الجمعة، 5 يونيو، 2015

اللامنتمي في رواية «366» للسوداني أمير تاج السر



حازت رواية «366» لأمير تاج السر على إحدى الجوائز من «كتارا» في دورتها الأولى. والمتتبع لأعمال هذا الكاتب السوداني يلاحظ مدى اهتمامه بعالم اللاشعور، ووقوفه مع هفوات الإنسان النمطي، الذي لا يستطيع أن يتعرف على نفسه. فهو غالبا ساخط على الحظ والقدر وينظر بعين الشك والريبة للحالة الاجتماعية. والأهم من ذلك أنه يرى في الأحزاب السياسية نوعا من السفسطائية، ناهيك عن نظام الخوف والترهيب الذي تفرضه السلطات. 
ولا شك أن هذه الرؤية لا تأتي من فراغ، فقد مهد لها الطريق رمز من رموز الرواية العربية وهو نجيب محفوظ. من منا ينكر حالة الضياع التي خصص لها نجيب محفوظ نصف حياته الفنية، بدءا من «اللص والكلاب» وحتى «أفراح القبة». لقد رسم صورة اغترابية ومجحفة بحق أبطاله ومساعديهم. ولم يترك لهم في خاتمة المطاف غير المقابر. ولا يخفى على أحد ما في هذا الاختيار من تجريد، فهو يساوي الحياة مع الموت. ويمكن أن نصل لهذه النتيجة نفسها مع أمير تاج السر في هذه الرواية التي تبدأ وتنتهي برسالة من شخص اسمه «المرحوم»، والتي تختار لنفسها مجالا تحده مرايا متعاكسة، لأن موضوع الفصل الأول هو اليأس واختيار الموت عن طريق الانتحار. يعني بتدخل مباشر يلغي الدورة الطبيعية للنفس، وموضوع الفصل الأخير هو الكلام عن عشق يبلغ درجة التبتل ولا يوجد حل له غير الموت، ولذلك إن ما يهمنا هنا هو المرسل، وليس المرسل إليه، وبالأخص أن المرحوم موجود ولدينا دليل إثبات أنه من بقايا الجيل اللامنتمي، وأنه يوزع حياته بالتساوي على شرطه الإنساني، ثم على تصوراته وعالمه النفسي. بينما المرسل إليه خيال أو صورة في الذهن، وربما هو رمز مجرد لما نقول عنه المكبوت.
وباعتبار أن الأحداث تدور حصرا في عالم، 90 في المئة منه ذكور لا بد للصور والرموز أن تكون مؤنثة. وعليه أجزم أن حب بطل الرواية لأسماء «بشخصيتها المركبة: صورتها التي تنقصها التفاصيل والتي نتعرف عليها من النشاط النفسي للمرحوم»، لا تدخل في حالة الحب العذري. فهي ليست قصة عاطفية أصلا. وهذا ما تثبته لنا الحبكة التي تتطور من النهاية إلى البداية، ومن خلفيات المجتمع أو من هوامشه وحتى جوهره المأزوم.
فقد نذرت الرواية نفسها لبناء مشاهد متباينة: من الأعراس في الأحياء الشعبية، حتى بيوت الوزراء ومديرية الأمن الوطني، وما بينهما من عجائب ومفارقات تؤثر في الأحزاب والسياسة.
لقد كان معنى شخصية أسماء بهذا السياق عبارة عن رمز فوق واقعي، إنه إشارة من ضمير بطل الرواية، أو أنه طريق هداية، ولعله بديل تجريدي للصور المحسوسة، وهو ينوب حتما عن جوهر الإيمان. لقد تحمل بطل الرواية ما لا يتحمله أحد إلا إذا كان مؤمنا. فهو لم يعترض على الشقاء ودرب المصاعب، وسار على الوحل والشوك بهمة من يتوجه إلى فجيعة « (ص 10).
حقا، إن بطل رواية «366» اختلف مع نفسه، ولكنه لم يكن عدميا على شاكلة أبطال حداثة الستينيات، أمثال زكريا تامر وغادة السمان. إنه لم يعتنق مبدأ الرفض لمجرد الاستنكار والهجاء، ولا كان مثل غيره من أبطال الجيل المعاكس أمثال شخصيات جاك كيرواك في روايته المعروفة والرائدة «على الطريق»، فهو لم يهرب مثلهم من الموضوع نحو الذات، ولم يختلف مع المبدأ القانوني للحرية «أقصد أن حريتك تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين».. وكانت خطاياه لا تتعدى الإثم المفروض عليه، الذي هو بدوره جراء الشعور بالعجز.
وبالاستطراد، إنه في رحلته من الضياع إلى الهداية لم يتورط بالمشكلة التي يسميها التحليل النفسي «عقدة أوديب»، وأي قراءة مبسطة للرواية سوف تلاحظ أنها نموذج بدئي لهذه العقدة، أليست هي رحلة بحث عن امرأة ولها رصيد في الذهن وهو رصيد يعود لأيام الطفولة ولرضعة الفطام؟.
ومع ذلك فالرواية بريئة من الدم والعنف، إنها تأخذ من أوديب اهتمامه بالأم ولكنه لا يحل محل الأب ولا يرتكب حياله جريمة القتل المعروفة.
أولا هو لم يخرج على الأصول المرعية في تسلسل الأحداث، وتتاليها وفي ترابط الأسباب بالنتائج، ثم في طريقة بناء الشخصيات التي هي صورة عن تقاليد مجتمع بطريركي وله خلفيات طوطمية، والمثال على ذلك طقوس الموت عند شمس العلا، وأساليب الصراع للبقاء عند جارته الجديدة عفراء.
وثانيا حتى الجرائم التي وردت في الرواية لم تنتهك الشرط الخاص للحياة، فهي جرائم نظيفة ومن غير نقطة دم واحدة، وأضرب مثلا على ذلك الأسلوب المبتكر في قتل تجار الماشية (ص 135).
ثم ثالثا وأخيرا، لقد انتهت قصة العشق أو الغرام العفيف بموت العاشق من غير إسراف بالدراما، وكذلك من غير أي وعود بالخلاص، وكان موت البطل «الذي تسميه الرواية بالمرحوم» تصعيدا للجوهر الإيماني وبمثابة عودة إلى الفطرة أو اللاشعور، وربما اللامتناهي، وبقليل من التساهل يمكن أن أرى أنه فعلا قرار رمزي والغاية منه الاتحاد مع الصورة الكلية الله.
ولا أعتقد أن هذا التفسير يتضارب مع الرؤية الرمزية لصراع الخير والشر في مجمل أعمال تاج السر، فهو إن صوّر جوهر التوحيد في الألوهية برمز أسماء «ضع في الذهن أنها حبيبته الوحيدة وغير المرئية»، فقد رسم صور الشر المتعددة والمتشابهة في روايته السابقة «قلم زينب»، وفيها إسقاط غير مباشر على شخصية الأفاق محور الأحداث، الذي يبدو للقارئ وكأنه صورة لإبليس، فهو من غير مكان إقامة وليست له هوية محددة، وغالبا وجهه أسمر بسبب ضياء الشمس الحارق.
وهنا أشير لفرضية جورج طرابيشي.. أن أعمال نجيب محفوظ، ولا سيما «الطريق»، هي رحلة رمزية مخصصة للتواصل مع أفضل معنى لصور الجلالة الله. والحقيقة أن صابر بطل «الطريق» كان مدفوعا بدوافع نرجسية تعادي مفهومنا للخير وتقترب من المنطقة الحرام، لقد كانت لديه أسباب تحدوها المنفعة وليس الإيمان، وخلال ذلك لم يتورع عن كل الموبقات، وإذا بدأت الرواية بمشهد احتضار الأم ثم وفاتها، وهذا يحمل بصمات التهام الأم «بطقس أوديبي مروع» فإنها تنتهي أيضا بجريمة قتل مدبرة لرجل عجوز «وفي ذلك بصمات جريمة وأد الأب بطقس أوديبي أيضا». لقد التأم في المشهد قبل النهائي من «الطريق» كل أطراف عقدة أوديب: الزوج العجوز المخدوع، الزوجة الحسناء الفاتنة، والعاشق المتيم مفتول العضلات الذي يقيم معها علاقة زنى، وهذا يعني أن كل أركان الاستعارة الصريحة متوفرة أيضا، وهي: المشبه والمشبه به ووجه الشبه.
وهكذا أعتقد أن «الطريق» تتفق مع رواية «366» في نقطة يتيمة، وهي الانتماء لتقاليد الرواية المضادة، ولكنها تختلف معها في النظر لمفهوم الإيمان ورمزية الله.
لقد كان نجيب محفوظ في روايته لا أدريا وشعائريا، وهذا يتضح بصورة تامة في أعماله الرمزية الأخرى، ولا سيما «أولاد حارتنا»، بينما كان بطل أمير تاج السر أقرب لحالة الوجد وبالدرجة نفسها من الانطواء الرومانسي على الذات، ويكفي أنه قدم حياته ثمنا لقناعاته.
لقد أقدم أمير تاج السر على تطوير الصيغ المعدلة لمشاكل أحفورية لا تذهب من ذهن المثقف العربي في أعمال هي درة العقد لديه، منها «أرض السودان المر والحلو»، التي أرى أنها إعادة صياغة لطرح الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»، ولكنه اختار أن يكون مسرح الأحداث في السودان وليس أوروبا، وأن تكون الجنوسة معكوسة، بحيث أن العضلات للمؤنث والضمير والوجدان للمذكر، بعبارة أخرى: كان رأس التخلف امرأة دموية تشبه مصاص الدماء الذي ابتكرته الإمبريالية، خلال عصر بناء الإمبراطوريات.
وهذا ينسحب على روايته الاستثنائية «قلم زينب» التي يبز بها «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم، وإذا كان هذا العمل رواية مهنية، فهو تصوير لحياة طبيب أثناء العمل في العيادة، مثلما هي رواية توفيق الحكيم الفريدة والرائدة، التي ترسم صورة محقق شاب متحمس، فإن «قلم زينب» رواية تعيد رسم الخطوط بين الموضوعات بواسطة الإزاحة، فالمدينة تتسع لتحتل الفضاء المخصص للريف، بما فيه من طبيعة عذراء وغامضة وتحتاج لمزيد من الجهود لاكتشافها وإعادة تعريفها، أو لتشذيبها من مشكلة الشخصنة والإسقاط، والمرأة تتحول إلى رمز للغواية غير التقليدية وتحتل الفضاء الذهني للرجل المتعلم ولا تكتفي بفضائه النفسي. وإن كان وراء ذلك حكمة: يمكننا أن نردها لحكمة هذه الرواية «366» نفسها.. إن الخطأ في المعايير وليس في المعاني، وإن الخطر يأتي من الحل الراديكالي الذي يفرضه اليأس وضياع الهدف.

كاتب سوري
اللامنتمي في رواية «366» للسوداني أمير تاج السر
صالح الرزوق