الجمعة، 1 أبريل 2016

كم عدد جيوب الحكومة؟

أتساءل دائما، وأنا أرى كرم الحكومة الحاتمي في الصرف البذخي على نفسها، ودستورييها، وولاتها، ومعتمديها، وأفنديتها، وعلى حج وعمرة المسؤولين ومن تبعهم بإحسان؛ وعلى سفر الوفود، وبناء البروج، وتشييد الأندية الشواهق، وشراء السيارات رباعية الدفع، والمسيرات المليونية مدفوعة الأجر، والمهرجانات المتواصلة، والولائم الفاخرة، (ورصف الخلاء الواقع جنوب مطار الخرطوم)؛ وعلى اليخوت، والمؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية، وعلى اليفط العملاقة و"الدلاقين" التي تنافس أكياس البلاستيك التي تُزيّن جنبات العاصمة الحضارية، وعلى "الأفيال البيضاء" مثل مستشفى مروي المهول المهمل ومطارها، ومستشفى الزجاج الخالص المُسمى "بالفرن الآلي" على ضفة النيل الأزرق الشمالية، وعلى كل ما هو هامشي، بينما تُقتِّر في صرفها الواجب على ما يمس حياة الناس من صحة وتعليم ونظافة بيئة، وحياة البلاد ومستقبلها من اقتصاد وزراعة وبنيات تحتية متينة، وعلى تنمية الأقاليم المنسية تنمية تُجنب سكانها مشقة الهجرة والعيش في أطراف المدن، والتربّص للسيارات عند إشارات المرور؛ وفي سعيها الحثيث المضطرد، (رغم "بشريات" الميزانية)، لزيادة الجبابات والضرائب والمكوس التي تُثقل كاهل الغالبية العظمي بما لا تطيق – أتساءل: كم عدد جيوب الحكومة؟ وهل تدري شمالها ما تصرفه يمينها؟

من أي جيب من هذه الجيوب تصرف الحكومة على سفر وفودها إلى مشارق الأرض ومغاربها؟ كيف تبعث الحكومة (كما ورد مؤخرا في الصحف) وفدا من عشرين سيدة لحضور اجتماعات لجنة المرأة التابعة للأمم المتحدة، في نيويورك، وهي لجنة فرعية تجتمع سنويا تُشارك فيها معظم الدول بممثلين من البعثات الدائمة في نيويورك، وتُشارك فيها الصين (وسكانها مليار وثلاثمائة مليون نسمة)، والهند (مليار ومائتي مليون نسمة) بوفود في ربع حجم وفد السودان (وسكانه ثلاثين مليون نسمة – أو ما تبقى منهم في حظيرة الوطن)؟ كيف يُشارك السودان في اجتماعات حقوق الإنسان بوفود تضم عشرات (بل مئات، أحيانا) الموفدين الذين لا تتسع قاعات قصرالأمم لأكثر من بضعة موفدين يُعدون على أصابع اليد الواحدة (بينما تنتشر البقية في عرصات وأسواق جنيف)؟ وكيف يُشارك السودان في اجتماعات منظمة التجارة الدولية وهو لا يزال في وضع المراقب (العشمان عشم إبليس في الجنة إذ أنه، فيما يبدو لي، لن يحصل على العضوية خلال هذه الألفية – إلا إذا صدق تهديدهم بأن سيحكموننا لحين يُنفخ في الصور)؟

ولا يقتصر أمر المُشاركة في كل مؤتمرات واجتماعات الدنيا على حجم الوفود المتضخم سنويا (300 ونيف يورو بدل سفرية بالإضافة لتذاكر السفر ونثرية الوزراء)، بل على نوعية الموفدين الذين لا يستطيع معظمهم (ومعظمهن) ملأ استمارات الهجرة في المطارات الأجنبية ناهيك عن المُشاركة في المداولات وشرح "انجازات" السودان في المجالات كافة، وآخرها "مُخرجات" الحوار الوطني (والمجتمعي والذي  شارك فيه ملايين لم نَرَهم) والذي لم يسبقنا عليها أحد من العالمين، كما افتخر بذلك أمين عموم الحوارات.

من أي جيب تصرف الحكومة على هذا الكم الهائل من المؤتمرات ووورش العمل والمهرجانات واجتماعات الهيئات العربية والأفريقية والإسلامية، واتحادات شباب عموم أفريقيا، وأحزاب عموم أفريقيا، وبرلمانت آسيا وأفريقيا والأقيانوس، وروابط النساء والأطفال، والدورات المدرسية (والمدارس تخلو من دورات المياه)، والمهرجانات، والأندية، والقصور، والبروج - والكميات التجارية من البلح والفول السوداني؟ ومن أين لها هذه المبالغ المهولة من العملات الصعبة (الجنيه السوداني) و"السهلة" (الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، بدليل توفرهما لكل هذه الوفود)، وهي تجأر بالشكوى صباح مساء عن عجز الميزانية، ومديونية الجهاز المصرفي، ورفض النصارى إعفاء المديونية الخارجية، وانخفاض قيمة الجنيه السوداني، وشح العملات الحرة، وتفرض كل ميزانية سنوية (خالية من الضرائب) زيادات فلكية في الجمارك والضرائب والمكوس والرسوم، منها ما ظهر، ومنها ما هو خفي، يفاجئك حين السداد؟ ومتى تأتي البرامج الثلاثية والخماسية والعشارية وربع القرنية أكلها، وهي ترتكز أساسا على خفض المصروفات العامة، كما وعدونا؟

أحيانا يُخيل لي أن الأمر يتجاوز الفساد و"الهمبتة" إلى شئ آخر. يُخيل لي أحيانا أن منسوبي النظام وقادته على كافة المستويات لا يتذكرون أن المال العام، "عام"، وأن له حُرمة وأولويات وحسن تدبير، وله اجراءات ومعايير وضوابط - ومراجعة ومحاسبة. ويبدو أن مسألة حُرمة المال العام ومسؤولية تدبيره، وحسن التصرف فيه "ما واقعة ليهم". واقترح لذلك، (بعد 26 سنة)، عقد ورشة عمل تدريبية/تنويرية لكل الحاكمين لإفهامهم مبادئ مصادر المال العام، ووضع الأولويات والإلتزام بها، وضوابط التصرف فيه، وخضوع المسؤول للمساءلة والمراجعة – والعقوبة إن أهدر المال العام، أو استولى عليه، أو صرفه على ما هامشي، وإغفل ما هو ضروري يمس حياة المواطن الذي هو مصدر المال العام وصاحبه والرقيب عليه.

وأتساءل ما زلت: كم عدد جيوب الحكومة، وكم عدد الجيوب الأخرى؟

.. بقلم: عوض محمد الحسن
سودانايل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق