الأحد، 20 سبتمبر 2015

لكي لا تكون حملات محو الأمية مجرد شعارات..


محجوب محمد صالح

الأمية تحبس قدرات المواطنين وتزيدهم تخلفاً وتشكل عاراً بالنسبة للأمة
الأمية في العالمين العربي والإفريقي من مظاهر التخلف التي استعصت كثيرا على العلاج الناجع وما زالت دول عربية كثيرة ومن بينها السودان تعاني من الأمية (الأبجدية)، وما زال عدد الذين لا يقرؤون ولا يكتبون يشكل نسبة عالية من السكان رغم الوعود المتكررة التي قطعتها تلك الدول على نفسها ولم تنجز شيئاً من وعودها.

وها هو السودان يعلن عن حملة جديدة لمحو الأمية الأبجدية بل وأخذت بعض التصريحات تتحدث عن محو الأمية (الحضارية) رغم فشل العديد من المجهودات السابقة في إحداث اختراق محدود بالنسبة للأمية الأبجدية دعك عن الأمية المعرفية.

نحن على قناعة بأن الأمية تحبس قدرات المواطنين وتزيدهم تخلفاً وتشكل عاراً بالنسبة للأمة التي ترضى لنسبة كبيرة من سكانها أن تعيش في ظلام الأمية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والأرقام الرسمية في السودان تقول إن في البلاد عشرة ملايين أمي وهذا يعادل ثلث عدد السكان، وإذا كانت هناك تحفظات حول الرقم الرسمي فهي تحفظات ترى أن الحقيقة أكثر من ذلك الرقم كثيراً.

ولسنا متفائلين بنتائج الحملة التي أعلنت بالأمس، ولا نشك أن مصيرها سيكون نفس مصير حملات سابقة دشنت بمثل هذه التصريحات المتفائلة وصحبتها نفس هذه الشعارات، وتبارت أجهزة عديدة تتحدث عن توفير الإعانات والقدرات والمؤسسات القادرة على إنجاز المهمة، وما لبث الناس أن نسوا المشروع برمته وتناسوا الجعجعة التي لم تنتج طحنا.

وبالأمس سمعنا التصريحات عن استعدادات اكتملت لهذه الحملة، وعن اعتمادات رصدت، وعن مؤسسات أعلنت كامل استعدادها للانخراط في الحملة، بل وحددوا ميقاتاً زمنياً لاجتثاث الأمية في السودان بحلول العام 2020 ونستطيع أن نراهن سلفاً أن العام 2020 سيحل بنا وعدد الأميين في ربوع البلاد قد قفز من العشرة ملايين الحالية إلى خمسة عشر مليون شخص.

السبب الذي يجعلنا نراهن على هذا الفشل هو أن النظام التعليمي القائم الآن يتكفل بزيادة عدد الأميين في السودان ببضعة ملايين كل عام، وقد نشرت الأسبوع الماضي إحصاءات رسمية تقول: إن هناك ثلاثة ملايين طفل لم يجدوا مكاناً في المدارس هذا العام وكلهم تتراوح أعمارهم بين السادسة والثلاثة عشر عاما– (المصنع) ينتج كل عام عددا من الأميين أضعاف أضعاف أعداد الذين ستمحوا الحملة أميتهم!!

حملة محو الأمية لا يمكن أن تقوم بمعزل عن النظام التعليمي ولا يمكن أن تنفذ إلا كجزء من خطة تعليمية شاملة، والنظام التعليمي الحالي في السودان لا يقصر فقط عن استيعاب كل الأطفال بل هو نظام تعليمي متخلف ينشر الجهل أكثر مما يوفر علماً وتعليماً ومستواه في تدهور مستمر ومقرراته لا تواكب ما يحدث في العالم وبيئة المدارس منهارة والبنيات التحتية غير متوفرة والمعلم المدرب الكفء نادر الوجود، بل والمدارس تفتقد الكتاب المدرسي والمقعد الذي يجلس عليه التلميذ- وحتى أولئك الذين يجدون مكانا في هذا التعليم القاصر يتسربون منه خلال سنوات دراستهم الأولى لأسباب شتى ويرتد بعضهم إلى الأمية خلال بضعة أعوام.

إنقاذ التعليم -بما في ذلك محو الأمية- يحتاج إلى (رؤية) ويحتاج إلى (خطة) ويتم وفق نظرة شاملة تغطي كل الجوانب ويشارك المجتمع في صناعتها بحرية كاملة وتقود زمامها منظمات المجتمع المدني المعنية بالأمر، ويكون المجتمع بأسره شريكاً في إنتاج المشروع وتطويره، فقضية محو الأمية لن تنجح إلا إذا كانت جزءاً من مشروع نهضوي متكامل للقطاع التعليمي تستصحب التطورات والمتغيرات العالمية، إضافة لمعطيات الواقع في البلد المعني، ويتوفر لها الدعم المجتمعي حينما يصبح المجتمع فاعلاً في صناعة القرار ومساهماً أساسياً بالجهد والرأي، وأن يصمم تفاصيله الفنية مهنيون مقتدرون على أسس علمية بحتة- إذا لم تتوفر كل هذه الأساسيات فإن (الحملة) لا تعدو أن تكون مجرد شعارات لا معنى لها ولا هدف، وهي مجرد تمرين في العلاقات العامة قد تلهي بعض الناس بعض الوقت ثم ينسون شعاراتها ووعودها حينما تستجد في الساحة شعارات أخرى.

العرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق