الخميس، 8 أكتوبر، 2015

حكومة انتقالية برئاسة البشير.. محاولات إنقاذ الحوار



الخرطوم بسرعة البرق تنتقل من الفرحة الى الدهشة دون تمهيد أو مقدمات، لتعصف الحيرة برؤوس الدائرين فى فلك المعارضة على خلفية تصريحات قيادات حزبية نقلتها (ألوان) في اليومين الماضيين على لسان، عضو آلية الحوار الوطني الأمين السياسي لحزب العدالة القومي بشارة جمعة أرو، وكشفه عن تغيرات جوهرية خلال الفترة القادمة على خلفية انطلاق الحوار تفضي لحكومة قومية انتقالية برئاسة الرئيس البشير بواقع سياسي يقود للسلام والاستقرار والأمن مدخله التداول السلمي للسلطة.
واستند أرو في حيثياته على جدية نوايا الأطراف، وقال لـ(ثمة تفاعلات داخلية وتغييرات استشعرها المؤتمر الوطني جعلته جاداً في أحداث تغيير)، وقطع ارو بموافقة الرئيس البشير على تلك الخطوة ومنذ أواخر العام الماضي حال كانت ترجمة لمخرجات الحوار.
واعتبر عضو الآلية أن الاستمرار في خط الحوار يعد المدخل الصحيح للخروج من أزمات البلاد، ولخص بشارة جملة التغيرات التي تفرض على الوطني التغيير، وحددها في الإصلاحات داخل القوى السياسية ومحاولات انعتاقها عن الكاريزمات التاريخية والتحرر منها، كذلك الواقع الإقليمي بالإضافة للأزمة الاقتصادية ورفض حالة الانهيار.
وأرجع تأخر التغيير في البلاد لحالة الخوف في الحزب الحاكم من القوى السياسية وتكتيكاتها، وقال(المعارضة تريد استغلال الحوار لصراع المؤتمر الوطني فالحوار ليس وسيلة للصراع أو تسوية سياسية، بالتالي فإن الأحزاب فوتت الفرصة).


تاريخياً لم تغب مفردة حكومة انتقالية عن الساحة السودانية، ووردت أولى أطروحات الانتقالية فى تشكيل حكومي، أبان توقيع المعارضة ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي فى أكتوبر 1989م –تحالف المعارضة فى حقبة التسعينات- عقب انقلاب الإنقاذ، وضم حينها الأحزاب السياسية الرافضة للانقلاب والنقابات، لتتجدد الأطروحة نفسها فى مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا فى 23 يونيو 1995م، وانحصرت الدعوة للفترة الانتقالية التشكيل الحكومي الانتقالي ضمن الترتيبات الداخلية لقوى المعارضة فيما بينها كأجراء يتم عقب إسقاط نظام الإنقاذيين..
أفراح المد وأحزان الجذر التي اعترت تفاعلات المعارضة كان لها أثرها فى تطويع المقترح الانتقالي فى صياغاتها واحتفظ بخصيصته المؤقتة واسقط ركنه المتعلق بإسقاط النظام..
بيد أن المنعطف الحقيقي لإبعاد إسقاط النظام من مخيلة العمل المعارض، ابتدرتها الحركة الشعبية عقب توقيع اتفاق السلام النيفاشي فى 2005م، وتسمية ممثليها فيما عرف بحكومة الشراكة الانتقالية قبيل انعقاد انتخابات2010م، لتمضى (سنة) الحركة الشعبية على (فروض) المعارضة فتتعدد مقترحاتها بالـ(انتقالية)فى سماء الأزمة السودانية خصوصاً بعد خروج الجنوب من الجغرافيا السودانية فى يوليو 2011م، يقابلها رفض الحزب الحاكم القاطع للمقترح وزيادة الاستمساك بما يصفه بشرعيته الانتخابية، متهماً المعارضة استهدافه بالتفكيك من الداخل حال تمت الموافقة على المقترح..

الخرطوم قبل فترة عاشت جدلاً متعاظماً بين الدعوة لانتخابات مبكرة تارة وبين المطالبة بتأجيلها تارة أخرى دارت أطروحات معارضتها، وبرغم المفارقة بين الطرحين، إلا أن حكومة انتقالية ذات تكوين قومي كان حاضراً كعامل مشترك، وكانت أخر مشاهد المقترح أو أصخبها تلك التي برر بها الحزب الاتحادي الديمقراطي قبيل مشاركته في الحكومة رسمياً وأنه أي الحزب الاتحادي قدم عرضاً للوطني بإجراء انتخابات مبكرة لإجازة الدستور الدائم للبلاد عبر جمعية تأسيسية منتخبة ، مؤكداً موافقة الوطني علي المقترح.. حينها الوطني لم يبتلع (طعم) الاتحادي بإحراجه بالموافقة جماهيرياً، فأعلنت لجان الحوار من جانب المؤتمر الوطني رفضها للمقترح بدعوي إخضاعه للمزيد من التشاور ، ليضيع المقترح في زحمة الحراك السياسي وصخب مشاركة الاتحادي في الحكومة ..
بعيدا عن الشكل قريبا من المضمون، ذهب مولانا محمد أحمد سالم الى أن الموضوع برمته سياسي مبني على عمود فقري دستوري حال قرر الرئيس البشير تكوين حكومة انتقالية، وبرر حمد أحمد سالم للخطوة فى حديثه لي فى وقت سابق، بأن ذلك يعني أن الوطني يهدف أما لإشراك قوى سياسية لم تستطع أن تجد حظها في وقت سابق أو أنه اكتشف حاجته لها ، وهو إجراء يتم في الكثير من الديمقراطيات، أو أن الوطني باعتباره الأغلبية داخل البرلمان فقد ثقله، وهو ما لم يحدث، لكنه يريد تغيير اللون الأحادي للبرلمان، ما يتيح وجود معارضة فاعلة ويكسب البرلمان بالتالي نكهة وحيوية، واعتبر سالم الخطوة إذا تمت في ظل فوز الوطني فإن من شأن تنازله لآخرين رفع الأسهم الوطنية ، وقال(القوى السياسية الموجودة حالياً في الحكومة أو خارجها ليس لها وجود برلماني أو تمثيل تشريعي، ما يتيح الحصول على إجماع وطني).
دهشة الخرطوم للوهلة الأولى ارتبطت من أن المقترحات جاءت من أطراف ممثلة في آلية الحوار التي لا تتفق إلا لتختلف من جديد، لتدور الأسئلة حول مبررات الكشف عن تلك النية فى هذا التوقيت بالرغم من رفض الوطني لها طويلاً؟ وهل ثمة إمكانية لقبول حقيقي وتبني بجدية من قبل الوطني بعد استعصم بالرفض مدى زمني ليس بالقصير؟ وما هو شكلها حال تم تبنيها؟ وما المطلوب منها؟
الخرطوم هذه المرة تنظر للفكرة في انتظار رد الفعل المعارض بزاوية وصفتها التحليلات بالمختلفة، لجهة ارتباطها بمبادرة الرئيس البشير نفسه فى الوفاق الوطني ولم الشمل وما شهدته الساحة من تغييرات عاصفة أبعدت ابرز قيادات الإنقاذ من مركز دائرة الضوء والفعل السياسي الى كواليس الحزب بعيداً عن دولاب الدولة، وترى التحليلات أن الوطني حال وافق هذه المرة على المقترح الانتقالي فإنه يسعى ربما لكسر حالة الاحتقان التي تمر بها البلاد بفعل الإجراءات الاقتصادية ويتبنى من خلاله إجراءات مصالحة داخلية شاملة تقلل من حدة المخاطر التي تتعرض لها البلاد، يتزامن مع عدم استقرار إقليمي يحيط بالسودان من شأنه ان ينقل عدواه الى ما بعد الحدود، وفقاً لنظرية التأثير والتأثر السياسية، ليكون حديث عضو آلية الحوار الوطني الحالي بموافقة الرئيس على حكومة قومية انتقالية برئاسته وذات مدى زمني معلوم يرتبط ، بحسب ما دار في اجتماع رئاسي بالآلية في 16 أكتوبر 2014م، ليكون بمثابة طوق نجاة جديد للحوار الذي امتنعت الحركات وتمنعت الأحزاب عليه.

إرادة سياسية:
المسئول السياسي لحزب العدالة بشارة جمعة أرو، أعتبر فى حديثه لـ(ألوان)أمس الى أن الحديث عن حكومة قومية انتقالية وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة لم يكن وليد الأمس بل قديم متجدد وسبق أن قدمه حزبه فى 2011م، ورفض توظيف الحكومة القومية كشرط من المعارضة للتحاور مع الحكومة، مؤكدا أن المهم أن يدخل الجميع حواراً بلا شروط بهدف تحقيق إجماع وطني حقيقي لجهة ان الأزمة الوطنية مستفحلة، كاشفاً عن الهدف من الفترة الانتقالية تكوين حكومة برنامج وطني موحد بحكم الواقع السوداني الذي يفرض سرعة التحرك، فالطرفان الحكومة والمعارضة يحتاجون للجلوس من أجل تسوية شاملة من اجل انتشال البلاد من وضعها المأساوي.
وأكد ارو ان تمترس كل طرف خلف موقعه أو موقفه والإصرار على وضع شروط يؤدى الى وضع معقد في حين ان المطلوب تهيئة سريعة لمناخ الحوار وتقديم للذاتية على الحزبية، وهو ما يحتاج الى إرادة سياسية وطنية صادقة..


د. على السيد القيادي بالاتحادي الأصل والمقرب من مولانا محمد عثمان الميرغني، أعتبر أن سبب الحديث عن حكومة انتقالية، لم يكن وليد الراهن بل برز من المؤشرات التي وردت فى خطاب البشير حول الوفاق الوطني باعتباره الطريق الوحيد للحفاظ على البلاد، وأكد فى حديثه لي في وقت سابق ، أن المطلوب حالياً تكوين حكومة انتقالية بفترة انتقالية وتعديل لبعض نصوص الدستور، ما يترجم عملياً جدية الوطني مع القوى السياسية من عدمها، ويغيب بالتالي موقف المؤتمر الوطني المتمترس خلف الرفض.
الشكل ليس هماً:
شكل وتكوين الحكومة الانتقالية لم يكن هماً للقيادي الاتحادي بقدر ما ألقى بتركيزه على البرنامج المطلوب تنفيذه بين القوى السياسية والمؤتمر الوطني حال تم تكوين الحكومة الانتقالية، وقال(البشير هو الرئيس الحالي بالتالي سيكون رئيساً للانتقالية، ويحق له التعيين من اى حزب يراه طالما يدعم عملية الوفاق الوطني ويعمل على تعديل الدستور).


المطلوب من الحكومة الانتقالية أياً كانت هوالبرنامج المفترض تطبيقه فور تكوين الحكومة المقترحة فى تفكير السيد، وذهب الى ان أهم موضوعاتها العمل على إيقاف الحرب فى دارفور وتحقيق السلام وحل المسائل العالقة مع جنوب السودان وبقية الإشكالات، ما يغيب مبررات المعارضة فى ان تعارض باعتبارها جزء من إدارة الفترة الانتقالية، وقال(ذلك يهيئ المناخ).
بلا حجر أو إقصاء:
في المقابل رحب عضو القطاع السياسي بالحزب الحاكم د.ربيع عبد العاطي بالفكرة، واعتبر ما طرح يقبل النقاش والاستعراض وقال لـ(ألوان) (لا حجر على عرض أي موضوع للنقاش والتداول طالما كان حديثاً موضوعياً يقبل الأخذ والرد) وأكد عبد العاطي أنه ولأول مرة تطرح الفكرة بشكل موضوعي، واستدرك(ربما يكون للحزب رأى آخر، لكن ينبغي أن يكون موضوعاً للحوار مع القوى السياسية ، أما المتحدثين عن إسقاط النظام فلا مكان لهم للنقاش، لأنهم غير موضوعيين).
سابق لأوانه:
برنامج الحكومة الانتقالية وواجباتها، اعتبرها ربيع من الأمور السابق لأوانها التداول فيها أو الخوض فيها، وكشف عن أنه من حيث المبدأ يظل أحد المحاور المطروحة التي يجب النقاش حولها، وقال(اى اتفاق بين القوى السياسية والمؤتمر الوطني حول القضايا الوطنية سيكون نصب عين الجميع، كما انه يؤكد ان الباب مفتوح على مصراعيه لمناقشة اى شئ بلا حجر أو تحفظ كما كان دائماً).
ونفى عبد العاطي بشدة القول بمخاوف المؤتمر الوطني من فكرة الحكومة الانتقالية، واستند فى ذلك على حديث البشير نفسه وقال( الرأي يقابله الرأي والمشاركة واسعة بلا حجر أو إقصاء حال تم الاتفاق على ذلك).


الوان