السبت، 3 أكتوبر 2015

لم يتم ترحيلنا إلا في الأيام الثلاثة الأولى فقط من وصولنا لمكة.. بعدها تولى كل منا ترحيل نفسه ووجدنا معاناة في الوصول للحرم لإدراك الصلاة والطواف.. ربكة كذلك في يوم عرفة".. شهادات عائدين



قالوا الحجيج "رجع"
مطار الخرطوم – سلمى معروف
كانت زغرودة الفرح وبعض التكبيرات التي تخرج من بين صفوف أهالي الحجيج بمثابة إشارة للحاضرين ولفت أنظارهم بوصول الحجيج. تختلط مشاعر الفرح بالدموع والنشيج لتشق صمت ساعات الانتظار، بعد أن غصت صالة الوصول بمطار الخرطوم، بحشود المستقبلين. هنا المعانقة سيدة المشهد و(المقالدة) حاضرة. وبينما كانت عبارات الترحاب المسبوقة بـ(حمد الله على السلامة الحجة مبروكة إن شاء الله تسبعوها)، فقد أجهش بعضهم بالبكاء. حتما ستسمع هنا عبارات يمكن بسهولة التقاطها وسط مراسم الاستقبال من قبل عشرات الحجاج: (الحمد الله ربنا نجانا.. شُفنا الموت بي عيونا).. بعضهم أجهش بالبكاء، فيما بذل الأبناء والأقارب القبلات على جبائن أهاليهم.
بدت التفاصيل في صالة الوصول بمطار الخرطوم في الثالثة من ظهر أمس الأول الخميس أكبر من أن تحصى في تقرير صحفي؛ إذ كيف يتأتى رسم الفرحة بعودة (الحجاج).
بعد دقائق معدودات من ملامسة إطارات إحدى طائرة طيران (ناس)، وهبوط فوج الحجيج من ركاب الرحلة رقم (802)، كانت (اليوم التالي) في الموعد. تدافع الحجيج فرحين بعودتهم إلى أرض الوطن بعد أداء فريضة الحج، مستعيدين في حديثهم للصحيفة حادثة التدافع الأخيرة بمنى وما سبقها من سقوط الرافعة على بعض الحجيج، وغيرها من أحداث لازمت بخوفها حج هذا العام، وكارثة وهول ربما لم يكد يصدق بعض الحجيج أنهم – لولا عناية المولى- لكانوا بين الموتى والمفقودين، الذين تقول السلطات الحكومية إنهم أعدادهم تجاوزت الثلاثين شخصاً أو يزيد.
ولازمت المعاناة بعض الحجاج في التنقل والترحيل من أماكن سكنهم إلى حيث مواقع أداء المناسك، وتعددت أشكالها بين الترحيل والطعام وتوفير الوجبات لهم، وفوق كل هذا وذاك تفجرت شكاوى بعض الحجاج القادمين من عدم اهتمام بعض أمراء ومسؤولي الأفواج بالإصغاء للاحتجاجات والمشاكل لحلها، فقط الاكتفاء بجعل حدود تلك الشكاوى ورقة صغيرة (استبيان) لتقييم ما يقدم من خدمات ورفعها للجهات المعنية بالحج.
وبين يدي تلك المعاناة تقف حقيقة ماثلة حين يخبرك الحاج بأنه دفع مبلغ 23 ألف جنيه (23 مليون جنيه بالقديم) للحج بالطائرات تدخل فيها خدمات الترحيل والإطعام وتوفير السكن للحاج دون أن يستشعر كثيرون منهم هذه الأشياء، فقط جاءت العبارة المشتركة بين كثير من الحجيج القادمين (الحمد لله، الحج أصلوا مشقة.. بركة ربنا سلمنا حجينا ورجعنا ربنا يتقبل مننا).
خارج صالة الوصول بمطار الخرطوم تدافع الحجيج مع أسرهم كل يحمل أمتعته، الدموع ربما تكون هي قاسم الفرح المشترك الأكبر بين القادمين من الأراضي المقدسة وأسرهم، كل يخرج وهو يدفع بأشيائه أمامه وكأنه من هول ما رأى لم يكد يصدق أنه بين أهله آمنا مطمئناً، وكذا بدا حال أسرهم وكل يبادر بسؤال أحد أقاربه عن أوضاعه مع الأحداث التي حملتها القنوات الفضائية والكاميرات عن حالات الموت الجماعي.
وتداعى بعض الحجيج وهم على عجالة بما شاهدوه في الأراضي المقدسة، وبعضهم اكتفى بالقول: الحمد لله ربنا يتقبل مننا شيء ما بتوصف. آخرون امتنعوا عن الإدلاء بأي أقوال عما جرى هناك.
لوهلة كنت ألمح إحداهن من على كرسي متحرك يدفعها أحد اقربائها وقد انهمرت الدموع من عينها. الحاجة التي كان أهلها يطمئنون عليها بالقول: "بركة الرجعتوا كويسين بعد أحداث الموت شفقنا عليكم"، بادرت برفع أصبعها بالتكبير قبالة أهلها وذويها، قبل أن يسعفها لسانها بالقول: "الحمد لله جينا سالمين شفنا الموت عديل.. الله يتقبل مننا"..
على مقربة كانت دموع الفرح بالحج والعودة تطفر من عيني الحاج (بدر) أحد الحجاج من قطاع ولاية الجزيرة. يقول بدر في سياق حديثه وهو يروي لـ(اليوم التالي) تفاصيل أيام الحج وما تناقلته الأنباء والصور والمشاهد الدامية خلال الأيام الماضية بعد حادثة التدافع: إن الموتى في حادثة التدافع كان بينهم سودانيين، والمفقودين كذلك، ويجري البحث عنهم، ويختم محدثي بالقول: (الحمد لله ربنا سلم روح الناس، لكن الحج هذا العام صعب شديد). 
في الأثناء تقول إحدى الحاجات: الحجاج السودانيون معاناتهم شديدة.. لم يتم ترحيلنا إلا في الأيام الثلاثة الأولى فقط من وصولنا لمكة، بعدها تولى كل حاج ترحيل نفسه ووجدنا معاناة في الوصول للحرم المكي من أماكن السكن لإدراك الصلاة والطواف، كذلك يوم الوقوف بعرفة كانت هنالك ربكة وكثير من الناس لم يعرفوا كيف يصلون، وأضافت: كذلك كان الطعام سيئا بعض الشيء لكن الحاج لم يأت للأكل والاستمتاع لكن طالما الحاج يدفع مالا كان يجب أن توفر له الخدمات، الحاجة قالت: شكونا إلى الجهات المسؤولة منا ولكن دون استجابة لشكوانا، وما كان إلا أن ترحلنا بأنفسنا.
وعن الأحداث وما يتردد عن موت سودانيين فيها وكيف كان الوضع قالت (حاجة) رفضت كشف اسمها: رأينا مئات الناس ماتوا في التدافع بمنى وبينهم سودانيين، حتى أن بعض (الحاجات) من كبار السن قمن بتوكيل من ينوب عنهن في رمي الجمرات بعد رمي جمرة العقبة لتفادي التزاحم

آخر لحظة