السبت، 1 أغسطس، 2015

عقد من تحولات غياب قرنق على السودان بجنوبه وشماله



مثّلت وفاة زعيم "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، جون قرنق دي مبيور، في 30 يوليو/ تموز 2005، علامة فارقة في تاريخ السودان الذي انفصل إلى دولتين، عانتا من حروب أهلية وأزمة اقتصادية. مرّت 10 أعوام على وفاة قرنق الذي لقي حتفه في حادثة سقوط طائرة، كانت تقلّه في طريق عودته من مدينة عنتبي الأوغندية بعد 21 يوماً فقط من وصوله إلى الخرطوم وأدائه للقسم كنائب أول لرئيس الجمهورية السوداني.
نتج عن الحادثة، أعمال عنف في العاصمة وبعض مناطق البلاد، على خلفية خروج الآلاف من مناصري قرنق، معبّرين عن حزنهم، ما أدّى إلى مقتل وجرح العشرات. عُرف هذا اليوم بـ"الاثنين الأسود"، ومثّل المسمار الأول في طريق الانفصال، كما حدثت تغيّرات وانعطافات عدة في غياب قرنق عن المشهد السوداني، جعلت مراقبين يجزمون بأنه اغتيل، وأن هناك قوى إقليمية ودولية ومحلية خطّطت لذلك، باعتبار أنّ وجوده قد يربك المشهد الجديد الذي رسمته السودان للانفصال عن الجنوب، على عكس مشروع قرنق الذي هدف إلى توحيد البلاد.
بوفاة قرنق، انفصل جنوب السودان وانقسمت "الحركة الشعبية"، واشتعلت الحرب الأهلية في الدولة الوليدة. أمّا على مستوى شمال السودان، فاشتعلت الحرب من جديد في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، فضلاً عن استمرارها في إقليم دارفور لغاية اليوم. وزاد الاستقطاب السياسي، لتتحول اتفاقية السلام الشامل التي وقعها قرنق مع الرئيس السوداني عمر البشير، في يناير/ كانون الثاني 2005 من نعمة إلى نقمة.
يقول المحلل السياسي جون دينق لـ"العربي الجديد"، إنه "بعد مرور عشرة أعوام على وفاة قرنق، تقوقع الجنوب في مربع الحرب، ولم يعد دولة واحدة. بات مهدداً بالتفكك، شأنه شأن السودان، وخسر وحدته الوطنية"، معتبراً أنّ من تسلّموا الجنوب لم يكونوا مؤهّلين لتحمّل المسؤولية.
ويعتبر خبراء سياسيون، أنّ لغياب قرنق تأثيراً كبيراً على "الحركة الشعبية" كتنظيم، باعتبار أن لقرنق كاريزما تتمتع بقدرة عالية على ضبط الأمور والتواصل مع الآخرين، فضلاً عن الإجماع حوله، وهي ميزات يفتقدها خلفه، رياك مشار.
ومع غياب قرنق عن المشهد السوداني، غابت أو غُيّبت معه تدريجياً وجوه شمالية شكّلت الوفد المفاوض للحكومة السودانية إبان مفاوضات "نيفاشا"، وعلى رأسها النائب الأول لرئيس الجمهورية السابق وكبير مفاوضي الحكومة، علي عثمان طه الذي تنبأ له كثيرون بالصعود بفضل تلك الاتفاقية إلى حدّ خلافة البشير. في ذلك الوقت، تسرّبت معلومات عن مفاوضات غربية بدعم عثمان، ليخلف البشير، وإدارة مرحلة ما بعد اتفاقية السلام.


استُقبل عثمان بالأكاليل إبان المفاوضات. وبعد توقيع اتفاقية "نيفاشا" التي اعتبرتها الحكومة في البداية انتصاراً لها، ووصفها بعض أعضائها، بـ"استقلال ثانٍ" للسودان، تفاجأ الوسط السوداني بسقوطهم تدريجياً وتغييبهم عن المشهد واحداً تلو الآخر. انتقل عثمان، الأسبوع الماضي، إلى تركيا، إذ تؤكد مصادر أنّه اختارها كمنفى، بعد سلسلة من الإحباطات التي لحقت به، آخرها إبعاده عن السلطة. إلّا أن حزب "المؤتمر الوطني" سارع إلى نفي صحة خروج عثمان غاضباً، مؤكّداً في بيان له، أنّه ذهب وأسرته إلى إسطنبول للعلاج.
ويعتقد مراقبون أن الصراعات الكبيرة داخل الحزب الحاكم اليوم، والتي قادت إلى إبعاد الإسلاميين وسيطرة المؤسسة العسكرية على الحزب والدولة، نتاج طبيعي لوفاة قرنق. ويقول المحلل السياسي، إبراهيم أحمد لـ"العربي الجديد"، إنّ "كل عضو في المؤتمر الوطني، كان له أجندة يريد تنفيذها من خلال اتفاقية السلام، لكن وفاة قرنق أربكت حساباتهم، واعتُبر غيابه هزيمة لحلفائه في الشمال، ممن رافقوه لسنوات بين طاولات المفاوضات".
ويرى المحلّل، أن انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة، إحدى نتائج غياب قرنق عن المشهد السوداني. ويضيف، "قناعتي أنه كان للرجل توجّهات وطموحات بعيدة عن الانفصال كلّياً، إذ تطلع إلى قيادة السودان الموحّدة، ما جعله يخطّط خلال الفترة الانتقالية إلى وضع برنامجها الخاص تحت عنوان، الوحدة الجاذبة لإعادة بناء الدولة. ويوضح المحلّل أنّ عبارة "الوحدة الجاذبة" شارك في صياغتها قرنق نفسه، وكان يقصد من خلالها أن يجد المواطن الجنوبي نفسه في المشهد السوداني في مختلف قطاعاته. ويؤكّد أنّ غياب قرنق، حرم السودان من الوصول إلى موقف متقدم في أفريقيا. ويشير إلى أنّ "وصوله إلى السلطة عبر اتفاقية السلام، كان سيضع السودان في موقف متقدم في أفريقيا، باعتبار أن الأفارقة ينظرون إلى قرنق كقائد التحرر ورمزاً له. ويردف، قائلاً: "عموماً، كنا نراقب قبل وفاة الرجل كيف أنّ الشماليين كانوا يراهنون عليه كقائد سوداني بإمكانه تحقيق الكثير للبلاد".
وكانت لقرنق رؤية متكاملة في إعادة بناء السودان، من ضمنها مشروع أطلق عليه "السودان الجديد"، الذي أراد من خلاله تحقيق الديمقراطية وسيادة حكم القانون ونقل وظائف المدن إلى الريف، واستقلال إيرادات البترول، وتطبيق نظام حكم علماني، يحق لكل فرد اعتناق الدين الذي يؤمن به، واختيار الفكر والمعتقدات التي يريدها. ويختلف هذا البرنامج تماماً عن برنامج شريكه في الاتفاقية، أي "المؤتمر الوطني" الذي تبنى المشروع الحضاري القائم على أسلمة الدولة.
ويرى مدير مركز دراسات السلام في جامعة جوبا، لوكا بيونق، أنّ أهم التغيرات التي حصلت في البلاد بعد وفاة قرنق، انقسام السودان إلى دولتين، فضلاً عن أن العلاقات السيئة في ما بينهما، تخلّلها العنف وأهداف سياسية قصيرة المدى، فضلاً عن الحروب. ويضيف في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّه "بعد وفاة قرنق انقسمت الحركة الشعبية التي يفترض أن تطبق رؤيته في مشروع السودان الجديد، ونشبت حرباً أثّرت على المواطن نفسه، وليس فقط على الصعيد السياسي، ولا تزال تداعياتها لغاية اليوم. كما أصبحت، في غيابه، نسبة أصوات الجنوبيين الذين يطالبون بالانفصال، 98 في المائة، وهي نسبة ذات دلالات وانعكاسات خطيرة على علاقة الدولتين.

العربي الجديد