الأحد، 5 يوليو 2015

مناخ الخرطوم الخاص جداً


قبل ثلاثة أسابيع هطلت أمطار غزيرة في منطقة شرق النيل بالعاصمة السودانية الخرطوم، بينما ارتفعت درجات الحرارة بشكل حاد في باقي المناطق التي شهدت بعض الغبار. انبرى المحللون من أهل العلم وسواهم لتفسير الظاهرة، وكان من الطبيعي أن يتحدث البعض عن الغيبيات والغضب الإلهي و"مطر الصيف".. بينما تهكّم البعض من وقوف جزء من السكان أمام المكيّف وآخرون خلفه. فالواقع أنّ سكان شرق النيل أنفسهم لم يهنأوا بالمطر، إذ سرعان ما علت درجات الحرارة. وزاد عليها ما حملته إطارات السيارات من طين إلى الإسفلت، ليتحول تحت وطأة الشمس الحارقة إلى ذرات غبار يتنشقها المارة، وتنثرها السيارات في الجو لتزيد من الاختناق. فراح البعض يردد ما سمعه سابقاً عن ظاهرة التغيّر المناخي، فالحديث عن الظاهرة لم يعد حكراً على النخب والخبراء البيئيين. الواقع أنّ لطقس الخرطوم خصوصيته وفقاً لعوامل عديدة، أهمها أنها العاصمة الأكثر انخفاضاً في الإقليم. وذلك ما يفسر السيول والأنهار الآتية إليها من الشرق والجنوب والغرب، كما يلتقي عندها النيلان. وتمثل الخرطوم منتهى الرياح المدارية لأكثر من مرة خلال العام، إذ يعبرها الفاصل المداري مرتين، مرة مع موسم المطر إلى الشمال، والثانية إلى الجنوب أمام تقدم رياح الشتاء. ويقف عندها الفاصل كثيراً، فتسكن رياحها وتقل سرعتها، فتزداد "الكتمة" (الجو الخانق). ويزيد على هذا كله ما فرضته متغيّرات العمران وعوادم المصانع والسيارات ومواقد إعداد الطعام لثمانية ملايين نسمة يعيشون على مساحة15 ألف كيلومتر مربع. وتشاركهم نحو مليوني مدخنة باختلاف أشكالها.. فمن محطات توليد الكهرباء العملاقة والسيارات إلى الثلاجات والمكيفات، وصولاً إلى "الركشات" (دراجات بثلاثة إطارات)، التي يخلط وقودها بالزيت، وتضج وسط الشوارع الضيقة، بين مبانٍ تعمل كمصدات للرياح، ومكثفات للضجيج. السحابة الكبيرة من الغازات الحارة التي تغطي سماء الخرطوم طوال النهار ولا تتلاشى إلا بعد الساعة الثانية صباحاً، هي التي جعلت الخرطوم تحتل أخيراً موقعاً متقدما بين أكثر العواصم تلوثاً بالغبار. وهو ما قد يلاحظه الناظر إلى سماء الخرطوم من خلال تلاشي السحب بسرعة فائقة فيها، إلاّ في بعض الحالات النادرة، كما حدث قبل ثلاثة أسابيع. فهل يكون الحل بزراعة آلاف الهكتارات حول العاصمة بأشجار البيئة المحلية؟ أم باستبدال السيارات بالقطارات والتقليل من أعداد العوادم؟ أم بتوعية السياسي قبل المواطن العادي بأهمية التخطيط البيئي؟ أم ببداية ممنهجة في كل شأن من هذه الشؤون؟ 
 محمد أحمد الفيلابي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق