الثلاثاء، 29 مارس، 2016

دارفور: أعطوا المسرح فرصة !

رغم الحرب المستمرة منذ العام 2003 في دارفور وفداحتها وانعكاساتها في كافة مناحي الحياة إلا أن الحركة الثقافية بمختلف أشكالها من غناء وشعر ورسم وتشكيل ومسرح ومختلف ضروب الفنون الأخرى كانت فاعلة وتقوم بأدوار متميزة. لكن صوت المدافع  والرصاص ودانات الأنتنوف وعمليات القتل والاغتصاب وتشريد المدنيين وإجبارهم على النزوح المستمر للمعسكرات والمدن غطى عليها  وخنق صوتها فلم يعد مسموعا إلا في الإعلام الشعبي  والمجالس والمنتديات.

ويعد المسرح في دارفور واحدا من هذه الأصوات المخنوقة ورغم ذلك يحاول جاهدا أن يخرج صوته جاهرا يجسد للناس الماضي والحاضر في قوالب متميزة ومتنوعة تبعث فيهم الأمل وتطيب الجراح وتجبرهم على الضحك والابتسامة والنظر للمستقبل بشيء من التفاؤل رغم أن كل ما حولهم ربما لا يدعو لذلك.

ويوجد في دارفور اليوم عدد من الفرق المسرحية  التي تقدم عروضا مختلفة جلها تركز حول الأزمة التي ألمت بالإقليم وسبل الخروج منها والتعايش والمصالحة والسلام ونبذ الحرب والتآخي ومحاربة العادات الضارة وغيرها تقدم في قوالب شيقة. ويوجد معظم هذه الفرق في (3) مدن في دارفور، وهي الفاشر ونيالا والجنينة، إذ توجد مسارح في هذه المدن لتقديم العروض، أما المدن الأخرى في دارفور فلا توجد بها مسارح ولا فرق مسرحية.

ففي مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور توجد سبع فرق مسرحية تعمل كلها تحت مسمى "فرقة ملتقى المشيش المسرحية" بينها فرقة دوكة الحواكير التابعة لمعسكر ثكلى للنازحين بنيالا. 

وقالت شاذلية إسحق رئيس الملتقى في مقابلة مع راديو دبنقا إن فرق الملتقى السبعة تبلغ عضويتها

 (103) شخصا وتضم أكثر من (50) فنانا مسرحيا. وأوضحت أن آخر مسرحية قدمتها المجموعة هذا العام كانت بعنوان (نوم يامرحوم )، والتي تزامن عرضها مع عيد الحب. وذكرت أن المسرحية تم عرضها كذلك في معسكرات النازحين بنيالا مثل كلمة وعطاش  وسكلي والسريف ومعسكرات النازحين في كاس ومنواشي ومرشين ودمة وبليل.  وأوضحت شاذلية أن مسرحية (نوم يا مرحوم ) وجدت قبولا جماهيريا لكونها عبرت عن الأزمة الحقيقية التي أفرزتها الحرب في دارفور.

وأعلنت شاذلية  لراديو دبنقا عن بدء عرض المسرحية الجديدة العمدة ( 168 ) بالتزامن مع اليوم العالمي للمسرح الذي يوافق يوم الاثنين 28 مارس، مضيفة أن المسرحية تتناول مضاعفات تسييس وظيفة رجل الإدارة الأهلية في دارفور وكيفية فض النزاعات التي تواجه المجتمع المحلي. وأوضحت أن المسرحية سيبدأ عرضها عبر (مسرح على الهوا) داخل مدينة  نيالا وبعدها ستقدم في معسكرات النازحين ومن ثم ستنتقل الي ولايات دارفور وبعض ولايات السودان الأخرى.

الأمن والرقابة وقلة الدعم 

 

وحول التحديات التي واجهت مسيرة ملتقي المشيش تقول شاذلية إن الأوضاع الأمنية التي تعيشها دارفور حرمتهم من التواصل مع كثير من مجتمعات الإقليم ولكن رغم ذلك استطاعوا التواصل مع بعضهم. وأوضحت أن من بين التحديات أن الوزارات المعنية بدارفور ليس من أولوياتها المسرح والفنون ولذلك أهملت المسرح و"أصبحنا نعتمد علي دعم المنظمات وجهودنا الذاتية واحيانا نضطر  لعرض مقتنياتنا الشخصية للبيع حتي نتمكن من مواصلة مشروعاتنا". وذكرت أن من بين المشكلات الأخرى التي تواجههم أن الحكومة ظلت تراقب المسرح و"أحيانا تمنعنا من بعض العروض فتلغيها لكنا كنا نتحين الفرص لتقديمها". وقالت إن قلة دور العرض هي أيضا من التحديات التي تواجه المسرح أن مدينة بحجم نيالا بها مسرح واحد فقط، الأمر الذي "دفعنا للاعتماد علي المنابر التقليدية للمسرح مثل مسرح على الهواء لتقديم عروضنا المسرحية".

وأشارت شاذلية الى ان الفرق المسرحية ظلت نسبة لقلة الدعم والإمكانيات تعتمد علي دعم المنظمات الأجنبية التي تهتم بالتعبئة الاجتماعية ومعالجة بعض الظواهر السالبة التي اجتاحت المجتمع بجنوب دارفور.دعما من منظمات عالية مثل "وارلد فوود" و"هو كير" وقد وجدت هذه العروض تفاعلا واستجابة حقيقية من النازحين فأصبحوا منفتحين و"استطعنا بواسطة هذه الأعمال الدرامية أن نغير ثقافة الكراهية للآخر التي أحدثتها أزمة دارفور الي ثقافة  محبة وتوادد".  

أما عن خطة الملتقي هذا الموسم أشارت في المقابلة مع راديو دبنقا  إلى أنهم لديهم خطة لعمل مسرح متجول لمخاطبة قضايا أهل دارفور حيث تم وضع خطة للتنفيذ تبدأ في شهر مايو القادم بمسرحية جديدة من ثلاثة فصول. وأوضحت أن الفصل الأول فيها يتناول الحياة في دارفور قبل الحرب والفصل الثاني دارفور أثناء الحرب بينما يتناول الفصل الثالث دارفور بعد الحرب. وحول المغزى من هذه الفصول أوضحت أن الغرض هو عرض المشاكل التي حدثت بالإقليم  ثم ترك الحلول للمجتمع والنازحين ليقرروا.  

فرقة  دوكة الحواكير   

وتقول الأستاذه شاذلية إسحق رئيس فرقة ملتقي المشيش إن الملتقي لديه فرقة  تتكون نصف عضويتها من معسكر سكلي للنازحين بنيالا . وقد استطاعت الفرقة أن تنتج أعمالها داخل المعسكر وتقوم بإخراجه وعرضه في مسرح المعسكر. التقى راديو دبنقا بالسيد ياسر  يعقوب آدم سكرتير فرقة دوكة الحواكير في معسكر سكلي للنازحين، والذي قال في إفاداته  حول الفرقة أن أكثر من خمسين في المائة من عضوية الفرقة من ابناء النازحين بمعسكرات نيالا المتعددة. وحول أعمال ومشاركات الفرقة قال ياسر إنهم قدموا أعمال مسرحية داخل معسكرات نيالا وشاركوا في إقامة ليالي مسرحية بولاية شمال دارفور في معسكرات السلام  ونيفاشا وشداد بمنطقة شنقل طوباية.

وقال ياسر في مقابلة مع راديو دبنقا  إن مسارحهم تتضمن أعمالا تناقش حلول الأزمة التي تعاني منها الولاية، وقدمنا أعمال ترفيهية وقضايا البيئة وقضايا الصحة ومحاربة العادات الضارة.

وقال إن معظم مسرحيات  تتناول قضايا السلام ووقف الحرب وحول الإمكانات والتمويل أبان ياسر انهم يعتمدون علي  بعض الإعانات البسيطة التي تقدمها لهم المنظمات الأجنبية وأنهم يعتمدون علي إمكانياتهم الذاتية في ظل غياب الدعم الحكومي. وحول أهم النجوم من النازحين في فرقته أشاد بالنازحين عوض مريود وحافظ ادم احمد اللذين شاركا في  في مهرجان ليالي الخرطوم وأحرزوا المرتبة الأولى. 

الفرق المسرحية بولاية شمال دارفور

لا يوجد اتحاد أو رابطة تجمع الفرق المسرحية بالولايةهكذا قال الدكتور يوسف سليمان الموظف بالثقافة والإعلام بالولاية والمشرف الفني علي هذه الفرق حيث قال في مقابلة مع راديو دبنقا إن هنالك سبع فرق معروفة استطاعت أن تقدم أعمال درامية مع الشركاء والمانحين وبعض المنظمات العاملة في مجال التعبئة الاجتماعية، حيث قدمت هذه الفرق اعمالها بمعسكرات الولاية المختلفة وركزت في إنتاجها علي معسكرات زمزم، نيفاشا، والسلام كما قدمت عروضا في محليات كلمندوا ومليط ودار السلام

وأوضح أن من أشهر هذه الفرق هي فرق الفاشر المسرحية والموقاي، ومرافئ ومجموعة التنمية  من  الواقع وفرق أشواق السلام وفرقة دارفور دراما ونجوم دارفور. وحول آخر المشاركات قال يوسف إن آخر مشاركة لهذه الفرق كان في مهرجان المسرح الحر بمدينة الأبيض شاركت فيه ثلاث فرق مسرحية. وقال إن مجموعة الموقاي شاركت في تدريب تلاميذ المعسكرات ونالت جائزة أفضل عمل في مهرجان بشيش بالأبيض في العام 2015. ونالت أيضا جائزة أفضل نص وحول المضامين التي تتحدث عنها هذه الأعمال المسرحية أشار يوسف الي أنها كلها حول أزمة الإقليم وتتحدث عن معاناة النازحين ومكابدتهم  للحياة وكيفية التغلب علي صعابها. وحول آخر ما أنتجته هذه الفرق قال الدكتور يوسف سليمان إن آخر  مسرحية كانت بعنوان (نتلم في السمح ) وهي مسرحية تدعو للسلام والمحبة وإلي توحيد مشاعر الناس وأوضح أن هذه المسرحية جابت بعض محليات الولاية وبعض معسكراتها وشكلت موسما مسرحيا بامتياز مازال عرضها  مستمرا. 

 الفرق المسرحية بولاية غرب دارفور

توجد بولاية غرب دارفور أكثر من أربعة فرق مسرحية هي دار أندوكة وأجاويد وصدى الفنون ومجموعة التنوع الثقافي لكن ليس بينها أي تنسيق ولديها علاقات فنية فقط. وقال محمد يوسف أندوكة رئيس مجموعة التنوع الثقافي بولاية غرب دارفور في مقابلة مع راديو دبنقا إن المسرح بغرب دارفور لم يجد أي رعاية أو عناية ولكن ظلت المجهودات الشخصية والفردية هي تسيره. وقال إن هناك بعض المنظمات العاملة في مجال التعبية الاجتماعية تقدم بعض الإعانات للرواد المسرح لتنفيذ برامجها. وقال أندوكة رغم قلة الإمكانيات وقلة دور العرض استطاع المبدعون التواصل مع مجتمع الولاية وقدموا مجموعة من العروض داخل بعض معسكرات النازحين.

وأوضح أن من أشهر الأعمال التي قدموها هي مسرحية "عدم تقبل الآخر" والتي تحكي عن وجود قبيلتين ليست بينهم تداخل وتقدم أحد أفراد القبيلتين للزواج من القبيلة الأخرى وخلقنا موقفا لمعالجة هذه الظاهرة وقد قدمنا هذه المسرحية في معسكرات أبو ذر ومعسكر الرياض وأردمتا ومعسكر كرندل. وما زالت عروض هذه المسرحية مستمرة وحول الموسم القادم قال إن لديهم برنامج يستهدف المجتمع بالولاية بالولاية يتمثل في محاربة العادات الضارة مثل الختان والزواج المبكر.

أصبحت مؤثرة ولكنها في اتجاهات فرعية.

 وأوضح أن المنظمات التي باتت هي الممول الوحيد لصناعة الدراما تدفع للمبدعين لإنجاح أعمالها وبرامجها وتوجه في نفس الوقت رجال المسرح بمواردها الوجه التي تريد وقطعا ليس من وجهتها المشروعات الوطنية التي تخاطب القضايا الجوهرية التي يعاني منها الإقليم. وأوضح أن الدولة ليست من أولوياتها دعم العمل الثقافي ولابد من استنباط أفكار جديد وموارد اقتصادية تدعم مسيرة المسرح بحرية واستقلالية لينهض بمسؤلياته الوطنية.

 من ناحيته ذكر الأستاذ محمد يوسف أبو شرى سكرتير ملتقي المشيش في مقابلة مع راديو دبنقا إن من أكبر التحديات التي تواجه العمل المسرحي بدارفور هو ضعف الإمكانات والموارد المادية التي أصبحت عقبة كاداء امام قاطرة المسرح.

   من جانبها قالت الأستاذة شاذلية رئيس ملتقي المشيش للمسرح والفنون أن من أبرز التحديات هو غياب جسم أو مظلة واحدة تجمع المسرحيين بالإقليم وقالت إنهم حاولوا اقامة اتحاد لجمع صف المبدعين لكنهم فشلوا بسبب القوانين ونظم الإدارة بين الولايات. وذهب إبراهيم أبكر سعد الخبير الإعلامي واحد قادة العمل الثقافي بدارفور للقول إن ازمة المسرح في دارفور ظلت متلازمة لكل حكومات الإقليم المتعاقبة. وقال لراديو دبنقا إن تارجح النظم والسياسات الإدارية والتخبط العشوائي وغياب التخطيط الثقافي هو المسئول عن تردي صنعة المسرح. وقال إنه ما لم تعالج هذه الإسقاطات ستظل مسيرة المسرح متعثرة ولن تضيف شيئا لحياة الناس في دارفور.

يذكر  أن أول مسرح إقليم في دارفور الحديثة كان في العام 1916 هو التاريخ الذي افتتحت فيها مدرسة الفاشر المزدوجة الأولية. وكان ضمن ملحقاتها هي منصة  توسطت ساحة المدرسة بها مصطبتان خلفية وأمامية يستخدمها التلاميذ والمعلمين للمخاطبة أثناء طابور المدرسة الصباحي. وقد قام الأستاذ محمد فضل وهو أول مدير للمدرسة بتهيئة هذه المنصة لتصبح مسرحا قدمت فيه بعض  القصص والمنلوجات الفكاهية. ويقول الأستاذ جبريل عبد الله وهو مختص في التاريخ ومؤلف كتاب تاريخ مدينة الفاشر في مقابلة مع راديو دبنقا إن أول عرض مسرحي بمواصفات مسرحية كان في العام 1927  قدمت في المدرسة المذكورة حيث كانت المسرحية بعنوان نكبة البرامكة، والتي كان بطلها التلميذ الطاهر المليح  واستمر عرضها لشهر  وقد نالت حظا وافرا من الانتشار والقبول وأصبح سكان المدينة ينتظرون نهاية الأسبوع بشغف بالغ لمشاهدتها.

  وشهدت ستينات القرن الماضي أنشأ مسرح القوات المسلحة 1962 كأول مسرح بمدينة نيالا والذي يعرف اليوم  بالمدينة باسم مسرح الميرم تاجة وتبعها إنشاء مسرح نيالا البحير ومسرح بمدينة الجنينة. وقد تمددت حركة المسرح بفضل ظهور المدارس الأهلية والثانوية في مدن نيالا والجنينة. ومن الإضافات الحقيقية للمسرح هو افتتاح مدرسة الفاشر الثانوية بنين فقد كانت مدرسة قومية يفد إليها الطلاب من كل أنحاء البلاد فقد اثري تنوعها المجتمع الدرفوري وخلقت تمازجا اجتماعيا لمعظم ثقافات أهل السودان.

دبنقا