الجمعة، 26 يونيو 2015

زارتنا البركة" ضجة كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة السودانية أثارها وصول الوفد الشعبي إلى واشنطون.. تحسين العلاقات أم "تحسين صورة أمريكا" في المخيلة السودانية


الخرطوم - أميرة الجعلي
أثارت زيارة الوفد الشعبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة عصام الشيح رجل الأعمال المشهور ضجة كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة السودانية. وصادف وصول الوفد الذي يتكون من رجال الإدارة الأهلية وزعماء القبائل إلى واشنطون مطلع الشهر الجاري مظاهرة هناك كانت مُعلنة قبل شهر من الزيارة بعلم السلطات الأمريكية. با عموم وجدت الزيارة رواجا كبيراً، وكان عصام الشيخ قد أعلن عنها خلال مؤتمر صحفي عقده في مزرعته بـ(المدينة المحورية) في ضاحية سوبا، قبل مغادرته بساعات، حيث قال إن الوفد ذاهب من أجل تحسين العلاقات بين الخرطوم وواشنطون ورفع العقوبات الاقتصادية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
أغراض الزيارة حينها أثارت دهشة البعض، وثمة مراقبين اعتبروا حديثه لا قيمة له، وغير مجدٍ، لكون الأمر ليس بهذه السهولة ولأنه ليس بيد الإدارة الأمريكية فقط، بل هناك الكونغرس الأمريكي الأكثر تشددا في الأمر، والذي يمارس ضغوطا على الإدارة، وكان هناك سؤال واحد يدور في أذهان الكثيرين: كيف لوفد شعبي أن يحسّن العلاقات ويرفع العقوبات عن السودان، رغم أن الجميع يعلم أن هذه العقوبات مسؤولية الحكومة وليس الشعب؟! من وجهة نظر هؤلاء أن الإدارة الأمريكية إذا كانت جادة في تحسين علاقاتها مع السودان وتريد حوارا حقيقيا فالجهة المعنية بالزيارة ومقابلة المسؤولين الأمريكان هي الحكومة لا الوفود الشعبية.
1
* ترحيب بالمبادرة
حسنا.. جاءت الزيارة بمبادرة من رجل الأعمال عصام الشيخ وطرحها على سفارة واشنطون بالخرطوم التي كانت تسجل زيارات للطرق الصوفية والمشايخ وكان يرحب بهم ويستقبلون بذبح الخراف ونحر الجمال إكراما لهم، كما زارت عصام الشيخ أكثر من مرة مما دفع الأخير إلى طرح مبادرة بأن يزور وفد شعبي الولايات المتحدة الأمريكية لتحسين العلاقات بين البلدين.
الأمر وجد ترحيبا من قبل السفارة ولكنه كان قيد التنفيذ قبل أن تكتمل الترتيبات، إلا أن جيري لانير القائم بأعمال السفارة قام بزيارة لشيخ المدينة المحورية ومضى مسرعا في تنفيذ المبادرة وتم الترتيب للوفد الذي يضم (12) من نُظار القبائل السودانية.
2
* مليار جنيه.. تكلفة الزيارة
 بلغت تكلفة الزيارة مليار جنيه، دفعت مشتركة بين عصام الشيخ الذي تحمل تكلفة التذاكر للوفد (500) مليون جنيه، والخارجية الأمريكية، التي تكفلت بالفنادق والمعيشة والترتيبات المتعلقة ببرنامج الوفد ولقاءاته مع المسؤولين.
استغرقت الرحلة أسبوعين وبعد وصول الوفد كانت هناك مظاهرة معلنة من قبل سودانيين في المهجر الأمريكي قبل شهر، وقد صادفها الوفد أثناء تجواله أمام البيت الأبيض الأمريكي، حيث تم تصوير المتظاهرين وهم يرفعون أصواتهم في وجه الوفد الذي لم تكن له دراية بهذه المظاهرة وليس طرفا فيها.. إلا أن كثيرا من المحللين يحملون الحكومة الأمريكية المسؤولية في هذا الأمر، لأنها كانت على علم بالمظاهرة ومسارها، وقالوا إنه كان على الحكومة الأمريكية أن تحذر الوفد من الوجود في هذه المنطقة.
3
* لقاءات الكونغرس والخارجية 
 بحسب متابعات (اليوم التالي) فإن الوفد التقي بعض نواب الكونغرس، والذين عرف عنهم التشدد في فرض العقوبات على السودان، كما التقى الوفد بدونالد بوث المبعوث الخاص لدولتي السودان وجنوب السودان داخل مباني وزارة الخارجية الأمريكية بجانب لقاء الطلاب، وتطرق اللقاء مع الأطراف المذكورة لكيفية رفع العقوبات عن السودان ورفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وأكد الوفد أن السودان ليس دولة إرهابية، لكن المسؤولين الأمريكين ـ كالعادة ـ لا ينطقون حرفا إنما يطرحون على الزائر كثيرا من الأسئلة فهم مستمعون جيدون.
4
* لا تتوقعوا رداً سريعاً
 فور عودتهم من الولايات المتحدة الأمريكية أدلى أعضاء الوفد بتصريحات صحفية بمطار الخرطوم وأكدوا خلالها أنهم بحثوا خلال الزيارة التأثيرات السالبة للعقوبات المفروضة على السودان مع مسؤولين محليين، وأشاروا ـ وفق تصريحاتهم ـ إلى أنهم لمسوا تجاوبا من واشنطون لرفع العقوبات، وذكر أحد أعضاء الوفد أنهم لمسوا تجاوبا كبيرا ورغبة قوية من الجانب الأمريكي في تحسين العلاقات مع السودان، وقال: هم فقط يريدون الخطوات التي تحقق ذلك الغرض، ولكن من جانب آخر نقل ناظر عموم إحدى القبائل عن المسؤولين الأمريكيين قولهم: "لا تتوقعوا أن يصلكم الرد سريعا لكن كل الجهات الحكومية ستصلها مطالباتكم" واصفا الزيارة (بالطيبة)، بينما قال أمير إحدى القبائل: شعرنا بأن المعلومة التي نود ايصالها للإدارة الأمريكة قد وصلت وأن المسؤولين وعدونا بأنهم سيرفعوا الأمر إلى الجهات الأعلى... حسنا هنا انتهت تصريحات بعض أعضاء الوفد.
5
* "تحسين صورة أمريكا" 
أما الزيارة وفق وجهة نظر خالد التجاني المحلل السياسي في حديثه مع (اليوم التالي) فإنها تخدم أغراض السياسة الأمريكية أكثر من قضية السودان، وأشار إلى أن واشنطن في ظل علاقاتها التي وصفها (بالمتوترة) مع السودان وفرضها لعقوبات اقتصادية عليه ووضع اسمه في قائمة الدول الراعية للإرهاب، بدأت تشعر في الآونة الاخيرة أن تلك العقوبات وغيرها تأثيرها المباشر على الشعب السوداني أكثر من تأثرها على الحكومة التي تبحث دائما عن بدائل، كما أنها شعرت بأن نظرتها السلبية للسودان أصبحت تؤثر على المواطنين في الآونة الأخيرة، موضحا أنها لذلك السبب أصبحت تتجه نحو ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية والتي قال: "كنا نقول عليها دبلوماسية الصوفية، الآن أصبحت دبلوماسية القبائل"، لافتا إلى أن أمريكا تحاول خلق علاقات مباشرة مع القبائل لتوضح أن موقفها مع الحكومة وليس مع الشعب، وأضاف: إنها تبحث عن معالجة خللها من خلال اهتمامها بالطرق الصوفية والقبائل والتعليم، باعتبار أن الحكومة قادرة على حل أمورها .واعتبر خالد هذا النهج غير مفيد بالنسبة للعلاقات الرسمية ذات المسار المعروف، وأضاف: الطريقة التى تتبعها واشنطون لا ترفع العقوبات وإنما يصنف هذا الحراك في إطار الدبلوماسية العامة لتحسين صورة أمريكا للرأي العام عن طريق الطرق الصوفية والقبائل، وأكد أن زيارة الوفد الشعبي تصب في صالح الحكومة الأمريكية دون أن تكسب الحكومة السودانية شيئا، وشدد على أنها لن تكون مؤثرة في صنع القرار الأمريكي.
6
* موازنة للوجهتين
وحول المظاهرة التي خرجت أثناء وجود الوفد في واشنطن قال التجاني: لا أعلم إن كانت مصادفة أو مقصودة، ولكنه أوضح أنه إن كانت هناك حسن نية فربما تكون مصادفة، أما إذا كانت هناك سوء نية فقد يكون غرضها السياسي أن تؤكد أن هناك وجهتي نظر في الساحة السياسية وتريد لزعماء القبائل أن يستمعوا إلى بعض السودانيين المقيمين هناك وأن لديهم رأيا آخر، وأضاف: بالتالي كأنها موازنة للوجهتين، ولكنه في ختام حديثه استنكر هذا النهج وقال إن زعماء القبائل لهم مقامهم وإن تعريضهم لهذا الاستفزاز لم يكن موفقا.
7
* الدبلوماسية العامة والتواصل الشعبي 
من جانب آخر قال مراقبون إن هذه المبادرة المشتركة بين رموز المجتمع المدني والحكومة الأمريكية لتسهيل مهمة وفد شعبي لزيارة أمريكا، وأوضحوا أن الزيارة تصب لأهداف ما تسمى بالدبلوماسية العامة التي تتبناها الحكومة الأمريكية للتواصل الشعبي مع دول العالم المختلفة، وقالوا إنها زيارة بحسب معطيات ومخرجات زيارات كثيرة ومشابهة من قبل تؤدي إلى أن يتفهم الوفد الشعبي دوافع السياسات الأمريكية تجاه السودان أكثر من إقناع الإدارة الأمريكية بقضايا السودان ورفع العقوبات، وأضافوا أن المشكلة صاحبتها ضجة إعلامية أخرجتها من الأهداف الأساسية التي تصب في التعرف على طبيعة الحياة السياسية والتعبير عنها، وأكدوا أن مثل هذه الزيارات لا تدفع نحو تحسين العلاقات بقدر ما أنها زيارة لإدراك عناصر وتوجهات السياسة الأمريكية تجاه السودان، ولفتوا إلى أنها قد تخدم السياسة الأمريكية أكثر من خدمتها القضية السودانية .
وشدد المراقبون على أن الزيارة لن يكون لها أي مردود إيجابي على مستوى العلاقات الثنائية، لكنها أبطلت مفعول الغضب الشعبي تجاه السياسات الأمريكية وذهب الوفد كقوى ثورية لمناهضة العقوبات الأمريكية وعاد كقوى محايدة، وقالوا: يحمد لهم أنهم قاموا بمبادرة لأن خيالهم الشعبي زين لهم أن السياسات بين الدول تحل عبر الوفود الشعبية، واعتبروه جهدا مقبولا ولكنهم أكدوا على أن الوفد خرج عن حجمه الطبيعي وصاحبته ضجة إعلامية غير مبررة، واشاروا إلى أن طبيعة البرنامج الذي وضع لهم لم يتسم بالجدية الكافية وغلبت عليه المقابلات البرتوكولية وأن أرفع مسؤول قابلوه هو المبعوث الأمريكي وهو متاح في أديس والقاهرة وجنوب السودان، وأوضحوا أن مما أضعف المبادرة غير أنها لم تستند لوعي سياسي لقضية العلاقات، أنها تمت بعيدا عن قوى المجتمع الحية والمراكز الدراسات والفكر والتي كان يمكن أن تضيف بعدا سياسيا لهذه الزيارة وأكدت أن الوفد لن يستطيع لوحده حل التعقيدات. ومن هنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه: هل السياسة التي أصبحت الإدارة الأمريكية تتبعها في تحسين علاقتها مع السودان ستحل التوترات الموجودة مع الخرطوم؟ وهل ستسهم في رفع الحصار المفروض عليها، أم ستكتفي بتقديم دعوات لزعماء القبائل والطرق الصوفية وبعض رموز المجتمع السوداني لتحسين صورتها وتهمل الجانب الأساسي المعني بالقضية برمتها، أم ستلتفت وتدخل في حوار مباشر مع الحكومة السودانية خلال الفترة المقبلة؟

اليوم التالي