الأحد، 6 مارس 2016

من يملأ فراغ الترابي؟


طيلة خمسة عقود، خطف حسن الترابي أضواء المشهد السياسي في السودان، حيث لعب أدوارا محورية في بناء الحركة الإسلامية، وتصدر الثورة والتنظير للانقلابات وتجديد الخطاب الديني، مما يجعله رجلا استثنائيا في مختلف المجالات.
غيب الموت مساء السبت المفكر الإسلامي والسياسي المخضرم حسن الترابي عن عمر يناهز 84 عاما، بعد خمسة عقود أمضاها في زعامة الحركة الإسلامية، وصدارة المشهد السياسي السوداني.
وبدأت مسيرة الترابي السياسية عندما التحق بجماعة الإخوان المسلمين أثناء دراسته في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم في خمسينيات القرن المنصرم.

آنذاك كانت عضوية جماعة الإخوان التي كانت تمثل امتدادا للجماعة الأم في مصر، تقتصر على طلاب جامعة الخرطوم، لكنه بعد أقل من عقدين حوّلها إلى واحدة من القوى الرئيسية في السودان.
وعندما تخرج من كلية الحقوق واصل دراسته العليا في جامعة أكسفورد البريطانية، وحاز على درجة الماجستير منها عام 1957، قبل أن ينال درجة الدكتواره في القانون الدستوري من جامعة السوربون الفرنسية عام 1964.
وبعد عودته من فرنسا عمل المفكر السوداني أستاذا للقانون في جامعة الخرطوم، وسرعان ما لمع نجمه بلعبه دورا محوريا في تعبئة طلاب الجامعة للإطاحة بالحاكم العسكري وقتها إبراهيم عبود.
صدارة الثورة
كان الترابي في صدارة الثورة الشعبية التي أطاحت بالحكم العسكري في أكتوبر/تشرين الأول 1964، إلى جانب قوى سياسية أخرى، وهو ما سهل لاحقا انتخابه زعيما لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان.

وبفعل الكاريزما التي اكتسبها الرجل من ثورة أكتوبر/تشرين الأول استطاع أن ينظم جماعته لخوض الانتخابات والفوز بثلاثة مقاعد برلمانية، ورغم قلّتها فإنها كانت مؤشرا على الشعبية التي سيكتسبها التنظيم لاحقا.
لكن طموحات الرجل السياسية تسببت في خلافات بينه وبين قادة آخرين في التنظيم الإسلامي، خصوصا عندما عمد إلى تبني منهج استقلالي عن الجماعة الأم في مصر.
ونجح الترابي في تسويق فكرته لدى القطاع الأوسع من الجماعة، ولم يعد مرتبطا تنظيميا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، لكنه احتفظ بعلاقات جيدة معها.
ولم تكن تحفظات الترابي على الجماعة الأم تنظيمية فقط، بل فكرية أيضا عندما طرح آراء مغايرة، لا سيما في قضايا المرأة والحكم والأقليات.
واستفاد السياسي السوداني البارز من الحقبة الديمقراطية التي تلت إسقاط نظام إبراهيم عبود لبناء تنظيمه، لكن ذلك لم يدم طويلا حيث نفّذ الشيوعيون -الخصم التقليدي للإسلاميين- انقلابا عسكريا عبر عناصرهم في الجيش عام 1969.
مواجهة العسكر
بعدها تحالف الإسلاميون مع أكبر حزبين في البلاد هما حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي، لمواجهة الحكومة العسكرية الجديدة.

وفي تلك الأعوام اعتقل الترابي أكثر من مرة لأسباب تتصل بالأساس بتحريض الطلاب على تنفيذ احتجاجات متقطعة ضد الحكومة، “علاوة على تخطيط التحالف المعارض الذي كان يقيم أغلب قادته في الخارج لعمل عسكري للإطاحة بالحكومة”.
وفي العام 1976، فشلت قوات مسلحة تابعة للمعارضة في الإطاحة بالحاكم العسكري جعفر نميري بعد دخولها الخرطوم عبر الصحراء من ليبيا، حيث كانت مدعومة من الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي.
ومثلت هزيمة قوات المعارضة ومقتل عدد كبير من عناصرها انتكاسة في مسيرة التحالف، ودفعت حزب الأمة وجماعة الإخوان المسلمين إلى إبرام اتفاق مصالحة مع الحكومة عام 1977، وهو ما رفضه الحزب الاتحادي.
وبناء على اتفاق المصالحة حل الترابي جماعته وانضم إلى تنظيم الاتحاد الاشتراكي الحاكم آنذاك من الناحية النظرية، لكنه عمليا سعى لبناء تنظيمه سريا وبناء مؤسسات اقتصادية جعلته لاحقا من أثرى التنظيمات السودانية.
وبسبب النشاط السري للجماعة، تفجّرت الخلافات مجددا بين الترابي وحكومة جعفر نميري، وأودع الأول السجن مجددا عام 1984.
العودة للاحتجاجات
عاد الإسلاميون مرة أخرى لتنظيم الاحتجاجات مع قوى سياسية أخرى، توجت في العام 1985 بانتفاضة شعبية أطاحت بالحاكم العسكري وخرج على إثرها الترابي من السجن مع عشرات المعتقلين السياسيين.

وفي الانتخابات التي تلت الانتفاضة نجح الإسلاميون في الحصول على ثالث أكبر كتلة برلمانية، ودخلوا بموجبها في حكومة ائتلافية مع “حزب الأمة” الذي حصل على الكتلة الأكبر من المقاعد.
لاحقا، نشبت خلافات بين حزب الأمة وتنظيم الإسلاميين الذي انسحب من الحكومة قبل أن ينفذ انقلابا عسكريا عبر عناصر يتبعون له في الجيش، وعلى رأسهم الرئيس الحالي عمر البشير عام 1989.
ورغم تولي البشير رئاسة الجمهورية فإن الرأي العام كان ينظر إلى الترابي بوصفه الحاكم الفعلي للبلاد، وكان هذا مع أسباب أخرى وراء تفجر الخلافات بين الرجلين حول النفوذ، انتهت إلى عزل الترابي من كل مناصبه عام 1999.
بعدها أسس الترابي حزب المؤتمر الشعبي الذي خاض معارضة شرسة ضد البشير.
السجن مجددا
وعلى مدار السنوات الـ15 الماضية اعتقل جهاز الأمن السوداني الترابي أكثر من مرة ولعدة أشهر، تحت دعاوى مختلفة منها التخطيط لانقلاب عسكري.

واعتقل السياسي البارز عام 2009 بعد تأييده اتهامات المحكمة الجنائية الدولية للبشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في إقليم دارفور غربي البلاد، حيث يشهد الإقليم صراعا مسلحا بين القوات الحكومية السودانية وحركات معارضة مسلحة تسعى لإسقاط البشير.
ويقول قادة حكوميون إن حركة العدل والمساواة -أقوى الحركات المسلحة في دارفور- هي الجناح العسكري لحزب الترابي. واعتقل جهاز الأمن السوداني الترابي عقب غزو الحركة للخرطوم عام 2008.
لكن في الأشهر الأخيرة تحسنت علاقة الترابي بالحكومة عندما قبل دعوة للحوار الوطني طرحها الرئيس البشير وقاطعتها غالبية فصائل المعارضة الرئيسية.
تحول مفاجئ
وفي ذلك الوقت، فسّر مراقبون التحول المفاجئ في قرار الترابي بعد خصومته الشرسة مع البشير بأن “الرجلين يطمحان إلى توحيد الحركة الإسلامية التي تنازعا على ورثتها بسبب الهجمة التي يتعرض لها الإسلاميون في المنطقة”.

لكن مسؤولين من الحزبين درجا على نفي ذلك، والتأكيد أن دافعهم إلى الحوار هو المصلحة الوطنية فقط.
وبغض النظر عن دوافع الترابي، يبقى مؤسفا للآلاف من أنصاره أنه رحل قبل انتهاء الحوار الذي طالما قال إنه يمثل له “تحديا شخصيا لحلحلة الأزمات السودانية” التي تبدأ بالحروب الأهلية في ثلاث جبهات، ولا تنتهي بالانقسامات السياسية وتردي الأوضاع الاقتصادية.
وما يضاعف الأسف أيضا وسط أنصاره أن غالبيتهم يجمعون على أنه لا يمكن تعويض من يرونه مفكرا استثنائيا.
 وكالة الأناضول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق