الجمعة، 31 يوليو 2015

الصين في أفريقيا..من التوسّع الاقتصادي إلى النفوذ السياسي



الصين، هذه القوة التي استطاعت أن تصبح، خلال السنوات الخمس الأخيرة، أكبر مستثمر تجاري في أفريقيا، تمكّنت أيضاً من استثمار ثقلها الاقتصادي الاستثنائي للتموقع كشريك مؤثّر على الصعيد السياسي في القارة السمراء، بحسب المحلل السياسي التشادي، إيفاريست نغارليم تولدي.
تولدي، الأستاذ والباحث بجامعة نجامينا التشادية، أوضح أنّ "بروز الصين كشريك اقتصادي مميّز للبلدان الأفريقية، منحها إمكانية تطوير علاقاتها معها، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي، في مرحلة أولى، قبل أن تدرك السياسي. فالصين التي تعدّ أهمّ المستثمرين وأبرز مستوردي النفط من جنوب السودان، على سبيل المثال، تضطلع أيضا بدور الوساطة في النزاع المندلع فيه".
ومن المنتظر أن تتوج هذه الجهود بتوقيع اتفاق، في 17 أغسطس/ آب المقبل، لوضع حدّ لحرب أهلية تهز البلاد منذ أكثر من عام ونصف العام.
الصين استطاعت أيضا تطوير استراتيجيتها السياسية، عبر انخراطها في مجال التعليم، حيث يمتلك معهد "كونفيشيوس"، وهو عبارة عن مؤسسة ثقافية تمنح الأجانب إمكانية تعلّم اللغة الصينية والاطلاع على ثقافة شعبها، ويعتبر من أبرز روافد "القوة الناعمة" الصينية، فيما لا يقل عن 22 بلدا أفريقيا، بحسب وكالة الأنباء الصينية "شينخوا". 

المصدر نفسه أشار أيضا إلى أنّ الآلاف من الطلبة الأفارقة يحصلون سنويا على منح لمواصلة دراستهم في الصين، تسهيلاً لطرق التواصل مع شركائهم الصينيين، وتعزيزا لعلاقات التعاون الثنائية بين الجانبين (الصين وأفريقيا).

الخبير التشادي اعتبر أنّ الصين وجدت نفسها، في غضون بضع سنوات، في موقع قوّة تؤهّلها للتأثير بشكل مباشر في القرارات السياسية لشركائها من البلدان الأفريقية، "بما أنّ اليد التي تعطي تكون دائما هي الأعلى"، لافتا إلى أنّها استطاعت اجتياح المساحة التي كان الغرب يهيمن عليها في السابق، والدليل أن تشاد وجدت نفسها، في 2006، مرغمة على استبعاد تايوان من مجال علاقاتها، لتطبيعها مع الصين التي بدأت بالتغلغل تدريجيا في القارة السمراء.
خيار أو بالأحرى قرار كان على نجامينا اتخاذه بناء على طلب صريح من بيكين، التي شعرت بالخطر بسبب التقارب الذي بدأت ملامحه تتشكّل مع عدوّها، بما أن بيكين تعتبر تايوان إقليماً متمرّداً يجب أن يعود إلى الوطن الأم (الصّين). 

كما أنّ الأخيرة، وخوفا من فقدان نفوذها السياسي، وسعيا منها للتذكير بوجودها، لم تتردّد في انتقاد الولايات المتحدة إعلاميا، حيث روّجت لأخبار مفادها أنّ الجولة الأفريقية الأخيرة للرئيس باراك أوباما، والتي شملت كينيا، إنما تغذّيها مخاوف واشنطن من الحضور الصيني في القارة الأفريقية، بحسب الخبير دائما.

هذه الزيارة تهدف إلى "خلق توازن" أو ثقل مضاد للنفوذ الصيني، و"تدارك" اللامبالاة والتجاهل التاريخي الذي أبدته الولايات المتحدة الأميركية تجاه قارة أفريقيا "لا تمتلك سياسات متماسكة"، بحسب ما ذكرته صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية، التابعة للحزب الشيوعي، في عددها الصادر الإثنين الماضي.
بدوره، قال أوباما، خلال زيارته للعاصمة الكينية نيروبي، في تصريحات لوسائل الإعلام، إنّ "أفريقيا تعدّ مكانا ديناميكيا لا مثيل له"، وإن "هذه القارة ينبغي أن تكون المركز المستقبلي للنمو العالمي". تصريح يؤكّد الأطماع التي تبديها القوى العظمى تجاه القارة السمراء، وأبرزها الصين، والتي عرفت جيدا كيف تزيح منافسيها، وتتربّع على عرش الشراكة للبلدان الأفريقية، متقدّمة على الولايات المتحدة بأشواط.


وعلاوة على المجالين الدبلوماسي والسياسي، تستثمر الصين أيضا في القطاع العسكري للقارة السمراء. تولدي عاد ليوضح، بهذا الشأن، أن هذا الأخطبوط الأحمر يعدّ شريكا مميّزا لبلدان هذه القارة الغارقة في نزاعات مسلّحة، والتي تتزوّد من الأسواق الصينية"، في إشارة إلى الكونغو وأفريقيا الوسطى.
وفي مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، في عددها الصادر أوائل الشهر الحالي، أكّد السفير الأميركي السابق في كل من الصومال وبوركينا فاسو، دافيد شين، التوسّع العسكري الصيني في أفريقيا، مشيراً إلى أنّ 25 % من الأسلحة التقليدية الموجودة في القارة السمراء صينية الصنع، مقابل 3 إلى 5 % خلال ستينيات القرن الماضي.
شين أضاف، في السياق ذاته، أنّ الصين منخرطة بشكل كبير في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، لافتاً إلى أنها تعتبر أول المساهمين بالرجال في بعثات القبعات الزرق، حيث بلغت قواتها الألفي و664 موزّعة في كل من مالي وجنوب السودان، ضمن 7 عمليات لحفظ السلام في أفريقيا.
المحلل السياسي، تولدي، عقّب على الموضوع بقوله إنّ "الصين عرفت كيف تفرض قواعد لعبة اقتصادية وسياسية داعمة لمصالحها في أفريقيا، وتحصل بموجبها على حصتها من الثروات المعدنية ومن أسواق أشغال البنية التحتية الضخمة"، مضيفا أنها "أدركت جيدا أنه يتعيّن عليها الاستثمار اقتصاديا في العديد من المجالات، إلى درجة أصبح معها حكام القارة يشعرون بأنهم مرتبطون سياسيا بهذا العملاق الجديد الذي اجتاح الكثير من بلدانها".
ووفق البنك الدولي، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا، في 2014، حوالى 222 مليار دولار، ومن المنتظر أن يناهز الـ 400 مليار دولار بحلول عام 2020.
ومنذ 2012، قدمت الصين قرابة 30 مليار دولار بعنوان قروض تفضيلية لعدد من البلدان الأفريقية، لدعم نمو المشاريع ذات الأولوية فيها، شملت مجالات متعدّدة أبرزها البنى التحتية والزراعة وغيرها. كما أنشأت، بين عامي 2001 و2009، صندوق التنمية الصيني الأفريقي، بقيمة 605 مليارات دولار، وألغت ديون 35 بلدا أفريقيا من بين الأكثر استدانة، تجاوزت قيمتها الجملية الـ 3 مليار دولار، وفقا للمصدر نفسه.
نفوذ الصين في أفريقيا لا يحتاج إلى أكثر من الإمعان في محصّلة استثماراتها في القارة السمراء للوقوف على حجم النفوذ الذي تتمتع به هذه القوة الصاعدة. الصين تمتلك حوالى ألف و43 مشروعا في أفريقيا، ونحو ألفي و500 شركة كبيرة ومتوسّطة ناشطة في أكثر من 50 بلدا ومنطقة، إضافة إلى أنها قامت ببناء ألفين و233 كم من الخطوط الحديدية و3 آلاف و530 كم من الطرقات، بينها خط حديدي بصدد الإنجاز في كينيا للربط بين بلدان شرق أفريقيا.. كما يحسب للصين إسهامها في إدماج القارة السمراء في الاقتصاد العالمي.
قوة اجتاحت أفريقيا وفرضت هيمنتها على جميع القطاعات تقريبا في طرح بديل للاستعمار، الذي قادته القوى الغربية، والذي يمكن اعتباره أحد العوامل التي فتحت الأبواب على مصراعيها أمام الصين، بما أنها بعيدة كل البعد عن صور "المستعمر الذي جاء لاستنزاف الثروات" بحسب ما رسخ في الذاكرة الأفريقية من مخلفات الاستعمار.. بديل "ناعم" لا يبدو أنّ أحدا قادر على كبح جماح تقدّمه. ليس في الوقت الحاضر على الأقلّ، بحسب الخبير.
العربي الجديد