة النقابية
من جانبه أوضح رئيس الوحدة النقابية لعمال الشحن والتفريغ و(الدرداقات) بـ”سوق ليبيا، “أحمد حامد محمد حامد” لـ(المجهر)، طبيعة التنظيم النقابي لعمال (الدرداقات) والعقبات التي تواجهه ومشكلات العمل، فقال إن هذا التنظيم تكون من 2011 بواسطة العمل النقابي، وكل المستندات التي بحوزتنا من مسجل عام تنظيمات العمل، عبر اتحاد عام ولاية الخرطوم، الذي خاطب معتمد أم بدة وهو – بدوره – خاطب المدير التنفيذي لوحدة سوق ليبيا، وخلص إلى القول بأن هناك صعاباً لازالت تواجههم، وهي العطاءات داخل التنظيم، ودعا الوالي للتدخل والوقوف مع العمال الذين تشردوا من العمل، وأضاف لـ(المجهر) عضو نقابة عمال الشحن والتفريغ “الطيب محمد الضي”، بأنهم خاطبوا جميع المعتمدين، وأنهم ردوا بأنهم يعترفون بالعمل النقابي، ولكن للأسف، كما قال من غير تنفيذ، وأضاف: نحن ندفع اشتراكات يتم تحصيلها سنوياً من كل (درداقة)، وأشار إلى وجود مخالفات تتعلق بالإيصال الالكتروني، وأشار إلى مساهمتهم في دعم نفرات من عائد (الدرداقات)، مثل نفرة “أبو كرشولا” و”النيل الأزرق، وغيرها، وقال: لذلك ندعو الجهات المسؤولة للوقوف مع العمال، الذين أصبحوا الآن مشردين.
وأكد تاجر بسوق ليبيا لـ(المجهر) قائلاً: نحن نعاني من محلية سوق كل شهر تفرض رسوماً على (الدرداقة) الواحدة قدرها 100 جنيه شهراً وهي ملاكي، ملك لصاحب الدكان.
نفس الشكوى عبر عنها “هشام جوكا”، الذي قال إن الوحدة الإدارية بسوق ليبيا تفرض عليهم مبالغ مالية نظير العمل في السوق، تصل في بعض الأحيان إلى 15 جنيهاً يوماً، مبدياً امتعاضه من هذا الأمر، وأشار “هشام” إلى أن كل من يتهرب من دفع هذا المبلغ يتم تغريمه مبلغ 55 جنيهاً عبر إيصال محلي غير الكتروني، ودعا الحكومة الاتحادية لإزالة هذه الأعباء عن كاهلهم حتى يمارسوا أعمالهم بصورة طبيعية لإعالة أسرهم في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة، وأبدى عدم رفضه للتنظيم في الأسواق، لكن ليس بفرض الأعباء المالية الباهظة على الضعفاء، ممن أجبرتهم ظروف الحياة لامتهان هذه المهن الهامشية.

بحري تفك احتكار تشغيل (الدرداقات)
في خطوة ملموسة لمعالجة هذه المشكلة واستجابة للشكاوى المتصاعدة من هذه الشريحة، قررت محلية بحري مؤخراً، وقف عمل (الدرداقات) التي تتبع للمقاولين أو الوسطاء، واحتجزت (150) درداقة بالسوق المركزي بشمبات، حسب ما ذكرت جريدة (المجهر)، فقد تم تنفيذ القرار عقب خلافات بين الوحدة الإدارية للسوق وأصحاب العطاء، الذين كانوا يتولون تشغيل (الدرداقات) بتأجيرها للصبية، مقابل (20) جنيهاً في اليوم، حسب إفادات عاملين بالسوق.
وقد أوضح مدير الوحدة الإدارية بالسوق المركزي بشمبات “سيد عبد الحميد عبد العليم” أن قرار وقف عمل (الدرداقات) يأتي في إطار فك الاحتكار، مبيناً أنه: (كان يتم تأجيرها من قبل شخص للعاملين بمبلغ يتراوح بين 15 إلى 20 جنيهاً)، وأضاف قائلاً: (ألغينا الإيجار والعطاء، والبداية بالسوق المركزي وسيعمم القرار على أسواق المحلية والولاية كافة).
ودعا “سيد عبد العليم” العاملين في (الدرداقات) إلى توفيق أوضاعهم بشراء (درداقات) يمتلكونها، مشيراً إلى أن المحلية مستعدة لترخيصها، لافتاً إلى أن صاحب العطاء كان يسدد أكثر من (30) ألف جنيه في الشهر للمحلية.
وأشار مدير وحدة سوق بحري الأستاذ “الزبير حسن بلال” لـ(المجهر) إلى تطبيق القرار في السوق الكبير بحري، بينما أعلنت إدارة المحلية عن قبول عطاء لمتعهدين جدد، وطرح (الدرداقات) تمليك مجاناً للشباب الفاقد التربوي مقابل التعليم في محو الأمية، وقال إنه تم تنزيل التوجيه الصادر من المعتمد، من إدارة المحلية للإدارة التعليمية بفتح فصول محو الأمية للشباب الذين تهربوا من المدارس.
وأبان أن عقد عمل متعهدي (الدرداقات)، في سوق بحري مازال سارياً، إذ ينتهي العمل به في 1/7/2017م، وقد رفعنا العقد للرئاسة عشان لمعرفة الرأي القانوني بشأن إنهاء العقد، قبل تاريخ انتهائه، إذ يتضمن العقد فقره تجيز للمحلية أن تنهي العقد للمصلحة العامة، قبل انتهاء الفترة القانونية. وقد حول المدير الأمر للمستشار القانوني لأخذ الرأي القانوني للتطبيق هذا القرار، مشيراً إلى أن هناك الآن في سوق بحري متعهد يمتلك 300 درداقة، ويقول إنه يقوم بتشغيل ما بين (250) إلى (200) درداقة، في اليوم يعمل بها عدد العاملين هم في مراحل عمرية مختلفة.
خطوة على الطريق الصحيح

خطت محلية بحري خطوة في الطريق الصحيح، بإيجاد معالجة تستصحب البعد الإنساني لمشكلة الصغار العاملين بـ(الدرداقات)، وهي خطوة وجدت ارتياحاً واسعاً من المواطنين عامة، ينتظر أن تلحقها خطوات أخرى. كما ينتظر أن تشكل هذه الخطوة، أنموذجاً تقتدى به المحليات الأخرى في العاصمة القومية وخارجها، لأجل إيجاد حل جذري للمشكلة، يستجيب لمطالب هذه الشريحة المكافحة.
المجهر

الإصلاح الآن: الاتحادي (الأصل) غير موجود ويفترض أن يلغى من خارطة الأحزاب

جدد حزب الإصلاح الآن موقفه الرافض للمشاركة بالحوار الوطني الجاري حالياً، واعتبره حواراً غير شامل وكامل. وقال القيادي بالحزب “أسامة توفيق” في حديث لــ(المجهر) أمس (الثلاثاء)، إنه إذا لم يستجب المؤتمر الوطني والنظام الحاكم لبسط الحريات وإيقاف شامل للحرب لن يشارك. ودعا “توفيق” خلال حديثه قوى الإجماع الوطني بقيادة “فاروق أبو عيسى” بالتوحد والعمل بإيجابية لمصلحة المعارضة، في وقت أشاد فيه بموقف “الصادق المهدي” والذي اعتبر موقفه الوحدوي للمعارضة موقفاً إيجابياً. وأشار “توفيق” إلى أن الشعبي لن يفقد قوته بعد رحيل “الترابي”، ولن تحدث وحدة بينه وبين المؤتمر الوطني، مشيراً إلى أن الشعبي شارك بالحوار الوطني من أجل الحريات. وتنبأ “أسامة” بأنه في حال لم يحقق الحوار الوطني أهداف الشعبي القاضية بالحريات وإشاعة العدل، فإنه ستحدث مفاصلة أخرى وسينسحب الشعبي من الحوار القائم حالياً. وفي السياق سخر “توفيق” من الحزب الاتحادي (الأصل) وقال إن مساعد الرئيس المشارك بالحكومة السيد “محمد الحسن” بالقاهرة ووالده رئيس الحزب بلندن. وزاد: (هو في حزب أصلاً يعني) ، مشيراً إلى أن الحزب لم يعقد مؤتمره العام لقرابة الـ(50) عاماً ومن المفترض أن يشرع مجلس الأحزاب في إلغائه.
المجهر

رفض المسؤولين للتفتيش .. استغلال نفوذ أم تجاوز قوانين


عندما اتصلت بأحد المسؤولين بإدارة مطار الخرطوم لأخذ إفادته فيما أثارته الصحف الصادرة أمس حول رفض بعض المسؤولين بالدولة الخضوع للتفتيش في صالات المطار وتمنعهم بحجة أنهم مسؤوليين كبار، أفاد المسؤول الذي فضل حجب اسمه أن القضية ليست جديدة، وهذا ما يؤكد أن هناك مشكلة قديمة متجددة لم تعالج .
بالأمس استنجدت إدارة الجمارك بالمطار ممثلة في العقيد شرطة عبد الله بريمة، بالبرلمان للتدخل وممارسة دوره الرقابي تجاه قضية اعتراض مسؤولي الحكومة على إجراءات تفتيش أمتعتهم، وشدد على ضرورة التأكيد على أن لا أحد فوق القانون، وقال “جمارك المطار تعاني في تفتيش المسئولين بينما المستثنيان فقط هما رئيسا الجمهورية والقضاء .

سابقة
حادثة زوجة وزير الدولة بالمالية التي حدثت في سبتمبر الماضي ماتزال عالقة بالأذهان وتعد أكبر دليل على ماذهب إليه المسؤول بإدارة الجمارك، حيث إنها رفضت تفتيش أمتعتها أثناء مرورها بصالة المغادرة بحجة أنها زوجة وزير وأبرزت الجواز الدبلوماسي، وعندما حاول الضابط المسؤول القيام بواجبه وجد اعتراضاً منها، واستنجدت بزوجها مما أدى إلى ايقافه عن العمل لفترة مؤقتة .. كل هذه المعطيات تدفعنا لأن نتساءل هل الجواز الدبلوماسي حصانة من التفتيش؟
تخوف
أصبحنا نهاب من مطالبة المسؤولين الحكوميين بالخضوع لعملية التفتيش بهذه العبارة ابتدر مصدر بشرطة جمارك المطار حديثه لـ (آخر لحظة) وأمن على حديث العقيد بريمة، وأضاف عندما قام بعض زملائنا بواجبهم تعرضوا للحبس والمساءلة والتضييق من جهات نافذة بالدولة، وذهب المصدر لأبعد من ذلك عندما كشف عن أن بعض الشركات تلجأ للاحتيال لتوريد معدات في شكل قطع غيار أو مواد خام لتتهرب من دفع الرسوم الجمركية الخاصة بتلك المعدات .
ضوابط
البرلمان الذي استنجدت به إدارة الجمارك في المطار أكد بأنه لاتوجد حصانة مطلقة للمسؤلين، وأن الناس سواسية أمام القانون، وقال على لسان رئيس لجنة العدل والتشريع أحمد محمد آدم التجاني لايمكن أن تستغل الحصانة في الأفعال غبر القانونية الذي قال لـ (آخر لحظة ) إن كان تفتيش أمتعة المسؤولين من أجل السلامة فهو أمر طبيعي، أما المسائل الأخرى فيحددها قانون الحصانات، خاصة إن كان التفتيش حول شبهة جنائية، فهناك اجراءات خاصة بهذا الأمر، إلا أنه شدد على عدم وجود حصانة موضوعية .
تحايل على القانون
من جهتها أقرت عضو لجنة النقل بالبرلمان نور الوسيلة أن قانون الجمارك به تجاوزات كثيرة ولايخضع للتطبيق بالكامل، وقالت:((ما كل المسؤولين يطالبوا بان تخضع أمتعتهم للتفتيش، وهناك فئة محددة تطالب بالخطوة) بالرغم من أن القانون يستثني الرئيس ورئيس القضاء.
تحذير
وبالمقابل استنكر الخبير القانوني حيدر التوم اعتراض المسؤولين علي التفتيش وقال (ده كلام عجيب) وشدد على ضرورة منح الاستثناءات وفق القانون، وزاد: كان الاولى بالمسؤولين أن يكونوا أكثر حرصاً على تطبيق القانون واحترام قواعده، حتى يكونوا قدوة لعامة الناس، وحذر من أن رفضهم تفتيش أمتعتهم يفتح الباب واسعاً للتهرب الجمركي وغيره، واعتبر التوم واقعة زوجة الوزير استغلال نفوذ وتجاوز للقانون .
وسائل حديثة
أما الخبير الأمني اللواء (م) حسن العباس قال إن التفتيش ً يكون ضرورياً في بعض الحالات، ووفقاً للقضايا المطروحة في المنطقة، مستشهداً بمنطقة المثلث الذهبي آسيا، وقال في تلك المنطقة حتى رئيس الدولة يخضع للتفتيش، إلا أنه عاد وأكد أن المسؤولين الحكوميين يعاملون بلوائح وقوانين وإجراءات دبلوماسية، وأضاف أنهم غالباً ما يدخلون بصالة كبار الزوار، وأكد العباس على أهمية عدم تطبيق القوانين على المزاج الشخصي، منبهاً إلى أن استخدام الوسائل الحديثة في التفتيش كافية لكشف ما تحتويه حقائب المسافرين حتى لو رفضوا الخضوع للتفتيش بإرادتهم ودعا العباس إلى أن تكثف السلطات الأمنية جهودها في الحدود مع دول الجوار، وقال حتى البني آدم أصبح يهرب عبرها .

تقرير :ثناء عابدين
صحيفة آخر لحظة

حوار متفرد مع الشاعر العراقي أحمد مطر

أجراه علي المسعودي لمجلة «الحدث» الكويتية ونشر في يوليو 1998م
٭ إذا كان «بدر شاكر السيَّاب» قد مزق جسد القصيدة، وشكله من جديد، فإن «أحمد مطر» مزق خريطتها، ونقلها من شرفات العشاق وحدائق المحبين وشواطئ المشتاقين، إلى السجون والمعتقلات وأقبية الظلام، وجعلها تشاهد وتشهد على عذاب المُعَذَبين.. ولؤم المعذِبين.
كانت القصيدة العربية، طوال ما مضى من زمن، أداة تطريب ولهو ومرح، حتى جاء «أحمد مطر» ليجعلها بياناً ثورياً، وصفعة تفاجئ وجه النائم.. وتدير وجوه الطغاة.

وقد اعتادت القصيدة العربية، طوال ما مضى، أن تدخل قصور الأغنياء مطأطئة الرأس، خاضعة، خاشعة، مادحة.. حتى جاء «أحمد مطر» وحولها إلى سكين في الخاصرة.. وطلقة مفاجئة تعكر انتباه حرس الجبابرة.
ركزت الأسئلة على مسيرة شاعر قال يوماً «كشفت صدري دفتراً.. وفوقه.. كتبت هذا الشعر بالسيفِ».
عن مسيرة شاعر أسس لمناخ جديد في القصيدة العربية، وجمع بين صلافة الكلمة وصلابتها.. برقة الإحساس الدامي.
عن مسيرة شاعر أصبحت «لافتاته» رايات تنغرز في صدور الجيل العربي الشاب من الماء إلى الماء.. الجيل الذي يحلم بأرض لا تأكل أبناءها، وبمهجرين يعودون إلى أوطانهم حاملين آمالهم.. لا محمولين في التوابيت.
إن شاعراً قادراً على اختزال كل الحزن وهذه المأساة في مقطع شعري محبوك بطريقة تصويرية هائلة.. لا بد أن تكون مستعداً بما يكفي لكي تجابهه بأسئلتك.
أترككم مع أحمـد مطر.

> دعنا نترك أشياء كثيرة تحتاج إلى مقدمات.. وندخل عبر سؤال مراوغ مثل هذا: «مطر.. مطر.. مطر.. أي حزن يبعث المطر؟»
الفقر والسيَّاب والحزن وأحمد مطر.. أي علاقة بين ذلك كله؟
< أما جوابي فلن يكون مراوغاً.. وأبتدئ فأقول إن البيتين المذكورين هما من مقطعين مختلفين.. وأنت جمعتهما إمعاناً في تكرار «مطر» لتقول، ضمناً، إن «مطر» يبعث الحزن.. حسناً.. ألم يقل الشاعر في ختام مقطعه: كالحب كالأطفال كالموتى هو المطر»؟ المطر، إذن، يبعث أشياء كثيرة غير الحزن، خذ مثلاً أن كلمة «مطر» لم ترد في القرآن الكريم إلا تعبيراً عن «الغضب».. لكنها تصبح «غيثاً» في مواضع الرحمة، وتصبح «ودقاً » أو «سحاباً» أو «ماء» إذا مس الأرض الهامدة اهتزت وربت. اعطني مثل هذه الأرض الخصبة الحبلى ببذور النماء، أُعطك غيثاً.. واعطني سنبلة لا تنحني إذا لم تكن مثقلة ببذور الثورة، وخذ مني الرضاء كله. أما العلاقة بين من وما ذكرت فهي أن الفقر استفرد بالسيَّاب، وان السيَّاب استنجد بالحزن، وان الحزن استحثه على الغضب، وان الغضب احتاج إلى سلاح.. فلم يكن أمام شاعر أصيل إلا أن يشهر «أنشودة المطر». وأحمد مطر هو قرين هذا الميت جوعاً وتشرداً وقهراً في بلد هو من أغنى بلدان العالم.. فكلاهما نشأ في البصرة وكلاهما فر إلى الكويت، وكلاهما مر بلندن.. الفارق هو أنني قد أجد أكثر من عذر للسيَّاب في تحولاته وانكساراته، لكنني لن أغفر لنفسي أبداً، إذا ألقيت «لافتتي» وأوقفت مظاهرتي، قبل أن أرى بكل جلاء أن خاتمة «أنشودة المطر» قد تحققت فعلاً.. سوف لن أهدأ حتى يهطل المطر.> «عباس وراء المتراس يقظ منتبه حساس..» برغم أنهم دمروا كل شيء وراءه وهو «يقظ، منتبه، حساس».. كان ذلك سابقاً.. الآن أيضاً دمروا كل شيء.. ولكن هو.. أما زال يقظاً منتبهاً، حساساً»؟

< عباس الذي في بالك كان نعمة.. كان لديه، على الأقل، متراس وسيف وبرقية تهديد. سقى الله أيامه.. لو كنت أستطيع لأرسلت إليه سيفاً جديداً حتى يتسلى بتلميعه في وقت فراغه الطويل.. ألم تسمع أن «العبابسة» أقالوه من وظيفته ؟.. قالوا إنه محافظ متحجر، يظن أن القضية ستنتصر بمجرد اغتصاب زوجته، وقتل أولاده، واحتلال بيته.. هكذا دون أن يكلف خاطره حتى بالتفكير في نزع ثيابه وجلده.. فما بالك والقضية تتطلب منه أن ينبطح بأقصى ما يستطيع من ضبط النفس، حتى لا يقلق راحة اللص الراكب.. بل وعليه أن يحتاط للأمر، فيعطيه مقدماً.. «دعاء الركوب» وهأنت ترى أنهم يعلمونه اليوم، ما كان ينبغي له أن يفعل لكي يكون على مستوى القضية.. وإنها لثورة حتى النصب!> نريد أن نهرب من الواقع إليك.. فنجد الواقع أرحم بكثير مما تكتب: كآبة وحطام وانسحاق مهول.. مخابرات وتجسس ومخافر بين الكلمة والأخرى في شعرك.. دعني أقول لك إن السجن أهون من القراءة لك!!
< الواقع أرحم مما أكتب؟! إذا كنتم ترون هذا فعلاً فلا تهربوا إلي.. مشكلتكم ليست من اختصاصي. اهربوا حالاً إلى طبيب العيون.. أنتم بحاجة إلى نظارات بعرض المغني بافاروتي وبطول الرئيس عبده ضيوف. الواقع زنزانة موصدة مكتظة بالدخان الأسود، وكل ما فعلته هو أنني وصفت هذا الواقع، ودعوت إلى الخروج منه، فما ذنبي إذا كان الوصف يزعج اختناقكم؟ وما حيلتي إذا أمسيتم ــ لفرط التسمم ــ تعتقدون أن الدخان هو جزء من مسامات أجسامكم؟! هاك قطرة واحدة من طوفان الواقع الأرحم: فتى هارب من الجيش، يحكم عليه بالإعدام، يفرض على أبيه أن يطلق عليه الرصاص، وأن يدفع ثمن الرصاصات، وأن يقيم حفلة بدل المأتم، وأن يرفع صوت آلة التسجيل بأغنية لأم كلثوم بدلاً من القرآن، ثواباً عن روح المرحوم.> هل تظن أن أحداً، على مر التاريخ، حظي برؤية شيء كهذا في أسوأ الكوابيس؟ الشيطان نفسه، مهما بالغ في حك قرنيه، لا يمكنه أن يوسوس بمثل هذا الواقع الرحيم. فكيف يمكنني، أنا الإنسان الضعيف، أن أوسوس بواقع أسوأ منه ؟
< إن من يريد الهروب حقاً، من هذا الواقع، ليس أمامه إلا كسر الباب مهما كانت العواقب.. ولا توجد طريقة أخرى إلا أن يهرب المرء دون أن يتحرك. والشخص الوحيد الذي يمكنه ذلك هو الحشاش. أما من يجد السجن أهون من القراءة لي، فهو واحد من اثنين: أما أنه لا يعرف السجن، أو أنه لا يعرف القراءة!!> يقول قاسم حداد: «نترك النسيان يأخذنا على مهل.. لئلا نفقد السلوى» أما أنت فتنسى النسيان، وتحب العيش في عالم كوارثي كئيب، حتى وأنت في لندن لم ترقق أوروبا مفرداتك، ولم تجمل قصائدك بخد ناعم، وقوام فارع، وصدر مغرور.. أخبرنا بالله عليك.. إلى متى هذه الكآبة ؟
< أما النسيان، على الإطلاق، فقد تركته لأهل الحداثة، إنهم يحتاجون إلى كثير منه لكي يجعلوا القارئ ينسى الشعر نهائياً. وأما «نسيان» قاسم حداد فأغلب ظني أنه ليس النسيان الذي تعنيه، إذ لا أعتقد أن قاسم حداد ممن ينسون ذاكرتهم. وأما أنني أحب العيش في الكوارث، فهذا غير صحيح.. أنا مرغم على هذا العيش.. إذا كنت تسميه عيشاً. وإذا كانت ثمة علاقة حب فهي من طرف واحد، وهذا الطرف ليس أنا. تقول إن أوروبا لم ترقق مفرداتي.. وأود أن أسألك: كيف ترقق أوروبا مفردات الإنسان؟ تكويها على البخار.. أم تذوبها في «الإينـو»؟ أعرف أن هناك كثيرين ما أن تطأ رؤوسهم حذاء لندن، حتى ينزعوا جلودهم مثل أكياس الرحلات، ويستبدلوا بقلوبهم مكعبات الثلج.. لكن من أنبأك أنني واحد منهم؟ أنا يا صديقي، رجل أحمل قضية أمتي في كل خلية مني.. أنا وطن على هيئة إنسان.. لندن ليست أكبر مني، ومباهجها ليست أكثر من آلامي.> إذا لم تكن مفرداتي رقيقة، فلأن مشاعري رقيقة.. إن حساسية مشاعري تطلب من الهواء أن يكون أقل صلابة.. فماذا تتوقع مني وأنا أستعرض عشرات الديناصورات المثـقلة بالألقاب؟
< ثم من قال لك إن الجمال لبس كعبه العالي ومضى ليستقر إلى الأبد على أرصفة «الماي فير»؟ أليس جميلاً عنفوان الخيول البرية وهي تقتحم كبرياء الريح؟ أليس جميلاً ضرام التنور وهو يحتضن كف الجائع برغيف ساخن؟ أليس جميلاً حد المقصلة وهو يقطع رأس الجلاد؟ إن النعل العتيق يبدو أجمل من الوردة، عندما يصفع وجه الطاغية الجبار.. جمال المفردة لا تحمله المفردة.. جمالها يقرره موضعها في سياق الجملة.. وقصائدي الطيبة لا تطلب أطناناً من المساحيق.. إنها لا تتكلف.. وجهها الطبيعي على بساطته أجمل. هي تعرف تحمير الخد، ومشق القامة، وشد الصدر، لكنها تعرف، أيضاً، شيئاً آخر له مفعول السحر، ما إن يمس الكلمة حتى يذوب الجمال على قدميها غراماً. هذا الشيء اسمه «الصدق»، وهو شيء من دونه يصبح الجمال قبيحاً. أتعرف لماذا لا يستعمله الكثيرون على رغم علمهم بروعة مفعوله؟ إنه مرتفع التكاليف جداً.. وعلى من يريد اقتناءه أن يكون مستعداً لدفع آخر قطرة من دمه. إعلم، إذن، أن كآبتي هي جزء من هذه التكاليف.. وعليه فلا تسألني إلى متى هذه الكآبة.. وجه سؤالك إلى منظمة الدول المصدرة للضغط.> كدت تشكل مدرسة شعر خاصة بك، ولكنك أنهيت نفسك بالتكرار.. ومن ثم الغياب التام.. «لافتات» تدور حول المعنى ذاته.. ولو اكتفيت بأول إصدارين، لكان ذلك كافياً بالنسبة إلى القارئ. إنك تقدم «حقنـاً» متماثلة ومتطابقة.. حتى أصبحت لدينا مناعة مما تكتب وعما تكتب.. متى تغير أو تتغير؟
< على رسلك.. أنتم لستم فايروسات زكام لكي تكتسبوا مناعة من «الحقن»... اسمع.. إنني عندما شرعت في الكتابة، لم أضع في ذهني أية خطة لإنشاء مدرسة في الشعر.. ولا حتى «حضانة». كانت عندي صرخة أردت أن أطلقها، وكلمة حق أردت أن أغرزها في خاصرة الباطل.. وقد فعلت. قال النقاد والباحثون الجامعيون إن شعري «قد» شكل مدرسة، وأنت تقول إنه «كاد» يشكل، وأنا في كل الأحوال لا يسعدني حرف التحقيق، ولا يحزنني فعل المقاربة.. ثلاثة أشياء، فقط، كانت تلح علي في هذا السبيل: هي أن ألتزم قضية الإنسان.. أي إنسان، بعيداً عن مكاسب القبيلة، وبمنأى عن حول الآيديولوجيا. وأن يكون التزامي الفني موازياً تماماً لالتزامي الإنساني. وأن أسعى من خلال هذا إلى تأكيد سماتي الخاصة، بحيث تكون لحبري رائحة دمي، ولكلماتي بصمات أصابعي. وأعتقد أنني قد حققت هذه الأشياء. وباستطاعتي القول، مطمئناً، إنك إذا عرضت قصيدتي على قارئي، فلن تحتاج إلى وضع اسمي عليها، لكي يعرف أنها قصيدتي. لا تقل لي «أنهيت نفسك». إنني حاضر، حتى في أقصى حالات غيابي، وإلا فما الذي دعاك إلى محاورتي؟.. ثم إنني لا أعرف عن أي تكرار تتحدث؟ هل هو تكرار الدوران حول القضية الأساسية التي آمنت بها، أم هو تكرار المعاني الجزئية فيها والصياغات، وزوايا النظر، وأشكال الصور؟ الأرض تكرر دورتها حول الشمس كل يوم، لكنها لا تكرر نفسها حتى في لحظتين متتاليتين. هناك في كل لحظة مسقط ضوء على صورة. الشعر العربي يكرر موضوع الحب منذ الجاهلية.. والقضية برمتها هي عبارة عن رجل يعشق امرأة، وامرأة تحب رجلاً.. هل تستطيع القول إن الموضوع قد اختلف عن هذا يوماً ما؟ لكن هذا الموضوع لم ينته بالتكرار، لأن هناك دائماً زاوية جديدة للنظر، ونبرة جديدة للبوح، وثوباً جديداً للمعنى. ولو كان الأمر كما تقول، فما حاجتي إلى الاكتفاء بأول إصدارين ليكتفي القارئ؟ لماذا لم أكتف بأول إصدار فقط؟ أو لماذا لم أكتف بأول قصيدة؟ أصدرت ست مجموعات، والسابعة في الطريق، وبرغم ذلك فإن القارئ لا يبدو مكتفياً. قل رأيك كيفما كان.. هو حقك الذي قامت الشرائع كلها من أجل صيانته. لكن أرجوك.. لا تتكلم باسم قارئي. خذ حقك، ودع لقارئي حقه.. قارئي هو حبيبي وسندي وقرة عيني.. هو خط دفاعي الأول والأخير، والسد العالي الذي يعصمني من الطوفان. وإنني إلى هذا السد المنيع أُسند ظهري باطمئنان. تسألني متى أغير أو أتغير؟ وأجيبك: إنني أغير يومياً، فكل قارئ جديد يعني أنني تقدمت خطوة في طريق التغيير.. أما أن أتغير، فهذا ما أعاهدك على أنه لن يتحقق إلا بموتي.

الانتباهة

الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

فيروسات المشروع الحضاري...كيف نقاومها؟


عملياً، وجود هذا النظام البغيض يعني أنًنا نعيش ضمن مجال حقل فيروسي لم يسلم أحد من الإصابة به، كل منًا بطريقة أو بأخرى يساهم في بقاء هذا النظام القميئ ويمثل حاضنة لفيروساته...لا أحد سلم من العدوى، تختلف الإصابات بين طفيفة، حادة ومستعصية، لا تتوفر دراسة علمية لقياس مدى تأثر حياة وسلوكيًات أفراد الشعب السوداني سلباً بسنوات عمر المشروع الحضاري الطويلة، لكن من الواقع يمكن تصنيف الناس إلى شرائح بحسب حدة الإصابة والتعايش مع الداء.
الإجابة المفتاحيًة عن سبب بقاء نظام الاخوان المجرمين ممسكاً بحنجرة الوطن لهذه الفترة الطويلة هي أنً السًواد الأعظم من الشعب السوداني لم يدرك بعد مدى سوء هؤلاء القوم الضًالين، لذلك، الواجب علينا جميعاً تحمُل مسؤوليًاتنا و القيام بواجبنا الشرعي و الأخلاقي نحو أنفسنا أوًلاً...ثمً تبصير النًاس بمدى انحطاط هذا النظام، وقفت على أكثر ما نحتاجه عندما رأيت النًاس يتعايشون مع البلاء و الكوارث و كأنًهم خلقوا لمثل هكذا حياة بائسة لا تليق بكائن حي دعك من آدمي..، السبب في الانكسار و الانهزاميًة و الخنوع و كل ما أصاب الشارع السوداني يرجع لسياسات النظام (المشروع الحضاري) و لا أضيف جديداً.. إنًما هي النظرة المجرًدة للأمور عن قرب و تحسسها باليد...، لذلك من المهم تركيزنا جميعاً على جعل النًاس يتحسسون حجم المصيبة بأيديهم و يقيمون الحال من وجهة نظرهم الشخصيًة فهى إن تطابقت مع تطلعاتهم تمثل المحفز الأهم الذي يدفعهم للخروج على النظام بعد أن أصبحوا مدركين لحجم الكارثة التي نعيشها، بمعنى آخر ما نريده هو خروج النًاس على النظام تلقائيًاً ، فهم بذلك يتفقون ضمنيًاً أنً منازلته واجب اليوم و ليس الغد، و أنً الأمر فرض عين على كل من يستطيع و ليس قيام البعض به يغني الآخرون...أمًا كيف نصل لهذا المستوى، لكل منًا وجهة نظره الخاصَة و ليس بالضرورة أن تتفق جميعها ، لكنًها بالضرورة يجب أن تدفع النًاس لمنازلة النظام...كذلك العامل الزمني أمر حاسم...، كلما تأخر بقاء هذا النظام البغيض يوماً ، كلما زادت المصيبة و تعاظمت الخسارة و تعقدت المسألة و استحال انتشال بقايا وطننا من الهاوية التي وقع فيها بالفعل...، قطعاَ ستظل بعض الهواجس قائمة من فترة ما بعد سقوط النظام لكنها تهون إن علمنا إلى أي درجة هذا النظام قبيح، بعبارة أخرى، مهما يكن ، اسقاط النظام واجب يجب أن لا نؤجله...تحدثت كثيراً خلال كتاباتي عن المقاومة المدنيًة عن البديل..

الانسان السوي بطبيعته الفطريًة ينفر عن كل ما هو مقزز و مثير للاشمئزاز، فإن كان أتباع النظام تنطبق عليهم كافة صفات القبح مجتمعةً، لا يكفي أن تبغضهم و تلعنهم و يخالجك الشعور بالاشمئزاز من طباعهم طالما أنهم في النهاية من يتحكمون بمصيرك و مصير أبنائك و أهلك و وطنك، واجبك تجاه هؤلاء و نفسك يحتم عليك أن تفعل شيئاً يغير الحال البئيس، أنت مطالب بفعل حقيقي ضد هؤلاء المقززين لأنهم يؤثرون سلباً و بصورة مباشرة على حياتك وبقاء وطنك الذي يؤويك..إن لم تفعل و اكتفيت فقط بكراهيتهم و الحديث عن أفعالهم و صفاتهم القبيحة فهذا لن يحل المشكلة و لن يهزمهم، الأمر يتطلب منك فعلاً قوياً بيدك لأن الأمر يعنيك شخصياً..و لأن المعطيات لن تتغير ما لم تفعل شيئاً يغيرها..أول ما يجب عليك فعله هو تغيير نظرتك و تقييمك لما يحدث من حولك، هكذا تكون بدأت بتغيير ما بنفسك عندها سيعينك الله على تغيير حالك مصداقاَ لقوله تعالى: (إنً الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

عندما صمًم الترابي ومعاونوه المشروع الحضاري أرادوه أن يكون منظومة فيروسيًة مدمرة بحيث يصاب بها كل فرد من المجتمع السوداني بلا استثناء، وهذا ما حدث بالضبط...، تكيًفت الطفيليات بيولوجياً حتى أصابت كافة أفراد المجتمع السوداني عدوى المشروع الحضاري ولم يسلم أحد كما أشرنا في البداية، وهذا ليس عيباً في مجتمعنا إنًما سوء حظنا الذي جعلنا فريسةً لهذا البلاء، وإن كانت اللائمة في انتشار العدوى تقع بالدرجة الأولى على أطراف نعرفها جميعاً لأنًها مهًدت الطريق وهيًأت البيئة المناسبة لانتشار الفيروس...
أمًا وقد عرفنا حجم الكارثة، لنرى كيف أنً كل منًا ساهم في استضافة هذا الطفيلي البغيض، على الرغم من علم بعضنا إلاً أنً البعض الآخر لا يعلم وحتى ان علم لا يعرف كيف يتخلص من هذه المصيبة....لننظر جيداً لأنفسنا و نحصي ما أصابنا حتًى ندرك ما أتحدًث عنه..و هنا سؤال واجب: إذا كنًا نتشارك مع هؤلاء القوم بعض صفاتهم القبيحة أليس الأجدر بنا أن نتحرًر منها؟

المشروع الحضاري يرتكز بالدرجة الأولى على قواعد أساسيًة أهمها (1) إعادة صياغة المجتمع السوداني من خلال خلق أزمات سمحت لفيروسات المشروع بإصابة كل فرد من المجتمع بدرجات متفاوته.. بحيث من تصيبه تلك الفيروسات يتشارك بعض الصفات القبيحة مع من صاغوا و نفذوا المشروع...كرهاً أو طوعاً..(2) إشعال الحروبات و تدمير البنى التحتية وتشويه صورة الأديان و المعتقدات السماويًة، استحسان ما هو قبيح، تشجيع الفساد و الظواهر الدخيلة، تفتيت الوطن و خلق الأزمات حتى يتمكن الفايروس من جسد المجتمع، و (3) سياسات التجهيل و التشريد بهدف إصابة جسد المجتمع بالضمور ليتمكن منه الفايروس أكثر (4) الافقار و التجويع و نشر الأوبئة و الأمراض و مغيبات العقل كعوامل رئيسية تساهم في انحلال المجتمع تعمل مع بقية السياسات...(5) التمكين..حتًى يجد سدنة المشروع و مرتزقته الحافز لخدمته...الخ..، والعديد من المرتكزات الأخرى..

صفات من يخدمون المشروع الحضاري كثيرةٌ تكاد تخلو عن شبهة صفة حميدة... في المقابل لم توجد ذميمةٌ إلا انطبقت عليهم في حدودها القصوى، بدءاً من الكذب، النفاق ، الفجور، العمالة، الارتزاق، الحسد، البغضاء، النذالة، مصابون بالفصام، و كل ما يخطر على بالكم من الأمراض النفسيًة، مخادعون، منبطحون، مراؤون، مراوغون، فاشلون، نفعيون، سود القلوب و الوجوه، ضالين و مضلين....إلخ..،
لذلك لا توجد شائنةً قبيحة في عرفنا السوداني أكثر من أن تصف شخصاً بأنًه مؤتمر وطني، أخو مسلم، كوز أو أرزقي ،و لقبح هذه الصفة تجد غالبيتهم ينكرونها ... إذاَ من الطبيعي حرصنا بكل ما أوتينا من قوًة ألا نتشارك في ذميمةِ مع هكذا حثالة..لو كانت صفات القبح تنتهي عندهم فحسب لما تحدثنا و لا زدنا أكثر من الدعاء بهلاكهم و أن يزيدهم الله ضلالاً و يختم على قلوبهم و يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.. ، لكنًها تبدأ منهم و لا تنتهي عندهم.. أصبح وجودهم في مجتمعنا مصدراً لكل ما هو كريه...فهم بالدرجة الأولى مأجورون لمعاول الهدم ...دمروا كل شيء و باعوا كل ما يمكن بيعه حتًى التراب، خربوا كل ما هو جميل و مزقوا الوطن و تربعوا على أشلائه فكان أساس مشروعهم التدميري الثالوث البغيض جهل، مرض و فقر.. اشتروا كل من يمكن شراؤه من منزوعي الذمًة و نشروا الجهل و الخرافة ليوجدوا من يصدقون أكاذيبهم و خزعبلاتهم التي لا تنتهي....

أجبر نظامهم قطاعات كثيرة من الشعب السوداني على الهجرة و اللجوء و النزوح هادفاً بذلك إيجاد مصدر تمويل منهم يساعده على إبادة البقية و تمويل الحروبات، و عمل جاهداً و لا زال يستهدف استبدال الشعب السوداني – ما استطاع- بشعوب أخرى من الأجانب يشاركونه صيانة مشروعه الحضاري و لا يقاطعونه..، حالياً في الخرطوم أحياء بأكملها يقطنها الأجانب مثل الديوم..و أخرى نسبة الأجانب فيها أكبر من المواطنين مثل الصحافات و الامتداد...، دارفور تغيرت تركيبتها الديموغرافيًة حيث شرد أهلها و حل دخلاء غيرهم و استوطنوا مكانهم..

كيف نجح النظام..الاجابة بسيطة و هي أنًه جعل كل منًا يدعم مشروعه سواء أدرك ذلك أم لم يفعل... ، كيف نتخلص من هذه الفيروسات.....هذا يتوقف كليًا على إدراكنا لحجم المصيبة التي نحن فيها و مقدرة كل منًا على تقييم السوء بحجمه الحقيقي...، دائماً يشارك الناس في التغيير عندما يدركون فعلاً أنً ما يريدون تغييره يمس حياتهم اليومية بصورة مباشرة، لذلك عندما يمتلك غالبيًتنا المقدرة على تقييم الكارثة بحجمها الحقيقي ...عندها فقط سيعلمون إلى أي درجة هذا النظام كريه و كيف أن بقاءه يدمرهم و يصادر حقُهم في الحياة الكريمة بصورة مباشرة.. و هل يريد النًاس أكثر من الحياة الكريمة في وطن أجدادهم؟

إن كنت أحد الذين أفقرهم النظام و ضيق عليهم سبل العيش الكريم..وقذف بك المشروع الحضاري في غياهب الغربة فأنت أيضاً لم تسلم من استضافتك الطفيلي البغيض رغم هجرتك...أنت مصدر دخل لنظام التدمير تمول محارقه و تعينه على التدمير و انفاذ سياساته التي تستهدف هتك النسيج الاجتماعي...حيث أنك تمول كافة مشاريعه التدميرية بالأموال التي تدفعها لهم ذليلاً صاغراً...و بالمناسبة لست مضطراً لفعل ذلك. فإن أمتنع كل منًا عن التعامل مع النظام و دفع المال له و مقاطعته يكون بذلك ساهم فعلياً في اسقاطه بيده...أمًا إن قلت بأنً معاملاتك ستتوقف فهذا صحيح، لكنًك مطالب بالتضحية و مقاطعة النظام... و لا تنسي أمراً غاية في الأهميًة و هو أنك لا تفعل وحدك إنًما الجميع يفعلون ذلك...لذلك من المستحيل أن يستمر الوضع طويلاً.... أمًا إن لم تفعل و آثرت أن تدفع للنظام و تسير معاملاتك فأنت حينئذ قد اخترت أن تتشارك مع هؤلاء القوم بعض صفاتهم البغيضة و منها الأنانيًة و عدم الضمير و السلبيًة، عدم المروءة...و تطول القائمة.... فهل تريد ذلك؟ قطعاً لا إن كنت فعلاً تريد ترياقاً ضد فايروس المشروع الحضاري الذي أصابك أنت شخصيًاً..... الأمر بيدك!

حسناً، لازلت تعيش خارج وطنك...و لأنً وضعك لا يسمح لعائلتك الصغيرة أن تعيش معك في الغربة فقد تركتهم بالسودان...طفلك الصغير تقطعت إمعاؤه و أصيب بأمراض تمكنت من جسمه النحيل و أصبح بين الموت و الحياة..هذا بسبب المياه الملوثة التي يشربها و الأوبئة و الأمراض المنتشرة في البيئة من حوله و الناتجة عن شتى الأسباب التي هيئها النظام...، هل لديك شك في أنً النظام هو السبب؟ إن كان لديك شك فالنظام نفسه لا ينفي التدهور الذي ألم بالبيئة و لا ينفي تلوث مياه الشرب و اختلاطها مع القاذورات..، و لا ينفي أنً منسوبيه يستوردون النفايات السامة و المواد المسرطنة من الخارج بالاشتراك مع عصابات المافيا الدولية مما حول السودان إلى أكبر مكب للنفايات السامة في العالم، كما أنه فتح الباب على مصراعيه لمنسوبيه لاستيراد الأسمدة و البذور و المبيدات منتهية الصلاحيًة و الثابت علمياً و على أرض الواقع أنها تسبب السرطانات و أمراض الفشل الكلوي و غيرها من الأمراض القاتلة التي أصبحت سبب الموت الرئيسي في السودان..أما إن ساورك الشك حيال الأمر فقد قطع عليك النظام الشك باليقين فهو لا ينكر هذا الشيء...

هل تذكر قضية الوزير الباكي و المتعافي واخوان عمر البشير، و غيرهم..إن أردت مثالاَ آخر يمكنك أن تذهب لأي من محلات المنتجات الزراعية ستجد أن الأسمدة و المبيدات منتهية الصلاحية تباع علناً... إذاً الأمر واضح ،مرض أهلك و موت طفلك الصغير و من تحبهم بسبب النظام و سياساته و أفعاله.....و الأهم من ذلك بسببك أنت...فأنت مطالب فعليًاً بتغيير هذا الواقع لأنًك إن لم تفعل ستكون و بعلمك التًام قد تشاركت مع النظام في صفاته الكريهة و منها الجبن و التقاعس عن مساعدة ذويك ، و عدم الضمير...و غيرها من الصفات التي يتصف بها أرباب النظام و مرتزقته...فهل هذا ما تتمنًاه؟ أمًا إن سألت..كيف ستقتص ممًن تسبب في هذه المصيبة؟ الأمر لا يحتاج لتضحية كبيرة، فقط مقاطعتك للنظام ومنسوبيه بشتى السبل كفيلة بإسقاطه و تغيير الواقع المزرى. ..فقط قاطع النظام في كل شيء فهذا سهل و لا يحتاج منك أن تحمل بندقيًة...و عندما يفعل معك الآخرون سترونه ينهار أمام أعينكم...لأنكم استخدمتم الترياق المضاد لفايروس المشروع الحضاري الذي أصابكم.

إن تجولت في أي منطقة من بقاع السودان و رأيت أطفالاً في سن التعليم الابتدائي يدفعون بالدرداقات و الطبالي أمامهم ..... يبيعون الماء أو يحملون جركانات الورنيش..أو يبحثون في الأرض بحثاً عن قطع الخردة (الطفيش و المسامير) أو يتسولون بأعداد ضخمة واكتفيت بالتحسر على حالهم و تقديم مساعدة بسيطة لهم و خالجك الشعور بالرضاء بما قمت به من مساعدتهم وخيل لك بأن واجبك الإنساني انتهى هنا فأنت مخطئ لأن واجبك أكبر بكثير، لأنًك تعلم يقيناً بأن هؤلاء الأطفال هم ضحايا المشروع الحضاري و وضعهم نتاج طبيعي لسياسات الافقار و التجهيل و هذا كله بفعل النظام ، واجبك يحتم عليك القيام بخطوة عملية أكثر ، إن لم تفعل فأنت تتشارك مع النظام في بعض صفاته القبيحة...

إن كنت تجاهد للهرب من الجحيم و لم تسنح لك الفرصة بعد...تأكًد أنً الهرب لن يحل مشكلتك بل سيزيدها تعقيداً...فأنت محتاج أن تتخلص من الفايروس اللعين الذي أصابك...فأنت تكافح و تكد في توفير لقمة العيش الكريم (ما استطعت) لك و لأسرتك...و لن تستطيع...إن كنت تحترف الزراعة تجد نفسك مضطراً لبيع ما تنتجه بأقل من قيمة الجبايات التي تدفعها للنظام و بصورة أخص أقلً مما تدفعه لديوان زكاته الذي ينتظرك في نقاط العبور..، و إن كنت عامل يوميًة تجد نفسك مضطراً للعمل بأقلً ممًا تحتاجه للغذاء، و إن كنت موظفاً عازباً تجد نفسك تعمل براتب يقل عن دولارين في اليوم – أي أنك تعيش في فقر مدقع – أما إن كانت لديك أسرة فأنت في الواقع تعيش دون خط الفقر بمراحل بعيدة..و إن كنت مهنيًاً أو حرفيًاً تجد نفسك مضطراً للتوقف عن مزاولة حرفتك التي تحبها و تتكسب منها حلالاً لأنً زبائنك لم يدفعوا لضيق ذات اليد....و هكذا! إن سألت نفسك عن السبب في كل هذا تجد أنًه النظام و ليس سواه...أفقرك و عاش متطفلاً على دمك و أنت لا تقوى على شيء بسبب الفايروس اللعين...يموت أطفالك أمام ناظريك لأنك لا تملك ما تعالجهم به..و إن امتلكته ماتوا نتيجة الأخطاء الطبية لأنً الطبيب الذي عالجهم غير مؤهل..يشربون ماءاً آسناً ملوثاً يقطع امعاؤهم و يطعمون مواداً مسرطنة لأنً النظام أبر بقسمه الذي تعاهد عليه مع اسياده أعداء الانسانيًة أن يجعل من السودان سلة قمامة العالم و مستودع المواد المسرطنه و كل ما هو فاسد من طعام و دواء...هذا مجرد غيضٌ من فيض...، لكنه كاف لتدرك حجم الكارثة ... هل عرفت لماذا اسقاط هذا النظام فرضُ وواجب عليك شخصيًاً؟...إن كنت تريد القيام بواجبك تجاه نفسك و أسرتك عليك بمنازلة النظام...فقط عليك بمقاطعته وعصيانه وعدم الدفع له...ستراه يتداعى أمامك لأنً الجميع سيفعلون...هذا هو ترياقك للتخلص من طفيلي المشروع الحضاري البغيض...، هل ستفعل أم تنتظر النهاية ؟ لا مفر أمامك غير الفعل لأنًك إن لم تفعل ستكون تشاركت مع المجرمين في الكثير من صفاتهم القبيحة...، إن لم تفعل ستكون جباناً ، متجرداً من الانسانيًة و الضمير...ذليلاً خانعاً منكسراً منبطحاً...قطعاً أنت لا تريد ذلك...إذاً لا مفر. ..عليك أن تحيا حياةً كريمةً أو تموت بطلاً...

أنت موظف حكومي....عسكري أو مدني لا يهم...تخدم النظام و تتملقه و يمنحك الفتات و بقايا السحت.. ترتشي و تختلس أو لا تفعل لا يهم..المهم أنًك تعمل في أجهزة النظام و قد تعاني أولا تعاني إلاً ما يعانيه الجميع من ترد بيئي عام و كذلك الأوبئة المنتشرة ...لكنً أهلك و عشيرتك يعانون...أدمن أبناؤهم المخدرات لأنً النظام يستوردها لهم من الخارج و يروجها لهم و يبيعها لهم رخيصةً..إنتشرت فيهم البغضاء و الحسد و كل الأمراض التي هي من صنع المشروع الحضاري...بفعل الفقر تفككت روابطهم و أخلاقيًاتهم و باعت بناتهم شرفهنً ..انتشرت الرذيلة بينهم ، نال منهم الجهل و المرض و أنت تنظر غير مهتماً لأنًك لا تعاني بقدرهم....، حسناً: هل سألت نفسك إلى متى سيدوم هذا؟ هل رجعت بذاكرتك إلى الوراء لتقارن أين كان السودان قبل المشروع الحضاري و كيف صار بعده؟ هل سألت نفسك كم من روحٍ أزهقت و كم من نفسَ شردت و كم من عرض انتهك و من المستفيد من ذلك؟....هل سألت نفسك كم من الجرائم ارتكبها النظام الذي تتعايش معه و ربما تحميه بحق الوطن و مواطنيه؟ هل نازعتك نفسك الأمًارة بالسوء عن أفعاله و تدميره للمستشفيات و المدارس و دور العبادة و قتل المدنيين العزًل و كيف أن طائراته و مرتزقته لم يميزوا بين الأطفال و النساء و الشيوخ و من يحملون السلاح؟.... ؟ لا تصدق ما يقوله الكاذبون المنافقون لأنً من قتل نفساً بغير نفس في الإسلام كأنًما قتل النًاس جميعاً ..هذا ما يقوله الدين الحق و ليس الذين يدينون....، ربما تتغير طريقة تفكيرك ان كنت فعلاً آدمي عندما تعلم أن المجرم الكبير إعترافاً موثقاً على نفسه بأنً الذين قتلوا في دارفور لم يفعلوا ما يستحقون القتل بسببه، و كذلك اعترف بأنًه أعطى التعليمات لقتل شهداء سبتمبر....أنظر إلى رئيسك و من حوله و أفعالهم..هل ترى فيهم من تقتدي به؟ إن كنت تمتلك مثقال ذرة من نخوة و شهامة اتصف بها الشعب السوداني و ستبقى معه إلى أن يرث الله الأرض..هل يستقيم أن يحكمك رئيس مطلوب للعدالة الدولية و هارب منها..و لأي سبب؟ لأنًه ارتكب جرائماً ضد الانسانيًة بحق مواطنية و جرائم حرب و جرائم لا تحصى...و هل سألت نفسك إن كنت في مأمن من الأمراض التي أصبح السودان البيئة المفضلة لها عالميًاً بسبب المشروع الحضاري؟ و هل نظرت إلى من هم أعلى منك مرتبةً كيف يعيشون و كيف تعيش أنت؟ أبعد من ذلك (إن كنت لازلت لديك حس من ضمير أو وازع) هل رأيت من أي طينةَ هؤلاء القوم الذين تخدمهم؟ من خلال جلوسك معهم و تقييمك الشخصي و سلوكياتهم التي يجاهرون بها هل هم جديرون بذلك؟...إن فعلاً جلست مع ضميرك ستجد أنً باطن الأرض خير لك بكثير من ظاهرها أن ترضى بخدمة هؤلاء القوم ...و إن لم تفعل فقطعاً ارتضيت أن تكون واحداً منهم و لست معنيًاً بهذا الحديث لأنك تشاركت معهم في كل صفاتهم القبيحة كما هي و لا تتحرًج ...

قيامك بخطوة عمليًة و فعل بيدك تجاه اسقاط النظام واجب عليك ..يمثل الفرق بينك و بين من يتشارك مع منسوبي النظام بعض صفاتهم القبيحة كما ضربنا أمثلةً لها (عدم الذمة، الأنانية، العجز، الخنوع، الانكسار، الانبطاح، سواد القلب، الوضاعة.....الخ..ووقوفك ضد الظلم واجب كما أن مشاركتك الشخصية في اسقاط النظام واجب لن يسقط ما لم تقوم به و يظل عليك واجباً في رقبتك أو ترتضي العيش في العار منكسراً ذليلاً خانعاً لأناس هم أجبن خلق الله و أسوأ من يمشي على الأرض...و تالله عشية مثل هذه الموت أرحم منها ألف مرًة.

القاعدة الذًهبيًة "أفعل كل ما يكره النظام فعله، وأمتنع عن كل ما يريده"


مصطفى عمر

mustafasd1@hotmail.com

الحوش

حلايب في ضوء إعادة مصر لتيران وصنافير إلى السيادة السعودية

فتحت الزيارة التاريخية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى مصر والتي احاطتها  القاهرة بزخم اعلامي كبير وحفاوة بالغة ملفات كبيرة ، فإلى جانب المكاسب الاقتصادية الضخمة التي حققتها القاهرة في شكل مشروعات وشراكات والتي بلغت ثلاثين مليار دولار تقريبا حققت زيارة الملك سلمان مكسبا سياسيا هاما بانتزاع موافقة مصر على استعادة السعودية لجزيرتيها على البحر الأحمر تيران وصنافير بعد ممانعة من جانب مصر استمرت لعقود وبلغت مجلس الأمن .
    ويبدو ان تأثير المشروعات الاقتصادية التي قدمتها المملكة إلى مصر في ظرفها الحالي الذي تعاني فيه مصر من صعوبات اقتصادية جمة قد جعل مطلب السعودية لاستعادة جزيرتيها هذه المرة سهلا بعد ان وجد أذن صاغية ليس ذلك فحسب بل انبرى اعلاميون محسوبون على الحكومة  المصرية في الدفاع عن حق السعودية في استعادة جزيرتيها داعمين حججهما بالخرط والمبررات التاريخية التي كانت تنكرها الحكومات المصرية  السابقة منذ عهد عبد الناصر باعتبار أن هذه الجزر التي احتلت بواسطة الجيش المصري  في عام 1950 هي جزر مصرية وتمثل عمقا استراتيجيا للأمن المصري لا يمكن التنازل عنها .
    هذا الجدل الذي احدثته مطالبات المملكة بجزيرتيها كان لابد ان يستعيد إلى الأذهان قضية حلايب وشلاتين من جديد وهي قضية تماثل في وقائعها التاريخية قضية الجزر السعودية لكن لسان حال القاهرة وموقفها في هذا الموضوع تجاه السودان ينطبق عليه قول المتنبي :
    لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديهَا وَلا مالُ فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ
    فالقاهرة وفق علمائها من أساتذة التاريخ ممن علقوا على قضية الجزر السعودية وحقها السيادي عليها أشاروا إلى أن قضية حلايب تختلف لكونها أرض مصرية حسب زعمهم كانت أمانة عند السودان ثم استردوها " بالقوة "
     
    والجزر السعودية كانت أمانة عند مصر فمن حق السعودية استردادها وهو منطق تبريري لإجازة حق السعودية فرض سيادتها على الجزر لاعتبارات عديدة وفي نفس الوقت إغلاق الباب تماما امام أي حديث حول سودانية حلايب وقد افاض الاعلام المصري في هذا الجانب .
    وللأسف الشديد فإن فرض الأمر الواقع بوضع يد مصر على حلايب بالقوة وبرامج التمصير على الأرض والمواطنين منذ التسعينات وحتى اليوم تجعل من الصعب جدا أن تعود حلايب إلى حضن الوطن أو حتى لتصبح منطقة مشتركة للتكامل والتعاون بين البلدين في ظل ظروف السودان الحالية وطبيعة وتركيبة النظام الحالي .
    وهناك عدة عوامل تؤيد ذلك أهمها ضعف النظام الحالي وعجزه أمام تحقيق وفاق وطني شامل يوقف النزاعات والحروب بل واستمراره في التصعيد العسكري في مناطق النزاع سواء في دارفور او جنوب كردفان او النيل الأزرق.
    نظرة الشك والريبة من قبل النظام المصري تجاه النظام السوداني رغم التصريحات والوعود والاتفاقات الثنائية بدليل رفض مصر حتى الآن تطبيق اتفاقية الحريات الأربع لدواع أمنية كما تقول .
    التطورات الإقليمية فرغم مشاركة السودان في عاصفة الحزم بقوات مشاة على الأرض ودعمه اللامحدود للمملكة ورغم تحفظ مصر على المشاركة الفعلية في عاصفة الحزم إلا أن السعودية اختارت مصر لمشروعاتها الاقتصادية الضخمة وجسورها القارية وهي بالتالي ستكون الأقرب سياسيا لمصر ولمساندتها .
    غير ان أهم هذه العوامل هو تقاعس النظام السوداني نفسه من الناحية العملية عن اتخاذ أي مواقف جادة مع مصر لمناقشة ملف حلايب لأسباب ذاتية تتعلق به  وباستمراريته بل أنه يسوق المبررات  لتبريد المطالب ويعول على الزمن الذي ليس هو بالتأكيد في صالح السودان علما بان مصر ترفض أي نقاش في موضوع حلايب مع الحكومة السودانية باعتبارها ارض مصرية.
    وكما قال الرئيس البشير خلال زيارة الأخيرة إلى مصر عبارته المقتبسة " إن الناس على دين اعلامهم " فإن التصدي المستمر للإعلام المصري  على دين حكامهم لما يزعمونه حول مصرية حلايب يقابله إعلام سوداني عاجز عجز حكومته وصحافة حكومية معتلة تتوارى خجلا عن تقديم الحجة القوية حول سيادة السودان على أرضه باعتبار أن هناك قضية خلافية بين دولتين شقيقتين إلا أن كبت الحريات والتعتيم المفروض على الاعلام في الداخل  فضلا عن العجز العضوي يؤشر بدوره على عدم رغبة النظام الحالي في إثارة الموضوع لخلق توتر مع مصر ولسان حاله يقول فلتبقى حلايب كما هى فقد ذهب الجنوب باسره فماذا حدث .
    ترى ماذا سيكون تعليق الحكومة على عودة الجزيرتين السعوديتين إلى سيادتها برضاء مصر ومباركتها أم  أنه سيكتفى برأي الاعلام المصري فيه  فليس السعودية ذات النفوذ الاقتصادي كالسودان الذي يضره الفساد   :
    لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديهَا وَلا مالُ فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ

 بقلم: حسن الحسن

سودانايل

الخميس، 7 أبريل، 2016

البشير يُعلن إفساح المجال لرئيس جديد بحلول 2020


أعلن الرئيس السوداني عمر البشير تخليه عن الحكم بحلول العام 2020، مبيناً أنه سيفسح المجال لرئيس جديد بعد هذا التاريخ، موضحاً أن اتهامات محكمة الجنايات الدولية لشخصه خلقت له شعبية كبيرة وسط السودانيين، وكانت سبباً في فوزه بالانتخابات الأخيرة.
وأكد البشير، خلال مقابلة مع (بي بي سي)، نُشرت على موقعها الإلكتروني، يوم الأربعاء، أنه غير قلق من الاتهامات التي وجهتها له محكمة الجنايات الدولية بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور.
وقال إن الجماهير الغفيرة التي استقبلته خلال زيارته مؤخراً لدارفور، هي خير دليل على أنه لم يظلم سكان الإقليم وأنهم يحبونه.
وأكد البشير أن مذكرة الاتهام لم تؤثر في عمله رئيساً للبلاد، وأنه زار عدداً من الدول منها الصين وجنوب أفريقيا وإندونيسيا، وأنه يتحدى المحكمة في أن تقبض عليه. وأضاف "طلبت عدة مرات تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، ولكنها رفضت".

تبرئة الجيش
وأشار البشير إلى أن إقليم دارفور أصبح خالياً من المتمردين إلا من خلال جيوب صغيرة من حركة تحرير السودان فصيل عبد الواحد نور على تخوم جبل مرة، كاشفاً عن خطة حكومية لنزع السلاح من المدنيين خلال بعد شهر من الآن وإعادة توطين اللاجئين والنازحين.
ونفى أن تكون القوات المسلحة السودانية قد قصفت المدنيين وحرقت القرى خلال المعارك الأخيرة .
وعدَّ البشير أن الأحوال الأمنية والإنسانية تحسنت كثيراً بدارفور، وأنه ليس هناك حاجة لوجود بعثة (يوناميد) وللمنظمات الإنسانية، وأن الحكومة السودانية كفيلة بتقديم المساعدات للنازحين، الذين قال إن عددهم 160 ألف شخص، وليسوا ملايين كما تقول منظمات الأمم المتحدة، "ولذا نطلب منهم المغادرة".
وطالب الرئيس السوداني الغرب والولايات المتحدة أن يكونوا عادلين في تقييم الأوضاع في السودان، بعد أن قدمت حكومته الكثير من الجهود لإحلال السلام في مناطق النزاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
وأشار إلى أن الخطط التي وضعتها حكومته لمواجهة الأزمة الاقتصادية في بلاده بعد انفصال الجنوب قد أتت أكلها. وتابع "الاقتصاد السوداني أصبح معافى الآن بعد انخفاض معدل التضخم وزيادة نسبة النمو".


BBC

الاثنين، 4 أبريل، 2016

عفاف تاور.. المغبونة

بدت مهمومة بقضايا أبناء منطقتها جبال النوبة على وجه التحديد، وولاية جنوب كردفان بصورة أعم .. لديها العديد من المبادرات المتعلقة بالسلام في الولاية التي أرهقتها الحرب، وقد وصفها أحد قيادات منطقتها في دول المهجر بأنها أرجل من الرجال ..قادت مجموعة ضغط لإطلاق سراح ابن الولاية والقيادي بالحركة الشعبية تلفون كوكو من معتقلات الجنوب .
* نشأتها
ولدت عفاف تاور كافي أبوراس بمدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان وتلقت تعليمها الأولي بكادوقلي، ودرست المرحلة الوسطى بمدارس أبي جبيهة، ثم انتقلت لدراسة الثانوي بالأبيض الثانوية، وأكملته بالخرطوم والتحقت بجامعة القاهرة بالجيزة، حيث درست الحقوق وتخرجت في العام 1983م واجتازت بعدها بعام امتحان المعادلة، عفاف تاور متزوجة وأم لبنتين وولد، وهي شقيقة الفريق (م) جلال تاور كافي رئيس لجنة الأمن والدفاع في برلمان 2005م .

*عفاف والقانون
وتعتبر تاور أول ناشطة سودانية في الجامعات والمعاهد المصرية تكون رابطة تضم كل الجنسيات، بعد نيلها المعادلة تم تعيينها مساعداً قضائياً في ولاية جنوب كردفان، ثم تدرجت في العمل القانوني إلى أن وصلت لقاضي مديرية بالخرطوم والخرطوم بحري، كما أنها ابتعثت في مأمورية للكاملين بولاية الجزيرة لمدة سته أشهر، وعملت قاضي جنايات عامه في الخرطوم ومحكمة العمل بحري ومحكمة العمل الشرعية .

* السياسية
ولجت تاور عالم السياسية أبان دراستها الجامعية، وبعد أن اعتزلت العمل القضائي والقانوني في نوفمبر من العام 1993 تفرغت للعمل السياسي والإنساني، واستطاعت أن تدخل عبر منظمات المجتمع المدني مناطق النزاعات في جنوب كردفان والمناطق الملتهبه التي تسيطر عليها الحركة الشعبية الآن، وهي ترى بأن الجانب السياسي والمدني كلاهما وجهان لعملة واحدة، ويتم من خلالهما مشاركة القضايا القومية والمحلية، وكانت رئيس لجنة التحقيق في لجنة تابت بشمال دارفور، واستطاعت ان توصل صوتها للمجتمع الدولي بخصوص اﻻنتهاكات التي تحدث للنساء في جنوب كردفان، وكشفت بأن هناك 124 شابه تم اقتيادهن عنوة من قبل الحركه الشعبيه أثناء انفصال الجنوب كفداية وتم تجنيدهن قسرياً في مناطق النزاعات في محلية الوحده
في برلمان 2010
دخلت عفاف البرلمان بعد انتخابات 2010 وأصبحت عضواً باتحاد البرلمان الأفريقي، ونائبا لرئيس لجنة المرأة و نائبا لرئيس لجنة الصحة والبيئة والسكان، ثم رئيساً للجنة حقوق الإنسان ثم رئيسا للجنة الثقافة والإعلام والسياحه والشباب والرياضة، وفي البرلمان الحالي تشغل عضو لجنة العدل والتشريع ورئيس اللجنة الفرعية لحقوق اﻻنسان، وحالياً رئيسة المنظمة العالمية لرعاية المرأة في مناطق النزاعات، وقد تصدت مع كوكبة من النساء السودانيات خاصة من عضوية المؤتمر الوطني لاتفاقية سيداو
وفي المجال الأدبي ألفت كتاب: (جبال النوبة عبر تنوع العقائد وجدل المعتقدات في السودان) ووضعت فيه الخارطة الدينية بدون أن يكون هناك صراع ديني في العام68 .

وقائدة سياسية
يصفها مقربون منها بأنها انسانه ذات تعامل راقي جداً، وقائدة سياسية متمرسة، وقد أرهقت معنوياً ونفسياً، وتتصف بالحنكة والاجتهاد، وبالتالي هي انسانه مجتهده بقدر الإمكان لتوقف الحرب الدائره بجنوب كردفان، التي حصدت الكثير من الأرواح، ودمرت البنية التحتية وشردت البسطاء والأبرياء، ويبررون ما صدر عنها من تصريحات بأنها وكأنما تقول (وا معتصماه) وقد أطلقت عنانها من التعب والمعاناة، وعلى حد تعبيرها فإنها لوكانت رجلاً لفعلت كذا وكذا، وهذا تعبير في إطار صيغة الألم والمعاناة النفسية والمعنوية جعلها تخرج كل ما عندها لتعبر عن سوء الحال الذي تعيشه جنوب كردفان.

* مغبونة
اشتهرت تاور بتصريحاتها القوية للإعلام التي تثير الجدل في الأوساط الإعلامية والسياسية مؤخراً أعلنت استعدادها لتنفيذ عملية انتحارية في مواجهة من أطلقت عليهم الثلاثى في قيادة الحركة الشعبية (عرمان –الحلو وعقار) الذين اعتبرتهم السبب الرئيسي في مد أجل الحرب في المنطقتين، واتهمتهم بتنفيذ أجندة الحزب الشيوعي وأجندات خارجية أخرى، وقالت إن تصريحاتها القوية تأتي من غبنها على مايجري في ولايتها ومايتعرض له انسانها.

رسمتها : سارة صالح
صحيفة آخر لحظة

أمين حسن عمر: شخصيات غير مرغوب فيها تسللت إلي واجهة الوطني

قطع المؤتمر الوطني بتسلل شخصيات غير مرغوب فيها الي واجهة الحزب، وعزا ذلك الي ضعف عمليات التصنيف (الفرز) نتيجة لضعف الإصلاح والديمقراطية الداخلية بالحزب.
وقال القيادي بالحزب مسؤول ملف دارفور د. أمين حسن عمر إنه يعرفهم، ورفض في ذات الوقت تسميتهم، وأضاف” عندما يتحول الحزب إلى حزب حاكم سيدخل فيه الجميع لأنه لايملك مصفاة، وأي شخص سيدخل والحشاش سيملأ شبكته”، والمح إلى ان المتسللين جاءوا لأجل مصالحهم، وشدد عمر في  حواره مع (آخرلحظة)  على أن المسالة تحتاج إلى تدقيق. وأقر بأن المؤتمر الوطني غير نشط في مسالة الإصلاح، ونصح حزبه بترك المشغولات اليومية والقيام بمتابعة لصيقة لعملية الإصلاح الداخلي، وتوقع عمر تحسن علاقة حزبه مع المؤتمر الشعبي نحو الأفضل عقب رحيل د. حسن الترابي، واستبعد حدوث وحده بين الحزبين.

صحيفة آخر لحظة

الأحد، 3 أبريل، 2016

لا .. لإستفتاء: (لابد من اقليم دارفور .. وان طال السفر) (1-3)

استفتاء دارفور.. رهان خاسر

حينما طرحت الحكومة موضوع استفتاء دارفور منذ حوالى خمس سنوات، كنت قد كتبت فى حينه مقالا بعنوان: (لابد من اقليم دارفور وان طال السفر) محذرا من عواقب الاستفتاء. وها هى الحكومة مجددا تعلن عزمها على تنفيذ استفتاء فى الاقليم فى ابريل المقبل، وها نحن مجددا نكتب محذرين من هذا الرهان الخاسر، ومن النتائج الوخيمة التى سوف تفضى اليها الاستفتاء المزعوم، والفتنة التى يمكن ان تطال الاقليم والوطن كله جراء هكذا استفتاء.
وتدعى الحكومة ان الاستفتاء انما  يأتى كأستجابة للبند الوارد فى اتفاقية الدوحة للسلام  والذى ينص بان  يقول اهل دارفور كلمتهم فى تحديد الوضع الإداري لاقليمهم: هل يظل قائما  وبسلطة ادارية  واحدة، ام يُلغى الإقليم، وتبقى الولايات التي أنشأتها  الحكومة، كل ولاية على حدة، لا روابط ادارية اقليمية بينها، وانما تتبع كل ولاية منها للحكومة الاتحادية بالخرطوم مباشرة، كما هى حال ولايات السودان الاخرى.
 هنا ربما يدور بالذهن بعض الاسئلة الهامة: ما هى اسباب الخلاف حول الوضع الادارى لدارفور وما الذى يجعل من دارفور اقليما مختلفا عن بقية اقاليم السودان الاخرى، حتى يصل معالجة امر ادارته  لاستفتاء عام لاهل الاقليم ؟ وهل امر الاستفتاء المزعوم يعتبر امرا دارفوريا محضا، وبالتالى يتعلق باهل دارفور لوحدهم، ام قضية وطنية تهم كل فرد من الشعب السودانى؟ وهل القضية فى حد ذاتها قضية دارفور فى السودان، كما يتعاطى معها المؤتمر الوطنى، ام فى واقعها وجوهرها قضية السودان فى دارفور، وقد درج على التعريف الاخير كل القوى الوطنية السياسية والمدنية ومضمنة كل وثائقها وادبياتها وكان ذلك هو منطلقها فى ان تكون معالجة قضايا مناطق المظالم التاريخية معالجة كلية وشاملة، فالقضية التى يعانى منها السودان اليوم هى وطنية فى جوهرها، وتتمثل فى (ازمة الحكم فى المركز) قبل ان تكون خاصة بأقليم او منطقة.  وحتى  التقارير الدولية وصفت وشخصت مشكلة دارفور بأنها مشكلة السودان فى دارفور وليست العكس، وذلكم هو حال مشاكل الوطن فى مناطق المظالم التاريخية المعروفة. هذا لا ينفى بالطبع خصوصية كل اقليم من اقاليم الوطن. وبما ان موضوعنا يخص دارفور، فأننا لا بد ان نذكر ان لهذا الاقليم خصوصية اخرى اضافية وهى انه يمثل احد المكونين الذين شكلا الدولة الوطنية السودانية، وان اهله ظلوا عبر تاريخهم  يتمتعون بحس وطنى وحدوى متميز ومتجذر فيهم، رغم كل الممارسات العنصرية ضدهم عبر أنظمة الحكم الوطنية المتعاقبة. ومن هذا المنطلق يكون تناولنا لهذا الموضوع وسردنا للحقائق كما علمناها وعايشناها، وان كان ثمة معلومة خطأ  فيما اوردنا فليصححنا من يملك الصواب، اما تحليل المعلومات على ضوء المعطيات فهو مسئوليتى الشخصية. 

حول استفتاء دارفور
لقد ظل المؤتمر الوطنى وحلفاؤه يدعون بأن استفتاء دارفور هو استحقاق دستورى واجب النفاذ، وكأنما هذه الحكومة كانت حريصة  فى يوم من الايام على الاستحقاقات الدستورية لشعب السودان عامة او لمواطنى دارفور على وجه الخصوص.. هذا قول مردود وافك مبين، والا فأين اذن الحقوق الانسانية لملايين النازحين واللاجيئين والمشردين من شعب دارفور الذين اُخرجوا من دورهم وديارهم عنوة وقسرا؟ أين حقوقهم فى الحفاظ على سلامتهم وممتلكاتهم وحياتهم الآمنة المستقرة، وحرياتهم الفردية والجماعية التى فطرهم الله عليها، ثم من بعد كل ذلك اين توفير الخدمات الاساسية لهم كمياه الشرب وتعليم ابنائهم والخدمات الصحية الاولية لمرضاهم.. اين كل تلك الحقوق الدينية والانسانية الاساسية  التى تمثل روح العدالة وجوهرها، وتمثل القيم الاخلاقية السامية والنبيلة والتى اكدت عليها شرائع وقوانين دول العالم واقرتها ديانات السماوات والارضين؟.. ونقول ان تلك حقوقا اساسية وليست مجرد (استحقاقات دستورية) شكلية خرجت من رحم صفقة مصطنعة لم تحقق سلاما ولم تجلب عدلا وانما جلبت المزيد من الذلة والهوان والاحن والمحن لشعب دارفور. 
 ليس ثمة استحقاق دستورى واجب النفاذ كما يدعون، فتلك كذبة بلقاء لن تنطلى على احد. فالهدف الحقيقى والاساسى الذى سعت اليه حكومة المؤتمر الوطنى هو تفتيت اقليم دارفور بعد تمزيق نسيج شعبه لان هذه الحكومة تدرك كامل الادراك ان اقليم دارفور ان استمر موحدا ارضا وشعبا، فسيكون لاهله شأنُ فى السلطة والحكم الوطنى، متى ما جاء نظام ديمقراطي حقيقي وذلك بحكم ثقله الديمغرافى وتجذر اهله الاجتماعى والثقافى فى كل اقاليم الوطن، اذ ان أهل دارفور الجغرافى والاجتماعى يمثلون اليوم اكثر من 50% من سكان السودان. ثم ان لاهل دارفور من التجارب التاريخية المتراكمة من ارث السلطة والحكم، ما يجعلهم مدركين تماما لمسئولياتهم تجاه الوطن ووحدة ترابه. وهم  ظلوا دائما فى مقدمة  الركب  فى التصدى للغزوات الاستعمارية فى جميع مراحل النضال من اجل التحرر الوطنى.

هذه حكومة عنصرية:
 (ومن افوههم ندينهم)
عنصرية هذه الحكومة لا تحتاج الى دليل اكثر من ممارساتها العملية على الارض، لكن دعنا نسوق بعض الاقوال التى تمثل موروثات علاقات الرق التي سادت الوطن فى مرحلة من مراحل تطوره التاريخى، وما زالت تعشعش فى العقول المتحجرة لبعض احفاد تجار رقيق ذلك الزمان.
 والصدع بالعنصرية يصدر دائما من اعلى قمم القيادة السياسية و(الدستورية) بالبلاد. فقد اورد الكاتب (والمفكر الاسلامى)، الاستاذ المحبوب عبد السلام فى سفره الموسوم ب: (الحركة الاسلامية السودانية..دائرة الضوء وخطوط الظلام)،  بعض ما صرح به رئيس الجمهورية لخاصته  بان :    "الانتخاب الحر المباشر للولاة قد يجعلهم جميعا من اصول الغرب ومن الجنوب"! اليست هذه عنصرية ناطقة وفصيحة ؟ وهل تحتمل هذه العبارة اى تأويل آخرغير العنصرية الفجة ؟  تصريح آخر له يقول فيه انه يخشى ان يكون آخر رئيس عربى للسودان!! .. ولنُذكر القارىء الكريم بما نسبه اليه  شيخه الراحل الدكتور حسن الترابى من حديث عن "الغرابية"، وليستسمحنا القارىء اذ نعف عن نقل نص القول. ولنا ان نستحضرايضا (حقنة كمال عبيد) و(مثلث حمدى) والكثير الكثيرمن التصريحات والتعبيرات ذات المدلولات العنصرية النتنة الصادرة عن القيادات العليا فى الدولة، يعلمها الناس ويتداولونها فى احاديثهم، هذا غير الممارسات العنصرية الفعلية التى عانى منها ابناء شعبنا فى مناطق المظالم التاريخية والتى سنقف على بعض منها فى هذا المقال.

خديعة الاستحقاق الدستورى
الموضوع  الجدير بالتأمل هنا هو لماذا حزب المؤتمر الوطنى وحكومته هما الاكثر تمسكا ببند الاستفتاء  دون غيره من بنود (اتفاقية الدوحة لسلام دارفور)وهى كُثر، فاصبحوا يطلقون عليه اسم: "الاستحقاق الدستورى"، ويتعاملون معه وكأنما هو البند الاوحد فى تلك الاتفاقية الذى يستحق ان يقول اهل دارفور فيه كلمتهم عبر استفتاء عام! ..لماذا هذا الحرص السيادى على استفتاء دارفور فى الوقت الذى توجد اولويات اخرى اكثر اهمية فى هذه الاتفاقية وفى الدستور نفسه المنسوبة اليه؟ ..ولماذا يُغض الطرف عن الحقوق الاساسية الاخرى الملحة لاهل دارفور كالتى ذكرناها اعلاه؟ وما هو السبب الذى يجعل الحكومة حريصة كل هذا الحرص على الاستفتاء وهى عالمة بكل ما يمكن ان يسببه من مشاكل وفتن بين اهل دارفور مهما كانت نتيجته؟
  ثم لماذا نجد بعضا من ابناء دارفور، خاصة اولئك الذين وقفوا مع الحكومة وساندوها فى حربها العرقية، هم المتشبثون بالغاء الاقليم مهما كان الثمن؟ وهم لوحدهم الذين يجهرون عن قناعة راسخة، بأن هذه الحكومة حكومتهم، وأنهم حلفاؤها الذين قاتلوا من اجلها، وان من واجبها ان تحقق لهم مصالهم وتستجيب لمطامحهم فى السلطة وفى الارض كما وعدتهم.
معلوم ان الفئة المسيطرة على زمام الحكم  فى البلاد لا تنظر الى كل كيانات وشعوب الوطن بعين العدالة والمساوآة، بل هى منحازة كامل الانحياز لمن ينتمون اليها عرقيا/عنصريا  فى المقام الاول ثم جهويا ثم ايدلوجيا لمن هم دون الاثنين. وهى غير متسامحة البتة فى اى امر يهدد بقاءها فى السلطة او مصالحها الاقتصادية، وفى سبيل ذلك فهى لا تتورع فى انتهاك اية حقوق انسانية او قيم دينية او توجيهات ربانية.

الاتهامات تترى
التهمة الاولى الموجهة لحزب المؤتمر الوطنى الحاكم هى أن موقفه من استفتاء دارفور، ورفضه القاطع للاقليم، انما يعود فى الواقع الى ما ارتكبه الحزب وشركاؤه من جرائم وآثام فى حق اهل هذا الاقليم، وبخاصة فى حق القبائل ذات الاصول الافريقية.. وقد اعترف السيد رئيس الجمهورية  ورئيس الموتمر الوطنى فى الاعلام المرئى والمسموع وعلى الملأ، بقتل اهل دارفور دونما مبرر شرعى، لكن هذا الاعتراف لم يعززه اى موقف يخفف عن الضحايا معاناتهم كما لم يصحبه اى اعتذار لاهل دارفورعن تلك العقوبة القاسية والمجانية عن جريمة لم يرتكبوها!
اما وقد ادرك القاصى والدانى تداعيات تلك الازمة محليا ودوليا، فأن دارفور قد اصبح عقدة نفسية للموتمر الوطنى وغصة فى حلقه، ولذلك فأن بقاء (اقليم دارفور) موحدا شعبا و ارضا امر غيرمستساغ  لهذا الحزب، فهو يستشعر تهديدا وجوديا له ولسلطته المطلقة تلك، ان بقى هذا الاقليم على حاله ولذلك لابد من ان يذهب.
فالغاء الاقليم سوف يهدىء من روع الحزب الحاكم، ويلقى فى قلبه شيئا من الطمأنينة. وليعمى الله من بعد الغاء الاقليم ابصار وبصائر البشر، فيمسح اسم دارفور من ذاكرة الوطن ومن وجدان مواطنيه، ومن خارطة المجتمع الدولى ومؤسساته المرعبة.
وحزب الموتمر الوطنى متهم ايضا بان لديه خطة استراتيجية يسعى لتحقيقها فى دارفور، وهى خطة مبطنة وغير معلنة، وضعت بمكر ودهاء على نار هادئة لتنضج على مهل وليتم تنفيذها على مراحل. كانت المرحلة الاولى منها قد اكتملت خلال العقد الاول من الألفية، حين بدأت بحملة الكراهية العرقية والقبلية بين كيانات دارفور، وانتهت بالحروب الأهلية المدمرة، والتى خُطط لها تخطيطا محكما وتم تنفيذها بالكامل، وبالفعل حققت اهادفها المتمثلة فى تمزيق النسيج الاجتماعى والانسانى لاهل دارفور وتشتيت أهله ايدى سبأ.
وفى المرحلة الثانية تم إستغلال النظام الاتحادى لتقسيم الاقليم لخمس ولايات على أُسس قبائلية يتم فيها السيادة لكيانات عرقية  بعينها، 
ثم جاءت المرحلة الثالثة وهى إلغاء اقليم دارفور نهائيا (عبر استحقاق دستورى) مزعوم، وبذلك تم التمكين  للقيادات المصطنعة من داخل بعض القبائل والاعراق التى تم تفضيلها من على اهل دارفور الآخرين ليكونوا اصحاب الاقليم وسادته الجدد.
وتحت غطاء (الاستحقاق الدستورى)، وعبر لعبة الاستفتاء، والتى هى كلعبة الانتخابات: وحده الحزب الحاكم يجيد فنونها، ووحده  يضع قوانينها ويهىء ميادينها ويعين حكامها ومشجعيها، وما اكثرمشجعي الحزب الحاكم!! فالواحد منهم فى الانتخابات والاستفتاءآت، يساوى عشرين واحيانا ثلاثين مما تعدون من المواطنين.. وكما فى ساحات حرب الجنوب ملائكة يقاتلون مع المجاهدين، فأن اولئك الملائكة هنا مواطنون كاملو الاهلية فى التسجيل والتصويت فى الانتخابات والاستفتاءآت، والنتائج  محسومة قبل بداية  اية مبارآة سياسية. 

سيادة ام تدمير
" سياسة حكومة السودان تجاه شعبها تقوم على نهج: "فرق تسد"، إلا فى دارفور، فأن سياستها هناك تقوم على نهج: "فرق ودمر".  (محلل سياسى غربى).
وفى دارفور قامت استراتيجية حزب المؤتمر الوطنى ايضا على (التفكيك ثم اعادة التركيب). التفكيك تمثل فى شن الغارات والحروبات العنيفة التى قامت مليشيات بدوية قبائلية، بدعم ومساندة من القوات النظامية، بأنتزاع السكان الاصليين المستقرين فى اريافهم وقراهم وباجبارهم على مغادرتها بعد ترويعهم وتهديدهم وتدمير وسائل عيشهم. ثم جاءت بعد ذلك مرحلة اعادة ترتيب الاوضاع، اى (اعادة التركيب)، وذلك باحلال آخرين  مكان السكان الاصليين، ثم تقسيم الاقليم الى عدة ولايات وعشرات من المحليات التى تؤسس على القبائلية، وبشكل يتوافق  ورؤية الحزب الحاكم ويتناسب مع ايدوجيته الاثنوشوفونية. وبمعاونة الحلفاء والمؤيدين من ابناء الاقليم الذين لهم مصالح ذاتية مع السلطة الحاكمة، فقد استطاع الحزب الحاكم ان يحقق حتى الآن نجاحا معتبرا فى مشروعه (الحضارى) العنصرى فى دارفور.
و كيف يمكن ان تكون استراتيجية او سياسة (الهندسة الديمغرافية العرقية) غير هذه التى نرى حزب المؤتمر الوطنى يمارسها عمليا فى دارفور؟ بل وفى كل مناطق المظالم التاريخية المعروفة حيث نراها قد مُورست بشكل واضح وفاضح. فالحروبات العرقية قد شُنت بدرجة واسعة فى كل هذه المناطق، وكان المستهدفون بالقتل وبالتشريد هم القبائل الافريقية الزنجية دون غيرهم من عباد الله. وقطعا فان مساكنهم ومزارعهم التى غادروها مجبرين ليكونوا فقراء المدن او سكان المعسكرات والمنافى، مأهولة الآن بكيانات اخرى، يرى حزب المؤتمر الوطنى انها منسجمة معه على الصعيدين العرقى اوالايدلوجى، وبالتالى فهى الجديرة بالتحالف فى سبيل بناء دولة (عربية اسلامية)، اقل مفارقة او تناقضا فى عروبتها مما هى عليها الان. وان (القطر السودانى) لابد ان يتحول ليكون  اكثر ملائمة وانسجاما مع المنظومة الاقليمية التى يتوهمون انهم ينتسبون اليها لانها تدعمهم ماديا وادبيا الآن. وتلك المنظومة ظلت تمارس الصمت الذى يشىء بالرضا والارتياح لكل الجرائم التى تُرتكب فى حق القبائل الافريقية الاصل فى الحروبات العرقية التى طالت البلاد من اقصاها الى ادناها!.. ان السياسات والممارسات العملية لحكوماتنا الوطنية (العربية) المتعاقبة، ظلت دوما متسمة بالعنصرية الفجة، الا انها فى هجير حزب الموتمر الوطنى (العروبى الاخوانى الاسلاموى)، اصبحت تمارس بشكل اكثر وضوحا واكثر عنفا ودموية، وبلا رحمة ضد الاخر غير العربى، وبخاصة ان كان زنجيا افريقيا اسودا، حتى وان كان مسلما، فالاسلام فى عرف هولاء القوم لا يشفع للسود الافارقة من الاستعباد والاضطهاد. ولنتصور ما سيكون عليه الحال لو ان هذه الحرب قد شنتها حكومة او مليشيات افريقية ضد قبائل عربية!

ان دلائل الامور اشد تثبيتا من شهادات الرجال
اذا ما تأملت اليوم فى الملايين من السودانيين الذين غادروا مناطقهم بسبب الحروبات والقاطنين الآن فى مئات من معسكرات النزوح واللجوء فى دارفور او المشردين فى منافى الوطن وخارجه، فسوف لن تجد بينهم احدا من غير العنصر الافريقى الزنجى اصحاب الارض الحقيقيين! 

بقلم: حامد على نور

دبنقا
لا .. لإستفتاء: (لابد من اقليم دارفور .. وان طال السفر) (2-3)

حرب دارفور

ان الحرب التى دمرت دارفور من الغابة الى الصحراء، ومزقت نسيجه الاجتماعى تمزيقا منذ مطلع هذه الالفية، انما كانت نتيجة استقطاب حكومى لقيادات مصطنعة من بعض القبائل العربية البدوية من داخل الاقليم وبعضها الآخر من خارج حدود الوطن كما سبق الذكر. ومعلوم ايضا ان لهذا النظام سابق تجربة فى هذا المجال،  فمنذ حركة بولاد فى مطلع التسعينات من القرن المنصرم، استطاعت الحكومة استقطاب بعض العناصر من القبائل العربية البدوية لمساعدتها فى القضاء على التمرد (الافريقانى) المسلح الذى سعت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق، ادخاله الى الاقليم عبر عملية عسكرية بقيادة كل من عبد العزيز الحلو والشهيد يحى داؤد بولاد. ورغم ما يقال من ان بعضا من ابناء قبيلة بولاد هم الذين القوا القبض عليه وسلموه للسلطات، الا ان المؤكد انه قد تم الاجهازعليه دون اى محاكمة او تحكيم دين او ضمير. اما الامر الذى يهمنا اكثر فى هذا الصدد هو ان حكومة الانقاذ، ربما منذ ذلك الحين، وربما من وقت مبكرا قبل ذلك، قد اكتشفت بالفعل ان بأمكانها صناعة قيادات وتحالفات من بعض القبائل فى دارفور، وان هناك من هم على استعداد للعمل كمليشيات يمكن الاعتماد عليها فى تنفيذ الاجندات الايدلوجية والسياسية التى تقوم على القمع العسكرى الدموى العنيف. وهى الصفة الملازمة للانظمة الاخوانية الاسلاموية
 ولما ارتفعت وتيرة النزاعات التقليدية على الموارد الطبيعية بين بعض الرعاة المتجولين من قبائل البدو العربية وبين المزارعين المستقرين فى قراهم من ذوى الاصول الافريقية فى دارفور، فى السنوات الاخيرة بسبب تقلص الموارد الطبيعية نتيجة للجفاف الذى ضرب الاقليم وكل مناطق الساحل الافريقى. كما وتصادف ذلك ايضا مع تذمر وتململ ابناء القبائل الافريقية الذين ظلوا يتهمون الحكومة بالانحياز الصريح للرعاة العرب وتأليبهم ضد اهلهم من المزارعين الأفارقة، وبسعيها لزرع الفتنة العرقية بين قبائل دارفور وباستقطاب وعسكرة بعض ابناء القبائل العربية الاصل ليقاتلوا القبائل الافريقية. وللحقيقة، فأن هذه الاتهامات لم تكن جزافية، انما كانت ذات ادلة واقعية واعترافات صريحة من اصحاب الشأن، (ارجع لتصريحات وافادات موسى هلال حول دوره فى حرب دارفور)، الى جانب كل ما ذكرنا اعلاه. ومن الطبيعى ان مثل هذه الممارسات التى تتسم بانحياز الدولة لبعض الكيانات القبلية والعرقية وتحرشها بكيانات اُخري، انما تمثل فى نهاية الامر دعوة مفتوحة للتمرد من قبل الذين يستشعرون الضيم.. وماذا بوسع الذين يحسون بطعم الظلم العالق فى حلوقهم غير ان ينتفضوا ويتمردوا!..
 وبالفعل فقد ادى ذلك الاحساس الى قيام حركتى تمرد فى مطلع الالفية، احداهما بأسم "حركة تحرير دارفور"، وقد عُدل الاسم لاحقا ليصبح: "حركة تحرير السودان"، وذلك ربما بتأثير من الحركة الشعبية بقيادة الراحل جون قرنق، واخرى بأسم حركة العدل والمساوآة. وقد نشأت الحركتان كما هو معلوم بقيادة بعض ابناء الاقليم، وكان جلهم من ابناء القبائل الافريقية، ومنهم قيادات كانت فاعلة فى الحركة الاسلامية نفسها بعد ان تأكد لهم ان ارتباط العنصر والعرق فى اوساط اصحاب السلطة الحقيقيين، اقوى من ارتباطهم بالعقيدة والدين، كما صدع بذلك الشهيد داود بولاد حينما هجر الجبهة الاسلامية وانضم للحركة الشعبية.
  وما ان اندلعت الشرارة الاولى للحرب بقيام الحركات المسلحة بضرب المطار والقيادة العسكرية بمدينة الفاشر، الا وتحول  ذلك التحالف الاثنى الى عمليات استراتيجية عسكرية مشتركة بين حكومة الموتمر الوطنى وتلك القيادات القبائلية التى دخلت الحرب الى جانب الحكومة. وللاسف فأن تلك الحرب لم تكن ضد متمردين مسلحين، بقدر ما كانت ضد القبائل التى ينتمى اليها المتمردون، (وهى قبائل دارفورالمعروفة، ذات الاصول الزنجية الافريقية). 
ذلك الحلف غير المقدس ذو الطابع العرقي الواضح، لعب فيه ساسيو الغفلة والعسكريون من لوردات الحروب الاهلية العنصرية  وقيادات واعيان من بعض القبائل العربية و حتى غير العربية، دور مقاولى الحروبات، وهو استقطاب الافراد والمليشيات من ابناء الاقليم وبخاصة من قبائل البدو العربية، مستغلين اميًتهم وضعف وعيِهم العام وقلة ادراكهم السياسي. وكانت الحكومة تقوم بتدريب وتجهيز وتسليح ودفع اجورهذه المليشيات، والتى كانت تعمل بالتعاون الوثيق والتنسيق المُحَكم مع القوات النظامية الحكومية وتحت اشرافها المباشر.
 هذه المليشيات كانت تهاجم القبائل الافريقية العُزل فى قراها بشكل منظم وممنهج ، فتقتل من تقتل من الرجال، وتغتصب النساء، تحرق القرى والدور وتشرد اهلها، وتدمر وسائل كسب عيشهم وما الى ذلك من مأسآة دارفور التى ادت الى تشريد الملايين وقتل عشرات الالآف، وقد تم توثيق كل ذلك من قبل الدوائر الوطنية والدولية. هكذا أخذت الازمة ابعادها العالمية على الصعيدين الانسانى والاخلاقى. والى يوم الله فينا ما زال شعب دارفور والوطن بأكمله يعانى من تداعيات تلك الكارثة المأساوية. وربما لاول مرة يعرف فيها شعب دارفور بمكوناته الاثنية المتنوعة وعبر تاريخه الطويل، معنى الحرب العرقية، فكانت نقطة تحول تاريخية ادركوا فيها ولاول انهم قد اصبحوا مصنفين ومقسمين بشكل سياسى ومؤسسى من قبل حكومتهم (الوطنية): الى عرب وغير عرب، او ممن اصبح يُطلق عليهم اسم (الزرقة) زراية بهم، علما بأن عرب دارفور الاُصلاء ظلوا يسمونهم "سياد الدار"، اعترافا وامتنانا بأستضافتهم لهم فى تلك الديار، وتقديرا للمصاهرة والتدامج والتكامل بينهم فاصبحوا شعبا واحدا يتشاركون الارض والهم والدم والمصير الذى بات مهددا اليوم بالسياسات الشائهة لهذه الدولة ..
اختطاف الكيان العربى بدارفور
لقد لعب بعض ابناء الاقليم المنتمين للحركة الاسلامية ولحزب الموتمر الوطنى بصفة خاصة، دورا كبيرا فى مأسآة شعبهم حينما ارتضوا لانفسهم القيام بذلك  الدور الدموى. وانهم بتحالفهم الشائن مع نظام يفتقرالى قيم الفضيلة والاخلاق، وبدفعهم لشباب قبائلهم من اليفع والشباب البسطاء لخوض حروبات عرقية لا مصلحة لهم فيها، ولم يحصدوا منها فى نهاية الامر شيئا، لا لأنفسهم ولا لوطنهم .. وان كل الذى حصدوه الآن هو دمار اهلهم وجيرانهم، وقبل كل ذلك وضياع قيمهم واخلاقهم العربية النبيلة، فالعربى انما عُرف بالمرؤة والشهامة والنجدة للحمى وللجار. اما الذى انجزه هولاء انما هو مصالح المتكالبين على السلطة وامتيازاتها فى الخرطوم، ومصالح تجار الحرب والسياسيين الذين لم ينتسبوا للحكومات التزاما ببرامج سياسية او برؤية وطنية اوقيمة دينية، وأنما من اجل مصالح ذاتية وامتيازات سلطوية تقوم على اسنة الرماح وجماجم البشر. 
لوردات الحرب وسياسيو الغفلة اولئك هم الذين اختطفوا الكيان العربى بدارفور وحولوه الى ادآة دمار وخراب للكيانات الآخرى من أهلهم وجيرانهم. وهم الذين قرنوا اسم هذا الكيان العظيم بأسم حزب فاسد وظالم ليصبح اكثر عتوا على الشعب واكثر شراسة فى تدمير كل المناطق والشعوب السودانية التى تطالب بحقوقها الانسانية والوطنية، وهم الذين عبثوا بكل المقدرات والقيم الدينية والاخلاقية للكيان العربى العظيم بدارفور، وحولوا سمعة عرب دارفور الى أسوأ ما يمكن ان يكون، اذ يوصفون اليوم:  بالقتلة، وغدارى الجيرة، وبالمغتصبين، النهابين والسلابين.. وما الى ذلك من الصفات السيئة التى كادت ان تلتصق بهم بسبب الافعال المنكرة التى ارتكبها اولئك المجرمون بأسم عرب دارفور و هم منها براء..فمن المسئول عن كل ذلك اذن؟ ومن الذى قاد بعض ابناء شعبنا من القبائل العربية الاصيلة لأرتكاب الجرائم ضد اهلهم وجيرانهم وشركائهم فى الهم والدم والمستقبل والمصير؟ ومن مِن العرب الاُصلاء الشرفاء يقف اليوم ويؤيد ما ارتكبته تلك الثلة المعزولة دينيا واخلاقيا ووطنيا، من جرائم منكرة يندى لها الجبين، او ما لحق بالعرب او بالكيان العربى الدارفورى من وصمة عار؟ وكيف يمكن ان يعيد الكيان العربى بدارفورغاره ووقاره وسط اهله وجيرانه واحبابه الذين غدر بهم المجرمون!؟ وكيف يعيد اهل دارفور رتق نسيجهم الاجتماعى بعد كل هذا التمزق؟ 
اذا ما استصحبنا معنا ما يدور اليوم فى كل انحاء الوطن من احن ومحن هى من صنع هذا الموتمر الوطنى، فسنستنتج ان هذا الامر سوف لن يقف عند هذا الحد، وان وراء الاكمات ما وراءها من مخاطر داهمة، ليست على اقليم دارفور بقدر ما هى على الوطن بأكمله، ولعل الاسوأ لم يأت بعد!  
 الاستحقاق الدستورى مجددا
عن اى دستور يُساق الحديث اذن؟ .. اليس ذلك المختلف عليه وطنيا وسياسيا، ولا يعترف به غير الحزب الذى وضعه وحلفائه من رجرجة ودهماء السياسة السودانية، (الذين اذا اجتمعوا اضروا واذا تفرقوا لم يعرفوا) !.  واى استحقاق ذلك؟.. اليس ذلك الذى جاء نتيجة صفقة (سلام الدوحة) التى فضحتها نتائجها على الارض قبل اى شىء آخر، اذ هى لم تفشل فى تحقيق السلام فحسب، وانما زادت من رقعة الاحن والفتن على الارض ومن الحروبات وتشريد المزيد من الآمنيين؟.. ويكفى شاهدا ودليلا على ذلك، ما اكده من وقًع (الصفقة) بنفسه، وجاء بموجبها رئيسا للسلطة الاقليمية وهو فى تصريح صحفى له، و بعد اكثر من اربعة اعوام من توقيع (صفقة السلام): " الدكتور التجانى سيسى يحذرا من انزلاق الاقليم الى منحدر سحيق ما لم يعمل اهله على تدارك الاوضاع.."!! (صحيفة التيار وصحف يومية اخرى بتاريخ (2/11/ 2015)، فهل هناك دليل على فشل وسقوط (صفقة سلام السيسى) اكثر مما قاله هو بنفسه؟
وتصريح آخر اوردته صحيفة الايام تاريخ (3/11/2015)، يعكس خطورة الاوضاع بجنوب دارفور ويشرح اسبابها بشفافية عالية وروح وطنية صادقة لم تعرف الافك والدهنسة الاعلامية التى الفناها فى اغلب صحف الخرطوم الصفراء ووسائل اعلامها التى درجت على تزييف وعى المواطنين بالكذب المحض .. فقد اوردت الصحيفة ان:  وزارة الشئون الاجتماعية بولاية جنوب دارفور اعلنت عن قلقها من تزايد الاطفال اليتامى والمشردين بسبب الحرب، وعزا الباحث الاجتماعى بأدارة الرعاية الاجتماعية، ارتفاع نِسب اعداد اليتامى والمشردين فى جنوب دارفور الى مشاركة وموت مواطنيها البالغين بنحو اكبر من غيرهم فى الاعمال المميتة سواء اولئك المشاركين مع القوات الحكومية فى تشكيلاتها المختلفة كالدعم السريع وحرس الحدود، والذان يشكل ابناء جنوب دارفور العمود الفقرى لمقاتلى (هذين) التشكيلين واتخاذهما لنيالا عاصمة الولاية مقرا لهما. او اولئك المنخرطين فى اعمال القتال الاهلى المتواتر بجنوب دارفور والذى دارت رحاه بين قبائل الولاية خلال السنين العشر الفائتة وهو ما اودى بحياة الالآف من الآباء / بحسب ما ورد عن الباحث الحكومى بالولاية..(جريدة الايام 3/11/2015)
وما اوردناه اعلاه يعكس للقارىء الكريم حقيقة الوضع فى دارفورالآن، ويؤكد فى نفس الوقت وجود فعلى لحلف غير مقدس بين الحكومة وبين بعض القيادات من الكيانات القبائلية بالاقليم لم تقف عملياتهم الحربية عند دارفور انما طالت كل الوطن. 
وليس من داع للاستفتاء. 
فان كانت الحكومة ترغب فى أن تلغى الاقليم او ان تبقيه، فهي ليست مضطرة أصلاً لإجراء استفتاء يُعقد الأمور اكثر من أن يُعالجها، اللهم إلا ان كانت لها غاية اخرى خفية.. فهى لم تستفت أهل دارفور حينما قررت تقسيم الاقليم الى خمس ولايات أو حينما فعلت كل ما فعلت  بدارفور. كما انها في غنىً عن ضياع موارد الدولة بإجراء استفتاء شكلي، لا ضرورة منه ولا قيمة له، فلتتخذ قرارها بأبقاء الاقليم او بالغائه، وهى قادرة على تحمل مسئولية نتائج قراراتها، ولا داعى اصلا لتوريط اهل دارفور فى فتنة هم فى غنى عنها، (والفيهم مكفيهم وزيادة)، ام تريد الحكومة ان تثبت للشعب انها ديمقراطية مثلا!
 ثم اذا اما نظرنا الى  الامر من زاوية ان الحكومة  متورطة كطرف اساسى وفاعل فى الفتنة القائمة الآن فى دارفور، وهى المسئولة عن تعقيد الازمة بين الكيانات وفى صراعاتها القبائلية والعرقية القائمة حتى الآن، فمن اين تأتى المعقولية او المقبولية فى اجرائها للاستفتاء ؟ اذ كيف تصبح هى الخصم والحكم فى أستفتاء له خصوصية تختلف عن الانتخابات التى تجرى كل خمس سنوات.؟! 
و مهما تكن النتيجة التى ستسفر عنها الأستفتاء-وهى معلومة سلفا - فمن المؤكد بأنها ستفضي فى نهاية الامر إلي  المزيد من المشاكل والتعقيدات العرقية والقبائلية بين أهل دارفور. ونتهم الحكومة انها راغبة  اصلا فى خلق المشاكل والتعقيدات طالما ان حصيلتها النهائية هى تفتيت اقليم دارفور وتشتيت اهله. إلا ان مثل هذه السياسات الشائهة والحمقاء لا تقود في نهاية الأمر إلا الى مزيد من الحروبات ومزيد من الجروح على جسد الوطن، ومزيد من تآكل الوطن من اطرافه!. ويبدو وكأنما الحكومة قد وطدت امرها بان تكتفي من الوطن ( بمثلث حمدي)، فالسياسات التي انتهجتها، وما انفكت تنتهجها، لا تقود إلا إلى (المثلث)، ولكن بعد ان تكون قد زرعت الفتنة بين المكونات السكانية فى مناطق المظالم التاريخية، لينشغلوا عن قضية الوحدة الوطنية بصراعاتهم القبائلية والاثنية، وتصبح حالهم كحال جنوب السودان اليوم.
لماذا كل هذا اللغط  حول إقليم دارفور؟
لا يوجد فى دارفور، ومنذ ان تشكل هذا الوطن السودانى وحتى يوم الله فينا، من دعا الى انفصال دارفورعلى الاطلاق. ودارفورومنذ عهد السلطنات، وقبل ان يتشكل السودان، كان مأهولا بكل القبائل والكيانات السودانية المتنوعة ومن كل اصقاعه. كما ان اهل دارفور كانوا موجودين فى كل جهات الوطن وهم متجذرون فى كل كياناته، ويستحيل انتزاع او فصل اى من الاخر.
والواقع الموضوعي الذي لا بد من ادراكه، هو أن إقليم دارفور له خصوصية تاريخية، وطنية، سياسية، إستراتيجية ،اجتماعية واقتصادية،  تميزه عن غيره من أقاليم السودان الأخرى. فإقليم دارفور يمثل في الواقع المكون الثاني لدولة السودان. فالحقيقة التاريخية هى ان دولتنا السودانية هذه، والتى مازالت مشروع وطن- (اى مازال وطنا افتراضيا)-، إنما تشكلت بدمج استعماري لدولتين  مستقلتين هما :  سلطنة الفونج  التي كانت تضم أقاليم:  (الشمالي، الشرقي، الأوسط والخرطوم)، والدولة الاخرى هى  سلطنة دارفور:  والتى كانت تشمل مملكة المسبعات بشمال كردفان. وكان السلطان تيراب قد ضم كردفان لسلطنة دارفور عام 1785، ومنذئذ اصبحت تسمى: مقدومية كردفان. كما ان من المعلوم ان المسبعات انفسهم انما هم قبيل من الفور (الكنجارة) كانوا قد اختلفوامع ابناء عمومتهم (الكيرا)، على السلطة فى دارفور، فنزح المسبعات شرقا اى (صبحوا)  واسسوا مملكة لهم فى كردفان عُرفت (بمملكة المسبعات) او (مملكة كردفان) . 
 ومهما يكن من امر، فأنه بغزو وأسقاط  دولة سنار، وانتزاع  مقدومية كردفان من لدن سلطنة دارفور عام 1821م، فقد تشكلت لأول مرة  كيان سياسي جديد بأسم: " السودان التركي المصري"، ولم تكن دارفور جزء منها عندئذ، بل ظلت دولة مستقلة. و لم يكتمل تشكيل الدولة السودانية المعروفة الا بعد أكثر من نصف قرن من الغزو التركى، اذ لم يتم غزو سلطنة دارفور واحتلالها الا عام  1874 م.
وبضم دولة دارفور للسلطة التركية المصرية فى ذلك العام، (1874)، اكتمل لاول مرة التكوين السياسى (لدولة السودان) التى عرفت منذئذ وحتى انفصال الجنوب عام 2011. فخصوصية دارفور التاريخية السياسية، تأتى من انه احد الكيانين الاساسيين المكونين للدولة السودانية، وهما (دولة الفونج ودولة دارفور).
ما نود تأكيده وتوضيحه  بهذا الصدد هو ان الكيان الوطني، (الجيوسياسي) الذى ننتمى اليه الآن، والمعروف بأسم " جمهورية السودان"،  انما تشكل فى الواقع نتيجة دمج استعمارى لدولتين افريقيتين مستقلتين هما دولة الفونج  ودولة دارفور. هذه الحقيقة التاريخية لا يجب تناسيها او التغافل عنها، بل وضعها في الاعتبار. وعلينا ان نحرص على تلك الحقيقة التاريخية طالم ظلت وستظل راسخة في وعي ووجدان انسان دارفور، وأن كانت مهملة وساقطة من الوعى الجمعى لأنسان الوسط والشمال النيلى، الذى اصبح كأنما لا مرجعية تاريخية ووطنية له يعتد بها غير "سنار" ودولة الفونج (الاموية)!. ثم أن علينا مواجهة واقعنا الموضوعي المزرى، والذى اشرنا اليه اعلاه  وهو إن هذا السودان، مازال يمثل وطنا افتراضيا، اذ لم يصبح بعد دولة وطنية، تمثل كل شعوبها المتعددة والمتنوعة ! فبعد اكثرمن ستين عاما من (الاستقلال الوطني)، فشلت كل الانظمة السياسية السودانية المتعاقبة، أن تخلق وجدانا وطنيا مشتركا يوحد المشاعر الوطنية بين هذه الشعوب، وان تجعل من السودان دولة مواطنة يجد فيها كل مكون من مكوناته الاثنية، الثقافية، الجهوية او الدينية، هويته الوطنية وذاته الانسانية او كبريائه الذاتى ونيل حقوقه المدنية. فما زالت تحكمنا مفاهيم الحسيب النسيب، السادة العبيد والراعي والرعية والبيعة القسرية وما زالت تعشعش فى مخيلتنا وتسيطر على ثقافتنا وعقلنا الجمعى وعلاقاتنا الاجتماعية مخلفات علاقات الرق.  وما زالت كل جهة من جهات الوطن تبحث عن ذاتها خارج حدود (الوطن): فأغلب اهل الوسط والشمال النيلي هم من ذوو توجه مصري شرق أوسطي، ووجدانهم مرتبط  (بوطن عربى اسلامى)، وإنسان غرب السودان عموما ودارفور على وجه الخصوص، يميل نحو الغرب الأفريقي ونحو الشمال المغاربي، و أما أهل الجنوب -  ونذكرهم بالخير- فقد كان وما زال توجههم شرق أفريقي. (انظر محمد ابو القاسم حاج حمد/ السودان المأزق التاريخى وآفاق المستقبل/ الجزء الاول) 
والمفارقة  التى تبدو طريفة وعجيبة، هى انه فى الوقت الذى يبحث فيه السودانيون،  خاصة نُخب  الوسط والشمال النيلى، عن قِبلة حضارية، اثنوغرافية وسلالية يتوجهون او ينتمون اليها، خارج حدود القارة الافريقية، نجد ان شعوب غرب افريقيا المسلمة بكل من: تشاد، نيجيريا، مالى النيجر الكمرون، يجدون فى السودان  قِبلتهم الحضارية، الثقافية والدينية، وقد ظلوا منذ قرون يتدفقون نحوه حتى بلغت اعدادهم الملايين فى وطنهم الجديد. فنِسبة سكان السودان التى تعود جذورها الى غرب افريقيا لا تقل بأى حال من الاحوال عن 40%
.nurdarfur@gmail.com