الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

الخرطوم والقاهرة.. لابد من التعامل بالمـثل



هجمة شرسة من السطات المصرية تجاه السودانيين في الشارع المصري خاصة القاهرة، هجمة غير مبررة، وهناك من المصريين من يرى أن الوجود السوداني جزء من أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر، هذا الحديث ينسخه تدفق السودانيون إلى القاهرة منذ التسعينيات من القرن الماضي سواء للعلاج أم الدراسة أم السياحة أم غيره، وتبقى معاناة السودانيين مضاعفة بسبب التعامل غير اللائق من السلطات المصرية في مواقف وأحداث متفرقة في الحياة اليومية ضد السودانيين وفي مصر يتم بصورة واضحة بالرغم من توقيع اتفاقية الحريات الأربع بين مصر والسودان والتي تضمن لشعب البلدين حرية (التنقل والعمل والتعليم والاعاشة) وهو ما لم ينفذ على أرض الواقع بمصر، بعكس السودان الذي يحترم ويصون كرامة الشعب المصري بالسودان، خاصة أن معظم السودانيين يواجهون صعوبة في إيجاد العمل المناسب حسب شهاداتهم العلمية وخبراتهم، مما يضطرهم إلى العمل فى وظائف هامشية كعمال نظافة أو بوابين إضافة إلى التمييز في أجور العمال السودانيين مقارنة بين أقرانهم من الدول الأخرى، وهو الدافع الأكبر للحصول على الإعانات والاستعانة بشؤون اللاجئين بمصر، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هل تعرض السودانيين للمعاملة السيئة من قبل المصريين ناتج عن الأزمة المتجذرة حول مثلث حلايب، أما الموقف المصري ضد السودان حول سد النهضة، وإن كان كذلك، ما ذنب الشعب السوداني في سياسة الحكومتين؟
معاملة قاسية
تواترت أنباء وشكاوى متصلة من سودانيين بالقاهرة بتعرضهم للإيقاف في الشارع العام بواسطة قوى الأمن والشرطة والاستيلاء على العملات التي بحوزتهم. وأكد قنصل السودان العام بالقاهرة خالد الشيخ -بحسب تصريحات صحافية- أن القنصلية قدمت مذكرة إلى وزارة الخارجية المصرية تستفسر فيها عن الحملات الخاصة بتفتيش السودانيين واحتجازهم بعد تزايدها في الفترة الأخيرة على نحو ملحوظ، وكشف الشيخ عن وصول عدد من البلاغات من عدد كبير من السودانيين ألقي القبض عليهم بعد تغييرهم لعملة من فئة الدولار إلى الجنيه المصري دون الحصول على إيصال من الصرافة وبحسب المذكرة فإن القنصلية السودانية نوهت الى عدم تلقيها رداً من الخارجية المصرية حول مذكرة شبيهة بعثت بها في الأول من نوفمبر، وأشارت الى أن شكاوى السودانيين من معاملة قاسية بواسطة الشرطة والأمن الوطني تزايدت مؤخراً وتابعت المذكرة هذا أمر غير مقبول، بالنظر الى العلاقات التي تربط بين البلدين والاتفاقيات المبرمة بينهما خاصة اتفاقية الحريات الأربع. وقال الشيخ إنه زار بعض السودانيين في أقسام الشرطة المختلفة بالقاهرة وأن النيابة بررت الإجراء بأنه لم يقصد به السودانيين على وجه الخصوص، بل يسري على كل الأجانب في مصر. وفي الخرطوم قال المتحدث باسم الخارجية أن السفارة السودانية بالقاهرة لديها توجيهات واضحة برعاية شؤون السودانيين والتأكد من حسن معاملتهم، والنظر في أوضاعهم بشكل عام، وقال إن الخارجية السودانية تثق بأن نظيرتها المصرية ستحقق في تعرض بعض السودانيين للاعتقال ومصادرة أموالهم، وقطع بأن العلاقة التي تربط بين الخرطوم والقاهرة كفلية بتجاوز أي سوء فهم او معاملة يتعرض لها البعض من المستويات الدنيا في البلد المضيف.
أزمة حلايب
خبير العلوم الإستراتيجية دكتور كرار محمود عبدالباقي قال لـ«الإنتباهة» إن أزمة حلايب تعد من أهم الأزمات التي عمَّقت أزمة عدم الثقة والحساسية في نفوس السودانيين تجاه المصريين، ولقد كانت البداية في فبراير عام 1958 عندما احتلتها القوات المصرية بأوامر مباشرة من الرئيس عبدالناصر وكادت تنشب حرب بين الدولتين لولا تراجع عبدالناصر وإصداره أمراً لقواته بالانسحاب، مضيفاً -كرار- وظلت المنطقة تابعة للسودان كما كانت منذ عام1902م حتى احتلتها القوات المصرية في عام1995م وإعلان الحكومة المصرية انضمامها بشكل رسمي الى الدولة المصرية، وذلك كرد فعل مباشر لمحاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا واتهام حكومة السودان ومنذ ذلك الوقت ظلت حلايب تحت السيطرة المصرية الكاملة بدون أن تبذل الحكومة السودانية أدنى جهد لإعادتها الى السودان، ويبدو جلياً أنها تخلت عنها لمصر وهو ما يثير كثيراً من الكُره لها ولمصر على حد سواء في نفوس كثير من السودانيين، خاصة وأن مصر لعبت دوراً كبيراً منذ استقلال السودان وحتى اليوم في دعم الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت السودان وأذاقت شعبه صنوفاً من الهوان والعذاب، وتآمرت بشكل او بآخر للإطاحة بالأنظمة الديمقراطية السودانية، أو غضت البصر عن المؤامرات التي كانت تدور في الخفاء للإطاحة بها.
تصاعد الخلاف
يتفق مع هذا الرأي د. إبراهيم السيد المصري بمنظمة الدعم النفسي والاجتماعي للاجئين بالقاهرة، حيث قال نعم.. توجد عنصرية واضحة في التعامل مع اللاجئين السودانيين، مشيراً إلى تصاعد هذه الممارسات حيث تزايدت شكاوى اللاجئين السودانيين منذ فترة بعد تصاعد نبرة الخلاف مع إثيوبيا حول سد النهضة وإثارة موضوع تبعية حلايب لمن تم تسجيل رصد حالات اعتداء متكررة داخل محطات المترو والشوارع ضد الأفارقة عموماً بصورة أكثر من المعتاد من تعليقات عنصرية، بل يصل الأمر لاشتباكات واعتداءات متفقاً في ذلك مع نجم الدين، حيث يرى إبراهيم أن المشكلة الأكبر مؤخراً هي الانفلات الأمني الذي يتعرض له عدد من اللاجئين السودانيين للسرقة بالإكراه وتتهاون الشرطة المصرية في التعامل مع المحاضر أو التحقيقات ما يجعل من اللاجئ ضحية للسرقة والإصابة وضياع حقه في إثبات الضرر ملمحاً إلى أنه ينجم عن بعض هذه الاعتداءات حالات وفيات بهدف السرقة على الرغم من كل هذه الحوادث فاللاجئ السوداني تتم معاملته كالمواطن المصري في حقوق مثل التعليم أوالعلاج أوالعمل، موضحاً د. إبراهيم أن حالة الاستعلاء المزمنة التي يتعامل بها المصريون مع الشعب السوداني ككل ويتناولون بها الشأن السوداني في كل جوانبه، يرفضها الكثير من المصريين وهي حالة وإن اختلفت في حدتها من مواطن مصري الى آخر، ومن جهة مصرية الى أخرى، إلا أنها تظل حالة استعلاء واضحة ومرفوضة في نظر كل السودانيين بلا استثناء، حتى الذين تربطهم بمصر أوثق الصلات او أواصر النسب أو المحبة.
سد النهضة
وفي السياق نفسه، يقول د.كرار تعد أزمة سد النهضة الإثيوبي واحدة من الأزمات الدولية التي تؤثر على واقع العلاقات الثنائية بين كل من الدولة المصرية والدولة الإثيوبية حاضراً ومستقبلاً لارتباطها بشكل مباشر بالأمن المائي الذي يرتبط بواقع الأمن القومي المصري والإثيوبي في ذات الوقت وبدرجة أكثر خطورة من مجرد الهواجس والمخاوف التي ظلت ترتبط بسياسات وبممارسات الدولتين في ما يتعلق بمياه النيل خلال الفترات التاريخية السابقة لقد تباينت مواقف أطراف الأزمة والقوى الداعمة لكل منهم سواء في ما يتعلق بأطراف الأزمة المباشرين وبالتحديد كل من مصر وإثيوبيا والسودان، سيما أن مصر تتحامل على السودان كثيراً بسبب موقفها الساخر من إنشاء السد، وهذا ما ينعكس جلياً في معاملة المصريين للسودانين أو الأطراف الأخرى غير المباشرة، وبالتحديد مجموعة دول حوض نهر النيل، ثم يتلازم مع ذلك مواقف الدول والمنظمات المانحة أو أصحاب المصالح، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤثر على عملية التناول والتعامل مع معطيات وتفاعلات ومخرجات تلك الأزمة في الآماد المختلفة. إن الإشكالية الرئيسة في أزمة سد النهضة الإثيوبي، إنها ليست مجرد مشروع محل دراسة وتخطيط لتنفيذه آجلاً، وإنما هو مشروع قيد التنفيذ الفعلي من جانب الحكومة الإثيوبية وتعتبره مشروعاً قومياً لدولتها وأنه سيمثل بالنسبة لها التوظيف والاستثمار الأمثل لمواردها المائية من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، مشيراً وعلى الجانب الآخر فإن الدولة المصرية تتناول وتتعامل مع هذا المشروع باعتباره يمثل أزمة فعلية نظراً لمجموعة متزايدة من المخاوف من التداعيات المترتبة على اتمام تنفيذ هذا المشروع والتي تؤثر على بقاء واستمرار الدولة المصرية، ومن ثم فهي تتعامل مع تلك الأزمة باعتبارها أزمة أمن قومي مصري ومساهمة السودان في هذه الأزمة.
التمييز العنصري
إشارة لما استعرض إن حظر التمييز العنصري مذكور في جميع الصكوك الدولية لحقوق الإنسان وهذا يلزم جميع الدول على استئصال التمييز العنصري في النطاقات العامة والخاصة، ولكن رغم وجود هذه المواثيق والتشريعات، إلا أن التمييز العنصري والإثني وكراهية الأجانب وخاصة اللاجئين أو المهاجرين تشكل إحدى مصادر العنصرية المعاصرة اللاجئين السودانيين في مصر دلالة حية على ذلك. فاتفاقية الحريات الأربع حق (التنقل، السكن، الإعاشة والعمل) التي وقعت بين مصر والسودان كان لها أن تخفف من حدة التمييز العنصري الممارس في المؤسسات المصرية والشارع المصري، إلا أن تجارب أغلب السودانيين تدل على أن الاتفاقية لم تطبق على أرض الواقع والعنصرية جزء من الحياة اليومية لدى اللاجئين السودانيين في مصر والسودانيون في كافة الميادين والأزمنة والمجالات مواجهين باستعلاء مصري غريب، ومايزال الكثير من المصريين وحتى هذه اللحظة وبعد مرور أكثر من خمسين عاماً على استقلال السودان عن دولتي الحكم الثنائي (بريطانيا ومصر)، يتحسرون على ضياع السودان من مصر ويحلمون، بل ويطالبون بالصوت العالي باستعادة السيطرة المصرية على السودان ولو بالقوة ويظهر ذلك جلياً من خلال كتابات وأحاديث الكثيرين حتى النخبة المثقفة.

الانتباهة