الخميس، 28 مايو، 2015

المعادلة الخاسرة في السودان


الأسبوع المقبل سينصب الرئيس السوداني عمر البشير لولاية رئاسية جديدة، وذلك في أعقاب انتخابات فاترة لم تثر اهتمامًا، ولم تلق إقبالاً من الناخبين، الذين فضلت الغالبية منهم الاعتكاف في بيوتها على أساس أن النتيجة كانت معروفة سلفًا، ولقناعة بأنها لن تغير شيئًا في كل الأحوال. أجهزة حزب المؤتمر الوطني الحاكم استعدت للاحتفال بالمناسبة التي يفترض أن تدشن خمس سنوات أخرى تضاف إلى الأعوام الستة والعشرين التي مضت حتى الآن من عمر النظام، لكن المواطن لا يجد ما يدعوه للاحتفال في ظل أوضاع تزداد ضيقًا وترديًا واحتقانًا، حتى أصبح أكثر تعبير شائع بين الناس لوصف الحال هو كلمة واحدة: «كتمت»، بمعنى ضاقت أو اختنقت.
أقرب الأمثلة الدالة على هذا الوضع المحتقن كان يوم الاثنين الماضي، عندما قام جهاز الأمن والمخابرات بمصادرة عشر صحف ومنع توزيعها بعد طباعتها، كما أمر بتعليق صدور أربع منها «إلى إشعار آخر». القرار أثار، مثلما هو متوقع، ضجة واسعة وأطلق سيلاً من التكهنات حول الأسباب الحقيقية لما وُصف في أوساط السودانيين بالمذبحة الصحافية الجديدة. فكثير من الناس لم يرد أن يصدق أن القرار صدر فقط بسبب غضب النظام من المعلومات التي نشرتها الصحف حول ظاهرة التحرش بالأطفال في بعض حافلات الترحيل المدرسية، وكذلك نقل تصريحات المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول العنف ضد المرأة ودعوتها لتشكيل لجنة دولية للتحقيق في اتهامات الاغتصاب الجماعي إبان الحملة العسكرية في دارفور. سبب التشكيك أن النشر عن هذه القضايا ليس جديدًا، فالصحف كانت تنشر باستمرار عن الجرائم الأخلاقية والجنائية بما في ذلك جرائم التعدي على براءة الطفولة ضمن ظواهر وأمراض خبيثة أخرى أصابت المجتمع السوداني ونخرت في قيمه مع تردي الأحوال واستشراء الفساد. الأمر الآخر أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يصدقون ما يصدر عن أجهزة النظام، ويبحثون دائمًا عن أسباب أو أيدٍ خفية، من منطلق أن هناك دائمًا ما تحاول السلطات إخفاءه أو طمسه في ظل غياب الحريات بمختلف أشكالها.
في كل الأحوال فإن القاعدة دائمًا أن محاولة منع نشر أي خبر تأتي بنتيجة معاكسة خصوصًا في عصر الإنترنت وما بات يسمى بـ«صحافة الجماهير» في وسائل التواصل الاجتماعي التي تغيب فيها وسائل التحكم والرقابة. فمصادرة الصحف لم تحد من تناول الموضوع، بل زادته انتشارًا ونقاشًا، مثلما أنها سلطت الأضواء على أوضاع الصحافة في السودان، وتسلط أجهزة الأمن عليها إلى حد محاولة منعها من ممارسة دورها في حماية الأمن الاجتماعي، بعد تكبيلها عن ممارسة دورها الأكبر في التنوير بسلسلة من القوانين والقيود وتسليط رقابة الأمن عليها. المفارقة أن النظام وصل إلى مرحلة لم يعد يحتمل فيها حتى الصحف المحسوبة عليه، ناهيك عن تحمل أي أصوات إعلامية مستقلة أو معارضة، وهي علامة على أن جلده بات رخوًا، وخاصرته أضعف، وعزلته أشد.
هناك بالطبع من يرى أن أجهزة النظام وأمنه تحاول إخضاع الصحف بأسلوب المعاقبة المالية والاقتصادية بمنع توزيعها بعد طباعتها لإلحاق خسائر مالية كبيرة بها، أو بحجب الإعلانات عنها إن هي حادت عن الطريق. هذا الأسلوب قد يوجع الصحف خصوصًا في ظل تراجع أرقام التوزيع، وتدني معدلات الإعلان مع تغير عادات القراءة ووسائط الإعلام، لكنه أيضا يؤذي النظام. فكل خبر أو تعليق أو مقال تمنع بسببه صحيفة يجد انتشارًا أوسع، وكل عقاب يوقع على صحيفة أو مجموعة من الصحف أو أي وسيلة إعلامية، يوسع الشقة بين النظام والإعلاميين، وينسف ادعاءات حرية التعبير، ويجلب المزيد من انتقادات الدوائر الغربية التي يسعى النظام جاهدًا لتحسين علاقاته معها.
قرار جهاز الأمن والمخابرات، سواء كان صادرًا باجتهاد من مسؤوليه أو بتوجيه من جهات أعلى، جاء في أسوأ توقيت ممكن للنظام، إذ طغى على المشهد عشية الاستعدادات لتنصيب البشير لولاية جديدة ستكون وفقًا لهذه التصرفات امتدادًا لسجل السنوات الماضية الحافل بكل الخروقات الممكنة لحقوق الإنسان السوداني. فمشكلة النظام كانت دائمًا في اعتماده على القبضة الأمنية، وكلما اشتدت هذه القبضة تكشف حجم الشقة التي تباعد بينه وبين الناس. من هنا يصعب كذلك تصور حدوث أي اختراق حقيقي في ما يسمى بالحوار الوطني مع المعارضة، وهو حوار طرشان أصلاً لأن الحكومة لا تريد به توسيع ماعون الحكم، بل ابتلاع معارضيها والغداء بهم قبل أن تسنح لهم أي فرصة لكي يتعشوا بها، خصوصًا أن تقارير الجهات الأمنية لا بد أن تكون راصدة لحجم التململ في الشارع، اللهم إلا إذا كانت تقرأ من مؤلف آخر كتب عن بلد غير «سودان الإنقاذ». فالصورة التي يعرفها ويحسها أهل السودان لن تغيرها أو تطمسها مصادرة الصحف.


عثمان ميرغني
الشرق الأوسط