الأربعاء، 16 مارس، 2016

أبو عيسى: النظام السوداني لا يريد الحوار


منذ اعتلى النظام الحالي في السودان سدة الحكم، رفعت أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي وحزب "الأمة" القومي بزعامة الصادق المهدي، و"الاتحادي الأصل" بقيادة محمد عثمان الميرغني (الذي دخل أخيراً في تحالف مع النظام)، شعار إسقاط النظام. ودخلت أحزاب المعارضة في تحالفات متنوعة ضمّت اليمين واليسار لتحقيق هذا الهدف، غير أنها طيلة 26 عاماً لم تنجح في إسقاطه، وإن عمدت في فترات متفاوتة إلى محاورته والدخول في اتفاقيات، قادت بعضها للمشاركة في الحكومة والبرلمان.
التقت "العربي الجديد" برئيس هيئة تحالف المعارضة فاروق أبو عيسى، وفتحت معه ملفات عدة تتصل بالحوار الوطني الذي أعلنه الرئيس عمر البشير، فضلاً عن ضعف المعارضة وتراجع شعبيتها في الشارع السوداني أسوة بالنظام.
- كيف تنظر إلى الحوار الوطني ومخرجاته؟
نحن على قناعة تامة بأن النظام لم يكن جدياً في إطلاق دعوة الحوار. وظهر ذلك من خلال خطاب الوثبة الذي ألقاه الرئيس البشير في 27 يناير/كانون الثاني 2013، وأعلن عبره عن انطلاق الحوار. وبما أن الخطاب جاء في حينها بلغة مبهمة، كي لا يورط النظام نفسه في التزام مع الشعب أو المعارضة، اتخذنا قراراً بعدم المشاركة. إضافة إلى ذلك، لا نثق إطلاقاً في النظام، واتفاقية القاهرة التي وقعتها مع الحكومة في العام 2005 كانت خير دليل على أنه لا يلتزم بعهوده.
- لكنكم أعلنتم الموافقة على الحوار وفق شروط محددة؟
نحن لا نرفض مبدأ الحوار قطعاً، وهي فكرة نيّرة لحل الأزمات. معظم أطراف التحالف رأت أنه لا مانع من المشاركة في الحوار وفق شروط محددة، لأنه لا يمكن أن ننعزل إقليمياً ودولياً بتمسكنا بالرفض المطلق لكل المبادرات. غير أننا قطعاً لسنا مع أي حوار يحولنا إلى أدوات للحزب الحاكم. لذلك نحن مع الحوار الجاد والشفاف والذي يقود في النهاية إلى تفكيك نظام الحزب الواحد، وإقامة نظام ديمقراطي يتم فيه تداول السلطة سلمياً، وفق شروط محددة. وهذه الشروط أصرّرتُ عليها شخصياً لمعرفتي بجماعة النظام، رغم أن بعض زملائي كانوا يستعجلون الحوار ظناً منهم أنه سيقود لنتائج. وتلك الشروط تتعلق بتهيئة المناخ ووقف الحرب وتأمين الحريات وخلافه. وإذا لم تتحقق، لن نقبل بالجلوس في الحوار ونضيع الوقت والمال في أمر غير منتج.
 - كيف للنظام أن يقبل بحوار يعمل على تفتيته؟  
إذا اختل توازن القوى وأصبح في صالح المعارضة، عندها سيقبل. إذا حدثت تظاهرات واضطرابات، سيهرولون خلف الحوار وبالشروط نفسها.
- هل تعتبرون أن ميزان القوى في صالحكم؟
الآن ليس في صالحنا بالتأكيد، لأن المعارضة لم تقو بعد بالمعنى الذي يغلب دواليب الدولة والحزب الحاكم. لكن في المقابل، فإن النظام في أضعف حالاته، ما يجعلة يقترب ويلين، وهو ما دفعنا إلى إطلاق الشروط (للحوار). 
- وماذا بالنسبة لمخرجات الحوار الذي قاطعتموه؟

اعتماداً على قناعتي الأولى، فإن الحوار الدائر حالياً لن يقود إلى نتيجة، لأن هذا النظام إذا لم يُضرب في رأسه وتُضعف قدارته ويختل توازن القوى لديه، لن يقدم أي تنازلات في سبيل تحقيق الديمقراطية. النظام الآن لم يضعف بالصورة المطلوبة. كما أنه يملك الحظ والظروف المساعدة، إذ إنه في كل مرة يقع فيها، يجد من يسنده. بعد الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أدخلوا فيها البلاد، وجدوا من خلال المناورات، وعبر التوازنات في الإقليم، مدخلاً للخروج من الأزمة. وإن كنت على قناعة أن الأمر سينقلب عليهم، باعتبار أنها مجرد تكتيكات، لأن التحالفات الخارجية الأخيرة (في إشارة إلى عاصفة الحزم في اليمن) تكتيكية.
- ماذا بشأن المخرجات؟
صحيح أن بعض النقاشات بين عدد من الأحزاب غير المرتبطة بالحزب الوطني، أو التابعة له، تبدو وكأنها وضعت وثائق المعارضة أمامها وتقرأها، إلى جانب أن بعضهم شارك في إعداد تلك الوثائق، لا سيما المتصلة بالبديل الديمقراطي، عندما كانت جزءاً من التحالف. لذا، من الطبيعي أن تقول بعض ما هو وارد من أفكار نحن طرحناها في المجتمع كبدائل. على الرغم من هذه الجهود، إلا أنها لن تتقدّم، ولن يتحقق شيء غير رؤية النظام الحاكم ورغبته. الآن، بدأ بعض المشاركين في الحوار يشتكي من عمليات تزوير في التوصيات، التي اعتقد أنها ستستمر لمئات المرات قبل الوصول لطاولة البشير. وكل ما سيحدث أن مخرجات الحوار ستصاغ في وثيقة جميلة وتعلن من خلال مهرجان احتفالي لتوضع بعدها في المتحف.
- هل واجهتم أية ضغوط خاصة من المجتمع الدولي بشأن الحوار؟
لا يمكن أن يضغط علينا أحد، فإرادتنا هي إرادة الشعب والانتماء له ولا نفعل إلا ما نقتنع به. ولم يحدث، ورغم أننا نتواصل مع المجتمع الدولي، أن مارسوا ضغوطاً علينا، مع أنهم يرمون الكلام، غير أننا ندرك ما يرمي إليه المجتمع الدولي.
- وإلى ماذا يرمي المجتمع الدولي؟
يريد أن يرفع من قيمة جماعات إسلامية صغيرة معينة، لتكون بديلاً للحركة الإسلامية الحاكمة في البلاد حالياً.
- ولماذا بديل الإسلامي إسلامي، ومن تقصد بالجماعات الإسلامية؟
أنا على قناعة بأن الولايات المتحدة، ومنذ نكسة 1967، طرحت في مراكز الدراسات معلومات مفادها بأنه يمكن أن تتعامل مع الحركة الإسلامية، باعتبارها أكثر تنظيماً، بعدما ضُربت التنظيمات الأخرى عقب النكسة. وهو ما يفسر خطوتها في أزمنة ماضية، باختيار أذكياء الحركة الإسلامية في مصر والسودان وبلدان أخرى، ونقلهم الى واشنطن للدراسة وتلقي التدريبات. وفي الخرطوم حالياً، هناك الكثير من حملة الشهادات ممّن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، وتسلّموا السلطة، وجرى ذلك من خلال التعاون بين الحركة الإسلامية والاستخبارات المركزية الأميركية "سي أي إيه" في البلاد.
- لكن الواقع يقول إن واشنطن تفرض عقوبات وخناقا على النظام الحالي؟
هي لا تحاربهم، إنما تعمل على إبقائهم، وقد تكون الخطوات العقابية مقصودة لتحقيق فعل معين، وليس لضرب الحركة ككل. حتى الآن، لم تُخلق حركة لمواجهة الإسلاميين، وتُقنع واشنطن بأنها البديل. فضلاً عن أن الأخيرة تحركها مصالحها. اليسار العربي في العموم حالياً مفتت، وإن كانت هناك محاولات للمّ الشمل والتوحد. لكن ما يحصل حالياً، هو أن الأميركيين يحمون مصالحهم، وأولها الإبقاء على اسرائيل وعدم زعزعتها. وبالنسبة لحكومتنا، فإننا نجد أنها تتحدث الآن علناً عن التطبيع مع إسرائيل، والأخيرة بمثابة مصلحة عليا لواشطن، تأتمن عليها الإسلاميين.
- هناك من يصف المعارضة السودانية بالضعف لفشلها في تنفيذ برامجها المعلنة بإسقاط النظام؟
لا أجزم بدقة ذلك، وإن كان يفترض بشكل عام أن تكون المعارضة أقوى مما هي عليه. لكن الواقع، هو أن المعارضة قدمت تضحيات بأرواحها، فضلاً عن التعذيب، لمقاومة النظام منذ وصوله للسلطة. كان لها موقف من اليوم الأول، وعملت على نشر الوعي حول مساؤى النظام وفساده، ونشرت ملفات الفساد، التي أخرجتها بأشكال مختلفة. والمعارضة لا تعني رفض قادة النظام بأسمائهم المختلفة، وإنما رفض النظام بمجمله.
- لكنكم ظللتم ترفعون شعار إسقاط النظام من دون أن يكون له أثر على الأرض؟
يعود ذلك إلى أن القضايا التي تشكل برنامج إسقاط النظام غير متفق عليها من الأحزاب، لأنها ليست قضية حزب واحد، فلكل حزب فلسفته وتكتيكاته، وإن كان المفروض ترك هذه الفلسفة خارج اجتماعات التحالف. لكن للأسف، الكثير منهم دخلوا التحالف بتلك التكتيكات، وهي ما قادت لهذا الإرباك الأخير عقب التوقيع على وثيقة نداء السودان مع المعارضة المسلحة.
- هناك من يرى أن تحالف نداء السودان كان سيطيح بتحالف المعارضة؟

من كان لهم رأي مخالف في وثيقة نداء السودان، استطاعوا زعزعة الأجواء، خصوصاً أن لهم قدرة على النشاط والحركة. لكن الاتفاق يمثل إنجازاً كبيراً، لأن الهدف لا يكمن في تفاصيله، التي أُريد من وراءها التسوية السياسية مع النظام، وإنما في قيمته كونه مثل بذرة لوحدة المعارضة السلمية والمسلحة، باعتبار هذه الوحدة شرطاً أساسياً لإسقاط النظام. إن أهم ما أنتجه اتفاق نداء السودان، هو أنه جمع بين العمل العسكري والسياسي. والتشويش عليه كان عند دخول حركة "العدل والمساواة" لأم درمان في عام 2008، وتمت إخافة الشارع من الحركات المعارضة وتصويرها بشكل يناقض الحقيقة. إذ إنها حركات تهتم بتخليص البلد والناس من النظام، ولم يكن من المفترض أن يتم التعامل معها بنظرة حزبية ضيقة، ولكن القبول بالإطار العام. في العموم تجاوزنا ذلك الآن، على الرغم من أنها أضعفتنا وهزتنا إلى حدّ تقديم استقالتي احتجاجاً على ما وصلنا إليه.
- كيف لمعارضة تعاني من كل تلك الخلافات أن تسقط النظام؟
صحيح، أن الشعب اهتز من الحادثة الأخيرة، التي لم يكن هناك ما يبررها. ومن أقاموها وتسببّوا بها سيسألون أمام التاريخ. هي خلافات لم تفد المعارضة، ولا الشعب في شيء. على أية  حال، هي مرحلة وتجاوزناها.
- لكنكم لم تقتربوا في 26 عاماً من مرحلة إسقاط النظام؟
هناك من قاتل أنظمة ديكتاتورية لمئة عام. ونحن لم نبلغ بعد القوة التي تجعلنا نخلق التوازن لصالحنا، وعجزنا يمكن أن يكون ناتجاً عن أن النظام في الأساس دموي، إذ قتل الشباب في تظاهرات سبتمبر/أيلول عام 2013 بالرصاص الحي، وصار يرعب الناس. وكانت أي عائلة تعلم أن ابنها سيشارك في تظاهرة، تقوم بتقييده خوفاً من قتله.
- لكن أنتم رفعتم الشعارات ودعوتم لها قبل أحداث سبتمبر، فهناك برنامج المئة يوم لإسقاط النظام؟
أولاً، نحن لم نقل مئة يوم لإسقاط النظام. كان مجرد برنامج، والنظام هو من روج لذلك عبر استخدام الآلة الإعلامية. ولكن عموماً، السبب يكمن في ضعف قدرات المعارضة في تحقيق ذلك. هي جبهة وليست حزبا. وعادة ما يكون هناك آراء مختلفة، يأخذ التوفيق بينها زمناً وجهداً. لكننا قطعاً متمسكون بالسير قدماً في تصفية النظام. ونرى أن محاولات الحوار الداخلي والخارجي ستقود إلى إطالة عمر النظام، وفي رأينا، فإن الحوار توقف.
- المعارضة في العادة تنتظر الفعل لتقوم بردة الفعل؟
ينهض الشارع في كثير من الأحيان من دون قيادة له، رغم أن أولادنا وبناتنا يقفون خلفها إلى جانب من لهم ارتباط بالأحزاب المنضوية تحت التحالف، كالاحتجاجات حول السدود. وجميعهم مرتبطون بنا في الوجهة العامة المتصلة بمعارضة النظام. المجهود الذي تبذله المعارضة في توعية الشارع من خلال الندوات والتعبئة وتهيئة الناس، للوصول إلى الفعل يجعلها جزءاً منه، كما الماء الذي يوضع على النار ليبدأ بدرجة غليان محددة لتصل مرحلة الانفجار.
- كيف تنظر لاجتماع أديس أبابا الذي دعت له الوساطة الأفريقية الحكومة، وحزب الصادق المهدي والحركات واستثنتكم منه؟
نحن لم ندع لذاك الاجتماع، وأي شيء لسنا طرفاً فيه لا مصلحة لنا به ولا يعنينا. وأنا على قناعة أنه لن يخرج بنتائج، خصوصاً أن الحكومة، إن شاركت، فستشارك بضغط ومن دون نفس ولن تعمل على إنجاحه.
- درجت المعارضة على توجيه الانتقادات للوسيط الأفريقي ثامبو أمبيكي؟
أمبيكي فاشل، لم ينجح حتى الآن في أن يقدم للشعب السوداني شيئاً. سبق أن دخل في وساطة بين السودان وجنوب السودان، لكنه لم ينجح، إلى أن دخل الجنوب في حرب أهلية. ليتحول بعدها بقدرة قادر لحل أزمات السودان الداخلية، لكنه في الأصل يميل إلى الحكومة، ولا يسمع إلا حديث الحكومة. ولا أعتقد أنه يمكن أن يقدم شيئاً.
العربي الجديد