السبت، 26 سبتمبر 2015

المعارضة ترفض المحفّزات التكتيكيّة "للوثبة"



لم تجد المراسيم الجمهورية التي أعلنها الرئيس السوداني، عمر البشير، الثلاثاء الماضي، صدى لدى الحركات المسلحة التي تجاهلت تماماً التعليق سلباً أو إيجابياً على الخطوة، فيما اعتبرتها المعارضة السياسية "ذرّاً للرماد في العيون"، لافتة إلى أنّها "لا تساوي الحبر الذي كتبت به".
وأصدر البشير، يوم الثلاثاء، قرارات رسمية تتعلّق بوقف إطلاق النار لمدة شهرين في جميع مناطق العمليات العسكرية في إقليم دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، فضلاً عن العفو العام عن حاملي السلاح الراغبين في المشاركة في الحوار الوطني الذي يُنتظر أن يكون بداية صفحة جديدة، والمقرّر انعقاده في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

يعتبر مراقبون أنّ هذه القرارات بمثابة رسالة أراد النظام إيصالها لتحفيز الحركات المسلحة على المشاركة في الحوار، فضلاً عن كونها خطوة دعائية وإعلامية لإضفاء انطباع بسير الحوار الداخلي بشكل إيجابي لقطع الطريق أمام قرارات مجلس السلم الأفريقي الأخيرة الخاصة بعقد مؤتمر تحضيري في أديس أبابا للحوار، بهدف إعادة هيكلة آلياته، التي يرأسها البشير حالياً، وإسناد الرئاسة إلى جهة محايدة، وفقاً لمطالب المعارضة المسلحة والسلمية، وهو ما يرفضه النظام تماماً.

وفي تصريح سابق، أكد البشير أنّه لن يتنازل عن رئاسة الحوار لأي شخص أو جهة، "وإنْ تطلّب ذلك المواجهة مع المجتمع الدولي". وسخِر الرئيس السوداني من أية قرارات محتملة من مجلس الأمن الدولي في ما يتعلق برئاسة الحوار وإجرائه في الخارج، قائلاً "سنمزّق أية قرارات في هذا الشأن".

يعتبر المحلل السياسي، عبد المنعم أبو إدريس، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "لا شيء جديد في قرارات البشير، إذ سبق له أن أعلن التزامه بها في وقت سابق"، موضحاً أنّ "القرارات تؤكد أن الحكومة تعي تماماً أن الحوار من دون مشاركة الحركات لن يكون ذا تأثير". ويستدرك أبو إدريس بالقول "لكن أتوقّع أن تعقد الحكومة الحوار في التاريخ المعلن، بمن حضر، الأمر الذي من شأنه أن يُعقّد الأزمة في البلاد"، مشيراً إلى أنّ المجتمع الدولي سيمارس ضغوطاً على الحكومة والمعارضة للالتقاء عند نقطة تنصف الطرفين". ويؤكّد المحلل السياسي أنّ "العالم يريد تسوية سياسية في السودان وليس من مصلحة أحد أن تعمّ الفوضى في البلاد".

أما الخبير السياسي، الطيب زين العابدين، فيلفت إلى أن قرارات البشير، على الرغم من إيجابيتها، إلّا أنها محدودة ولن تؤثر، باعتبار أن الحركات لها مطالب أخرى، فضلاً عن أنها قرارات غير واضحة ومحصورة فقط في المجموعات الراغبة في الحوار، في حين يواجه قادة الجبهة الثورية حكم الإعدام. ويرى زين العابدين أنّ "القرارات تؤكد أن النظام لا يزال يعمل بطرق تكتيكية لكسب أكبر عدد من النقاط في مواجهة المعارضة"، مرجّحاً "مشاركة الحكومة في المؤتمر التحضيري" في أديس أبابا.

من جهته، يعتبر القيادي في تحالف المعارضة، ساطع الحاج، أنّ "القرارات لا تساوي الحبر الذي كتبت به" مؤكّداً أنّ "الحركات المعارضة لن تشارك، لأنّ الحكومة غير جادة في هذا الحوار". ويرى محللون سياسيون أن القرارات لم تتطرق إلى الشروط الأساسية لرافضي الحوار والمتصلة بالمؤتمر التحضيري وإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين سياسياً، ولا سيما أنّ هناك عدداً من منتسبي حركة "العدل والمساواة"، يواجهون حكماً بالإعدام منذ العام 2008، إبان مهاجمة قوات الحركة لمنطقة أم درمان. كما تجاهلت القرارات مطلب فتح المسارات الإنسانية لتمرير المساعدات للمتضررين في مناطق سيطرة الحركات المسلحة.

وكان المكتب القيادي لحزب "المؤتمر الوطني" الحاكم، قد أعلن أخيراً، رفضه القاطع للمشاركة في المؤتمر التحضيري الذي أقره مجلس السلم الأفريقي، فيما أبدى النظام استعداداً لمحاورة الحركات في مناطق سيطرتها في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

إلا أن مراقبين يرون أنّ الإعلان والمراسيم الجمهورية، صدرا لمجرد التكتيك السياسي ومحاولة الضغط لتحقيق بعض المكاسب. ويرجّح المراقبون أنفسهم، مشاركة الحكومة في المؤتمر التحضيري، باعتبار أن رفضها سيضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي والإقليمي وتفعيل مشروع القرار الأميركي في التدخل الدولي الإنساني في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ليصدر به قرار من مجلس الأمن.

ويقول مصدر في حزب "المؤتمر الوطني" لـ"العربي الجديد"، إنّ "الحكومة لا ترفض المشاركة في المؤتمر التحضيري، لكنها تريد أن ينحصر بالحركات فقط"، مشيراً إلى أنّ "هناك جدلاً داخل الحزب الحاكم، في ما يتعلّق بجدوى استمرار الحديث عن انطلاق الحوار في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأوّل المقبل، في ظلّ غياب أحزاب فاعلة، فضلاً عن الحركات المسلحة التي تمثّل أساس الأزمات التي تمر بها البلاد حالياً".

ومع انطلاقة دعوة الحوار، في يناير/ كانون الثاني عام 2014، وجدت الدعوة استجابة لدى عدد من الأحزاب المعارضة، من بينها حزب الأمة القومي برئاسة زعيمه الصادق المهدي، وحركة "الإصلاح الآن" بقيادة غازي صلاح الدين، قبل أن ينسحبا منه بعد أقل من ستة أشهر، على خلفية اعتقال المهدي لانتقاده قوات الدعم السريع، "الجنجويد"، إلى جانب الهجوم على الحريات، ليقتصر مؤيدو الحوار على الحكومة وحلفائها، فضلاً عن أحزاب معارِضة لا وزن لها في الساحة السياسية السودانية، باستثناء "المؤتمر الشعبي" بزعامة حسن الترابي.

ورحّبت الحركات المتمردة بالحوار، حينها، وفق شروط معيّنة. وهو الموقف نفسه الذي اتخذته قوى تحالف المعارضة الذي يضم 21 حزباً، معظمها أحزاب يسارية، وظلّت متمسكة بتلك الشروط حتى تاريخ اليوم. ودخلت الولايات المتحدة أخيراً، كلاعب رئيسي في عملية الحوار، في محاولة للدفع به، إذ عقد المبعوث الأميركي إلى السودان وجنوب السودان، دونالد بوث، سلسلة اجتماعات برافضي الحوار من المعارضة في الداخل، خلال زيارته الأخيرة إلى الخرطوم، فضلاً عن لقاءات عقدها مع الحركات المسلحة في باريس، أسفرت عنها خارطة طريق، أقرت فيها الحركات وقفاً لإطلاق النار لمدة ستة أشهر. كما قامت واشنطن بدور فعّال في الزيارة الأخيرة للرئيس الأوغندي يوري موسفيني إلى الخرطوم، أسهم في إحداث اختراق في ملف العلاقات السودانية الأوغندية.

ووفقاً لمصادر سودانية، فإنّ واشنطن مارست ضغطاً على الحكومة والحركات المعارضة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة قبل نهاية العام، ورأت في المصالحة السودانية الأوغندية، بالإضافة إلى قرار اتفاق سلام جنوب السودان، بنداً لتجريد الحركات الموجودة في الأراضي جنوب السودان من السلاح، ما يخلق مزيداً من التضييق على الحركات للتنازل والجلوس إلى طاولة الحوار إلى جانب الحكومة.

العربي