الأحد، 27 مارس 2016

المواطن الصحافي يكذب أيضا

وهذه واحدة من الظواهر البشرية العجيبة التي لم تشهدها الأرض من قبل. كائنٌ جديدٌ ملتبسٌ انتقل من مرحلة المظلومية المعلوماتية، إلى خانة المعلومة المتاحة المتوفرة مجانا، فصار ظالما لا يوقفهُ ضميرٌ ولا حياء ولا عهد كتابة، وهو خارج تماما عن ثقل أيّ قانون أو ميثاق مهنة. هو الآن شريك في صنع الخبر، وصارت تلفزيونات كثيرة تلجأ إليه وتستعين به وتبثّ مشغولاته المكتوبة والمصورة.
هو يصنع فضاءه الخاص ببيته بعد أنْ وفّر له الفتى مارك أبو الفيسبوك، خدمةً مجانية يبدو أنها ستظلّ كذلك، لأنّ مارك ابن أبي مارك يجني من هذا البث الإلكتروني العظيم، ملايين دسمة من الدولارات التي هي من كدّ الآخرين حتما، لكن الأرباح لا توزّع عليهم في أخير السنة. كان ما يسمى الآن المواطن الصحافي، كثير الشكوى والشك والتذمر من صدقية وسائط الإعلام الضخمة التي غزتْ الفضاء وتمددت بشكل غير مسبوق حتى أصبحت أعظم عملية تدويخ وتخريب أفسدت مخّ البشر وغبّشت أعينهم ورؤاهم، وعندما امتلك هذا الشريك الجديد وسيلته الخاصة، صار يكذب ويبلبل ويضلل بغير حساب وحسيب.
من أدواره الملتبسة، هو قيامه بالاعتراض والفضح واقتراح الحلول، وهذه أمور حسنة، لكنه وساعة اشتغاله على ترتيب وتركيب ونشر صراخه الذي يبدو حقا، فإنه يقع في مطب الهوى الخاص والخلفية الثقافية والدينية والمهنية، أو حتى في منطقة الرشوة، إذ ولدت على هامش هذا الفعل المجاني الكبير، ظاهرة تشكيل غرف وجيوش إلكترونية، هدفها التشويش والتسقيط وأيضا تلميع وجوه الحرامية والخائنين والقتلة، والمساهمة الفعالة في نشر الفوضى وسكب الزيت فوق نيران الجنون والموت الذي يضرب مغارب الديار ومشارقها وقلبها.
حتى الآن لا توجد قوة قانونية مؤطرة بمقدورها سحل المواطن الصحافي الخاص إلى قفص العدالة، لأن صفحته على الفيسبوك ومشتقاته العجيبة، غالبا ما تكون باسم وصورة ومعلومة مزورة مستعارة لا تؤدي إلى الفاعل الحقيقي، فهو يشتمك ويؤذيك ويقتلك وبلادك قتلا يبدو إلكترونياً، لكنه سيتحول بعد قليل من الدهر إلى مقتل معنوي موجع، وعندما تهيء ما تيسر من سلاح ردع تحت يمينك وشمالك، ستكتشف أنك تقاتل شبحاً إنْ تمكنتَ منه بالمصادفة وحسن الحظ، نطّ عليك من مكانٍ ثانٍ وثالثٍ وعاشرٍ، ما دامت وسائله متاحة ومجانية، والأقنعة التي يلبسها ستظل دائماً خارج عين القانون العادل.
علي السوداني
العرب