الأحد، 19 يوليو، 2015

أضعف الإيمان (نعود إلى أمهاتنا طلباً للإذن بالانصراف)


في رثاء الفنان الراحل عمر الشريف، كتب زاهي حواس مقالاً بعنوان «عمر الشريف وداعاً صديقي»، أشار فيه إلى أن مرض ألزهايمر اللعين أصاب ذاكرة عمر الشريف، فنسي حتى أقرب الناس إليه. «كانت الذاكرة تخبو شيئاً فشيئاً حتى تلاشت الذكريات القريبة وبقيت له كل ذكريات الطفولة والشباب. كان يحتفظ في محفظته بصورته مع أمه وهو طفل لم يتعدّ الأعوام الأربعة على شاطئ الإسكندرية، وكان في كل لقاء معي في الفترة الأخيرة من حياته يخرجها ليريني إياها وليحكي لي عن أمه وكيف أثرت في حياته بحزمها وحنانها. حكى لي كيف أصرت على إلحاقه بمدرسة إنكليزية داخلية في الإسكندرية لسببين، الأول ليتعلم الإنكليزية بلكنتها الصحيحة، والسبب الثاني لكي يفقد وزنه الزائد ويحافظ على لياقته، عندما لاحظت أمه بوادر بدانة على جسده».


استطاع مرض ألزهايمر أن يمحو ذاكرة عمر الشريف، وينسيه حياته وتاريخه، لكن أمه بقيت عصية على النسيان، بل عادت من جديد إلى ذاكرة ابنها، وإن شئت عاد هو إليها. حضور الأم إلى ذاكرة عمر الشريف ليس حالة خاصة، الأم تبقى في الظل في حياة الإنسان، لأنها موجودة مثل ظله، وهي تنتقل من الظل إلى الضوء، تستعيد مكانتها، كلما تقدم الإنسان في العمر، كلما اقترب من النهاية. هذه الحالة يعبر عنها الشاعر أدونيس في حوار مع «الحياة»، ويقول: «الأمُّ في المجتمع العربي هي في مرتبة «الظل»، بالنسبة إلى الأب الذي هو دائماً في مرتبة «الضوء». كانت أمي، بالنسبة إليَّ، كمثل الطبيعة، أرتبط بها لا بالولادة وحدها، بل بالهواء والفضاء. هي نفسها طبيعة، خصوصًا أنها لا تقرأ ولا تكتب. مظهر ناطق من الطبيعة. شجرةٌ من نوع آخر. أو نبعٌ يتكلم»، ويضيف: «الأم مبثوثة في الكتابة، بالنسبة إليَّ، كمثل الهواء والشمس والماء. ذائبة في حياتي وفكري. ليست كائناً مفرداً، مستقلاً، منفصلاً، كأنه شيء أو موضوعٌ خارجي. هكذا لم أكتب عنها بالاسم، وإنما أشرت إليها. لا أقدر أن أحوِّلها إلى موضوع «إنشاء» مدرسي، كالربيع والخريف، أو الوطن، أو غيرها». كأن أدونيس يقول من الصعب تخيل الانفصال بين الأم والولد. الأم يصعب تجسيدها على أي نحو، أو النظر إليها كشخص له دور في حياة الإنسان، هي أكبر من اختصارها بموقف أو مواقف، أو دور، ولهذا فالأم لا تعيش في الظل، نحن نتصور هذا، لكنها في الحقيقة هي الحبل السري الذي يربطنا بالحياة، والرحم الذي يشكلنا ويؤثر في تكوين مشاعرنا وأحاسيسنا، والشعور بغياب دورها هو تأكيد لاستمرار وجودها غير المنفصل. معظمنا يفخر بأبيه، ويتحدث عنه، وينسب إليه كل الفضل، وحين يكبر يعود إلى حلوة اللبن، يعود إلى الرحم الذي نشأ فيه. نعود إلى أمهاتنا إذا كبرنا طلباً للإذن بالانصراف من رحم الحياة.


« كَانَ ارْتِكاضِي في حَشاكِ مُسَبِّباً رَكضَ الغَليلِ عَلَيكِ في أحشائي» .
الحياة