السبت، 30 مايو، 2015

ديكان مبدعان يتصارعان: الفيتوري وقباني

الفيتوري
نزار قباني

أخط هذه السطور بمناسبة رحيل الشاعر محمد الفيتوري مؤخرا، فالنهايات تذكرنا بالبدايات. التقينا نزار قباني وأنا بالشاعر الفيتوري للمرة الأولى في سهرة أدبية في منزل سفير السودان في بيروت يومئذ الأديب مصطفى مدني وزوجته عايدة كريمة المفكر الأديب جمال محمد أحمد (الذي كان يومها سفيرا للسودان في لندن).
ومنذ اللقاء الأول بين نزار والفيتوري الراحل منذ أسابيع، شعرت بأن كهارب المودة لم تصبغ صلتهما بل النفور المتبادل.
نزار كان طويل القامة أزرق العينين بالغ الوسامة والأناقة، تحيط به الجميلات وهو الذي «فصل من جلد النساء عباءة، وعمر أهراما من الحلمات» كما يصف نفسه في إحدى قصائده. إنه «الطاووس الأجمل» والفيتوري «غراب متوحد». ولأنني أحب قصائد الفيتوري كنت (أخون) قرابتي العائلية ونزار لأجلس إلى جانب الفيتوري الزنجي قصير القامة الأقرب إلى بشاعة الوجه لكنه يصير جميلا حين يقرأ قصائده ويشع من عينيه ضوء قمري.

الشجار الودي
الشعراء الفخورون بأنفسهم يكره بعضهم بعضا حين تصطدم كواكب (الأنا) لديهم.
وسهرة بعد أخرى (فقد كنا نزار والفيتوري وأنا من الضيوف الدائمين في تلك السهرة الأدبية الراقية الأسبوعية) ولقاء بعد آخر نضجت علاقة الكراهية المتبادلة بينهما، لكنها كانت كراهية (أفلاطونية) على وزن «الحب الأفلاطوني» دونما إعلان عنها أو ممارسة لشعائرها بالأذى حتى اللفظي. وكنت أشعر بأن جوهر تلك الكراهية المتبادلة بإخلاص نادر. تعاليهما على بعضهما.
الفيتوري الشاعر، صاحب دواوين: أغاني أفريقيا ـ عاشق من أفريقيا ـ اذكريني يا أفريقيا ـ أحزان أفريقيا وسواها، والفخور بزنوجته لفظيا على الأقل، كان يلمح إلى أن نزار ليس أكثر من شاعر عادي لكنه النجم الاجتماعي» مما يجلب له الشهرة بصفته شاعر التغزل بالمرأة. والفيتوري هنا يظلم نزار (الشاعر الكبير).
أما نزار فكان يقول لي وأنا أقود سيارتي لإيصاله إلى بيته بعد السهرة في طريقي إلى «وكري»: الفيتوري شاعر من الدرجة الثانية، معقد من شكله ولونه، ويضيف: أما (أفريقياته) فهي تعبير مرضي عن عقدته التي تتحكم به ويحاول تجميلها إنسانياً. وكنت أقول لنزار إن الله وحده يعلم ما في الصدور، كما كنت أدافع عن شعر الفيتوري.

تبادل الأدوار بين الفيتوري ونزار!
إتقان نزار والفيتوري لفن الكراهية جعلنا في تلك السهرات نشهد استعراضا جميلا للإبداع. وكروائية كنت استمتع بالمشهد الإنساني النادر لألوان الغيرة والكراهية في الطبيعة البشرية، الرمادية قليلا أو كثيرا والبريئة من البياض المطلق.. والسواد الناصع.
وهكذا كانا يتبارزان في السهرة لا بالسيف والترس بل بالقصائد وكان صراع الديكة بينهما أبجديا. وعلى سبيل النكاية بنزار، كان يحلو للفيتوري ان يقرأ لنا قصيدته الغزلية الجميلة جدا بإلقاء بصوته الأفريقي الحار، كصوت عراف القبيلة وكاهنها:
في حضرة من أهوى
عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه
ورقصت بلا ساق
وزحمت بطبولي وراياتي الآفاق
عشقي يُفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك أنا
لكنني سيد العشاق..
ويكرر عبارة «لكنني سيد العشاق» كما لو كان يتحدى نزار.
ويقبل نزار التحدي ولعبة تبادل الأدوار فيلقي بقصيدة إنسانية وطنية والحضور في السهرة ثملون بالشعر الجميل.
ثم يقرأ نزار لنا شعراً إنسانياً في المرأة مزايداً بذلك على (الديك الفيتوري الآخر) قائلا:
ثقافتنا فقاقيع من الصابون والوحل
فما زالت بداخلنا رواسب من أبي جهل
نرجع آخر الليل،
نمارس حقنا الزوجي كالثيران والخيل
نمارسه خلال دقائق خمس
بلا شوق ولاذوق ولا ميل
ونرقد بعدها موتى.
ونتركهن وسط الناروسط الطين والوحل
قتيلات بلا قتل بنصف الدرب نتركهن….
قضينا العمر في المخدع
وجيش حريمنا معنا، وصك زواجنا معنا
وقلنا الله قد شرّع
ليالينا موزعة على زوجاتنا الأربع
ويرد الفيتوري بقصيدة ويشتعل الليل بالإبداع بين طفلين أبجديين مبدعين يتشاجران…

علاقات ملتبسة
الصداقات اللدودة بين المبدعين كانت دائما مليئة بالصواعق والبروق والوعود والحب/الكراهية، كما في علاقة غوغان وفان كوخ وعلاقة جبران من جهة، وميخائل نعيمة وسعيد عقل من جهة أخرى. وكانا يغاران منه ويزعمان ان مرد نجاحه ليس لإبداعه بل لهجرته وكتابته بالإنكليزية. هنالك أيضا وصلة المبدع البريء موزارت مع موسيقار البلاط الرديء سالييري الذي غار منه وحقد على إبداعه، وكانت تلك الصلة وحياً لفيلم رائع هو «أماديوس» حيث «المزمار المسحور» لموزارت والغيرة السامة من سالييري. والأمثلة تطول وبوسع ناقد تأليف كتاب مشوق عن العلاقات الملتبسة بين المبدعين التي تبلغ حدود الأذى أحياناً.
وقلما تصفو سماء علاقة كما حدث بين شيللي وكيتس، وهما شاعران كبيران. وقد علمت بعلاقتهما الجميلة الإنسانية مصادفة حين كنت اتسكع في «ساحة إسبانيا» في روما وقرأت بطريق الصدفة لوحة تقول:
هنا عاش الشاعران شيللي وكيتس. (وكان أحدهما مريضا والآخر يعتني به).
ولكن ذلك نادر. كأنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: وهي لعبة صراع الديكة التي لا تخلو من أديبات نساء يقارعن بموهبتهن ذكور الأدب ويربحن جولات.
ومن أطراف حكايات الغيرة الأدبية ما حدث بين يوسف إدريس ونجيب محفوظ حين فاز الثاني بجائزة نوبل، اشتعل يوسف إدريس غيرة ولإنه إنسان طيب وصريح وبريء كطفل لم يُخْف ذلك، وأعلن غضبه على صفحات الصحف وكان مقتنعا بأن جائزة نوبل يجب ان تذهب إليه. وبعدها نال إدريس جائزة عربية مجزية ماليا لكنه نالها مناصفة مع كاتب آخر، ومن جديد أعلن غيرته وغضبه على صفحات الصحف… واتطلع إلى كتاب نقدي يتناول عشرات الحكايات المشابهة من الشرق والغرب، فالمبدع طفل كبير، والبعض لا ينجح في إخفاء هذه الحقيقة!


غادة السمان