الخميس، 19 نوفمبر، 2015

مشروع الجزيرة..سـيـنـاريـو تجويع السودان



للمخرج المصري ذائع الصيت خالد يوسف، إعتذار عادة ما يختم به أفلامه السينمائية، يقول فيه: (أنا بعتذر للناس لأني ما قدرت أنقل واقعهم زي ما شافته عينيا)، ويبرر ذلك بأن الواقع أكثر قسوة من أن ينقل على الشاشة، نقتبس ذات العبارات لنعتذر بها لأهالي ريفي الجاموسي لأن الواقع فعلاً أكثر قسوة من أن ينقل على صفحات من ورق، فالعطش الذي أصاب مشروع الجزيرة في السنوات الأخيرة، لم يكن المعاناة الوحيدة التي يعاني منها أهالي المنطقة، وإنما هنالك سلسلة طويلة من الأوجاع المزمنة التي سنطالعها في هذا (التحقيق)، ومثلما إعتاد الرواة على كتابة كلمات على شاكلة (هذه الرواية عمل من صنع الخيال وأي تشابه بين أحداثها أو أسماء الشخصيات الواردة فيها مع أحداث وشخصيات واقعية هو مجرد مصادفة)، ولكننا نؤكد بأن هذه الأحداث واقعية والأسماء المتواجدة فيها أيضاً واقعية لكنها تستحق وصف الخيال. هيبة البؤس:
عندما يبسط البؤس هيبته على المكان، يصبح كل شيء قابل للانهيار، حيث يعتبر الكثيرون أن ظلال تعديل قانون 2005 شكَّلت آثاراً محورية في دمار المشروع، إذ أن أي ضعف أصابه جاء القانون وقضى عليه تماماً، ويقول مزارعو المشروع: إن واضعي القانون لم يطلقوا عليه رصاصة الرحمة فحسب، بل قذفوا نحوه بـ(قنابل الدمار الشامل)، إذ لم يكن هناك مبرراً لقتل المشروع الذي يعيش منه غالبية السكان، بل أن أي قرية من قرى الجزيرة تجد بجوارها قرية عشوائية من الذين ضربهم الجفاف في الثمانينات، ولم يجدوا مأوى غير الجزيرة، لقد كان قانون 2005 بمثابة حصان طروادة في الميثولوجيا الإغريقية الذي حمل الأعداء على غفلة واستباح المشروع، وصار من المألوف مشاهدة واحداً من المزارعين يبكي بحرقة، وهو يضع يديه على عينيه وينظر من بين فروق أصابعه للأبقار، وهي تلتهم محصوله من الذرة لعدم قدرته على دفع تكاليف حصاده، وهو كان قد أنفق الملايين على زراعتها، والآن يبيعها بـ300 جنيه، والشيء الذي كان يبكيه بحرقة هو أن أجداده تنبئوا في أزمان ماضية لمن يترك محصوله للمواشي لما يطلقون عليه بـ(الجلا) ويعني الفقر، لذا فإن خطوته المقبلة ستكون بيع حواشته حتى لا يجوع أهل بيته ، وتجد مزارع آخر باع حواشته في انتظار ابنه المغترب الذي يرسل له النقود كل فترة لتبقيه متماسكا ولكي تستمر الحياة، فيما هاجر آخر إلى المملكة العربية السعودية بـ(فيزا الراعي)، للعمل بالأجرة عند الآخرين بعد أن فشل في توفير (العلف) الذي يقي حيواناته شر الجوع، وليس الجوع وحده من يحاصر (بهائمه) وإنما العطش كذلك، فالجزيرة التي تغنى لها محمد مسكين (من أرض المحنة.. من قلب الجزيرة) لم تعد حنينه، بعد أن تخلت عنها الخضرة التي كانت تزين أرضها، وأصبح الفقر والبؤس والجوع هو العنوان الرئيسي، للحياة في الولاية التي تبتعد عن العاصمة الخرطوم بأقل من 180 كيلو متراً مربع.
عمال الحواشات:
يعتبر سكان محلية الجاموسي جميعهم بمثابة عمال في الحواشات الزراعية بغض النظر عن ملكيتهم للأراضي من عدمها، يقول أحد مزارعي مكتب وقيع الله- فضل حجب اسمه – لـ(ألوان) إن جده ولد وعاش في هذه المنطقة عاملاً في الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، وإنه ورث الحرفتين معاً وما يزال يعيش عليهما، ويعتبر حديثه لنا بمثابة فرصة لعكس شكواه للمسئولين حول الضعف الذي أصاب الزراعة بعد تطبيق قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005 ويشير إلى أن أغلب المزارعين غادروا في الفترة الماضية إلى مناطق التنقيب عن الذهب الذي سمعوا عنه، ويقول إن السبب في ذلك أن الزراعة لم تعد بذات الوفرة والخير العميم، وغير أصحاب الذهب فإن آخرين من المزارعين تسربوا إلى العاصمة الخرطوم للعمل في المهن الهامشية، وآخرين قنعوا من خيراً في هذه البلاد وهاجروا إلى دول الخليج للعمل في الرعي وغيرها من المهن التي استقبلتهم بعد أن هجروا ديارهم بحثاً عن توفير حياة كريمة لأسرهم وأبنائهم، وأضاف الرجل في حسرة وندم، أن الحياة هنا أصبحت طاردة، ولا أحد يستطيع احتمالها سوى النساء والأطفال والمسنين الذي يئسوا من الحياة، أما الشباب والذين يمتلكون الطموح فقد هاجروا هذه الأرض الطيبة، ويقول بسخرية لاذعة إذا اشتعلت النيران في هذه القرية لن تجد من يقوم بإطفائها.
الزراعة المطرية:
يقول المزارع محمد الزين حمد النيل لم نجر ولا سرابه واحدة هذا الموسم لقلة الأمطار ولم نزرع ولا حتى فدان واحد، وفي السنوات الماضية وبنجاح الخريف كانت الجدعة تنتج أكثر من (15) جوال من الذرة والفدان ينتج (5) جوالات وكانت كل هذه القرى إلى سنار والنورانية تعتمد علي الزراعة المطرية وإلى المزموم والدالي هذه السنة لم تنتج سمسم ولا ذرة وكنت أزرع حوالي (500) فدان ولكن هذه السنة لم أزرع ولا فدان لقلة الأمطار وكنا نعتمد عليها كل الاعتماد وحتى المشاريع المروية 60% منها عطشانة والمروي 40% والترعة الماء الذي بها لا يكفي لري المشروع وخسارتنا هذه السنة جماعية وأنا أقل مزارع خسرت حوالي (15) ألف جنيه، أما المزارع محمد زين التوم لديه (20) فدان وزرع منها (12) فدان ولم يزرع الثمانية أفدنة لقلة الموية و(الميجر) فارغ ولا توجد مياه للري والوابور حتى المياه التي تحتاجها للتشغيل لا توجد، وخساراتي هذه السنة حوالي (25) ألف، وإدارة المشروع لا تقدم لنا أي عون في مثل هذه الحالات بل على العكس يأخذون جباياتهم وضريبتهم في أصعب الظروف والمواقف وبالنسبة للقمح يأخذون جباية (5) مليون للأربعة فدان والذرة (100) جنيه للفدان وبعد الحصاد يأخذون الزكاة وحتى لو حرثت ولم تزرع يأخذون الضريبة وعندي حالياً حواشة (8) أفدنة لم ازرعها وحالياً يطالبوني بالضريبة.
الترع الرئيسية:
أما المزارع يوسف أحمد إبراهيم المزارع بقسم الشوالات مكتب وقيع الله فقد أوضح أن عدم توافر المياه في الترع الرئيسية قادهم للجوء للبحث عنها بـ(الطلمبات اللستر) ، مما ساهم في ارتفاع تكاليف (الريه الواحدة) لأكثر من (120) جنيها، وأضاف: بعضهم أن عدم توافر المياه في الوقت الحالي سيخرج معظم المحصولات من الإنتاج، وأكد بعضهم أن العطش ناتج عن حدوث (كسور)، وتلف في بعض الوسائل التي عبرها يتم توصيل المياه للمساحات المزروعة، بجانب عدم الصيانة الكافية للترع والقنوات في الموسم الحالي، ويرى غيرهم أن السبب في العطش الحالي يرجع لنقص مياه الإمطار لجهة ان الري بالمشروع تكميلي ويعتمد على مياه الإمطار، وقال إبراهيم حمد المزارع بذات القسم أن المحصولات المزروعة تعرضت لاختناق في الري، وقال أن هناك (61) نمرة يعاني المزارعون فيها العطش الأمر الذي عرض أكثر من (200) فدان منها للعطش، خاصة الذرة والفول، وأوضح حسين إبراهيم مزارع بقسم الشوالات، أن عدم متابعة بعض الجهات المختصة بالزراعة ساهم في مضاعفة المعاناة في الحصول على المياه، بجانب عدم إتباع السياسات واللوائح التي تصدرها إدارة المشروع الأمر الذي أدى بدوره عدم الإنصاف في تقسيم المياه وري ترع على حساب أخرى مما أدى (لان تحرق بعض المساحات المزروعة )، وأضاف حسين أن عدم التزام بعض المزارعين في الري أدى لزيادة المساحات بالنمرة الواحدة لأكثر من (100%) في الوقت الذي بحسب اللوائح ان تزيد المساحة عن نسبة (60%)، وحمل هذا الأمر لضعف الرقابة من قبل الجهات ذات الاختصاص.
البيئة الدراسية:
بدا مدير مدرسة القلعة الأساسية المختلطة النور موسي حمد النيل مهموماً بالبيئة الدراسية التي وصفها بالسيئة للغاية، كون العديد من مدارس المنطقة أصبحت آيلة للسقوط، بالإضافة إلى عدم قابلية السكان في التعليم وقلة المعلمين التي جعلت الأهالي يعزفون عن تعليم أبنائهم، رغم أن هنالك نبوغ وتفوق من بعض الطلاب، ومن الإشكالات التي تعاني منها المدارس نقص المعلمين في التخصصات العلمية، بالإضافة إلى الاعتداءات المتكررة من المواطنين على حرم المدرسة، الذي أرجعه أستاذ النور إلى انعدام التخطيط في القرية، حيث لا توجد أي جهة توقف هذا الاعتداء، وغالبية الطلاب علاقتهم مع التعليم تنتهي في المرحلة الثانوية، وبعدها يعملون بالرعي أو الزراعة أو الاغتراب، فالفصل الدراسي يبدأ بـ(100) طالب وينتهي بـ(30) طالب أما الطالبات فيبدأ الفصل بـ(40) طالبة وينتهي بـ(3) طالبات ويتم تزويجهن خلال هذه الفترة، وأوضح النور أنهم ذهبوا إلى الجهات الرسمية أكثر من مرة حتى يعالجوا المسألة وكان ردهم: (خليكم زى ما أنتو وما تجيبوا لينا مشاكل)، مشيراً إلى أن المدرسة تم تأسيسها بالجهد الشعبي عدا فصل واحد تبرعت به منظمة التنمية والمدرسة لا يوجد بها سور ولا مرافق والمعلمين المعينين في المدرسة 6 فقط والتوزيع، وكل قرى منطقة الجاموسي تعاني ما تعاني من مشاكل في التعليم، ومشاكل إجلاس الطلاب لذلك يلجأ بعضهم إلى التنقل للمناقل ومدني، ومرتب المعلم يتراوح من 800 جنيه إلى 1400جنيه حسب الدرجة،وناشد النور أهل القرية أن يؤمنوا بقضيتهم ويؤسسوا لمدرستهم مع جهات الاختصاص حتى تساعدهم في تغيير هذا الواقع وينتشلوا أبنائهم من الظلمات إلى النور، وتخطيط المنطقة ضرورة ملحة لتغيير هذا الواقع وتكفينا شر مشاكل كبيرة جداً، وأناشد القائمين على أمر التعليم بالولاية بالنظر في قضيتنا وإن يتم التوزيع العادل للمعلمين حسب التخصصات والمواد.
الفاقد التربوي:
ومن جانبه يقول الأستاذ حمد النيل النور المعلم بالمدرسة أن هنالك تسيب واضح في التعليم حيث أننا نفقد سنوياً ما بين (10) إلى (15) طالب وفي أعمار صغيرة ونبدأ في الصف الأول بـ(110) طالب وعندما نصل الصف الثامن يتقلص العدد ويصبح (25) طالب وهذا دليل علي انه في كل عام يتخلي ما بين (10) إلى (15) طالب عن التعليم ويذهبوا إلى أعمال هامشية مثل الرعي لمساعدة أهاليهم في الزراعة لأن في المنطقة لا يوجد مثل أعلى ولا قدوة لهؤلاء الطلاب ولا يوجد من تخرج وتوظف بهذه القرية ويتراوح عدد المغتربين بالقرية بدول الخليج من 300 إلى 500 شاب وهذا هروب من الواقع، ولدينا مشكلة كبيرة في إجلاس هؤلاء الطلاب حوالي (4) فصول غير جالسين ويفترشون الأرض وحتى الطلاب الجالسين إجلاسهم غير منتظم والمدارس تحتاج إلى صيانة حيث أصبحت جميعها آيلة للسقوط.
تلوث المياه:
ويمضي الأستاذ حمد النيل النور في حديثه عن مشكلة مياه الشرب بأن المياه التي يشربونها تأتي من الترعة دون أي (فلتره) ويدفعون رسوم المياه مدمجة مع فاتورة الكهرباء وكأنها مياه نقية، وحتى شبكة المياه والصهريج تم إنشائها بالجهد الشعبي، ولكن المشكلة تكمن في أن هذه المياه ملوثة وغير نقية ويشرب منها الإنسان والحيوان في آن واحد، والأضرار الصحية لهذه المياه وخيمة وحالياً مستشفي سوبا كل الذين يتعالجون فيه من غرب المناقل وخاصة منطقة الجاموسي، والمواطن فضل الله علي فضل الله أحد الذين أصيبوا من جراء تلوث المياه، ويحكي أنه إستفرغ الدم أكثر من مرة وقام بعمل منظار والدكاترة قالوا له أن السبب الأساسي في مرضه مياه الشرب، والأمراض التي تسببها هذه المياه (البلهارسيا) و(الديدان) و(الدوالي) وهذه الأمراض أهلكت المواطن وأعيت حيلته، والجراثيم متراكمة لأن المياه معزولة ولا يوجد بها تيار، ولم نتقدم بأي شكوى لأن الناس هنا كل واحد منهم يعالج مشكلته بنفسه، وما ذكرناه يتوافر في كل قرى الجاموسي، وليست قرية القلعة وحدها وهناك بعض القرى حتى المياه الملوثة لا يجدونها مثل قرى (الفردوس) و(بربيرة) و(الله أدانا) وهذه القرى تتوسط في المسافة بين النيل الأبيض والأزرق وكل منهما يقع على بعد 80 كلم ونبعد عن ربك والمناقل وسنار حوالي ساعتين من كل مدينة لذلك حتي إذا مرض شخص لا نستطيع إسعافه لأن المنطقة حتى مركز صحي لا يوجد بها وممثلين لدائرتنا في المجلس الوطني والتشريعي لا نراهم إلا في أيام الانتخابات.


المناقل: أكرم الفرجابي- خالد مأمون
الوان