الحلقة الاولى
تحقيق: علي ميرغني: منى فاروق
على الرغم من قطوعات الكهرباء المبرمجة حالياً، لكن يظل التقدم في قطاع الكهرباء أحد الإنجازات التي تحسب لعهد الإنقاذ. لكن هل ذلك مبرر لهذا التدهور الواضح في إنتاج الكهرباء؟ هل يقبل أن يكون إنشاء سد مروي هو الدرع الذي يحتمي به مسؤولو الكهرباء للدرجة التي تجعله يماثل المشاركة في بدر الكبرى لتنطبق عليهم المكافأة الربانية إعملوا أهل بدر ما شئتم فلقد غفرت لكم؟
وقبل أنّ تقرأ هذا التحقيق أرجو عدم إسقاط أية ظلال سياسية ونحن عندما شرعنا في التقصي فيه وإعداده للنشر أقصينا كل انتماء سياسي، وأصلاً نحن الإثنين غير منتميين سياسياً. لذلك نكرر إن ملف الكهرباء يقوم أولاً وأخيراً على الحقائق العلمية والواقع المعاش ولا مكان هنا لأية عوامل أخرى.
مدخل
“المشكلة فهمها بسيط، وسأحاول أن أبسطها، ما قبل سد مروي كان هناك إنقطاع في التيار يصل إلى مدة 12 ساعة في اليوم، وبعد دخول مروي ارتفع الطلب والحاجة إلى الكهرباء بنسبة27%وصارت نسبة الطلب على الكهرباء آخذة في الاستمرار. سد مروي زاد كمية الكهرباء إضافة إلى المحطات الحرارية وارتفع الطلب على الكهرباء سنوياً وكنا بحاجة لمزيد من الكهرباء. وكنا مؤملين على محطة ستيت إلا أنّ تأخر إكتمالها تسبب في المشكلة الأخيرة"
الفقرة أعلاه هي رد وزير الموارد المائية والكهرباء، معتز موسى على سؤال مذيع الإذاعة السودانية عن قطوعات الكهرباء الأخيرة. وورد في مؤتمر إذاعي الذي بث الجمعة أول أمس. لكن تصريحات الوزير هذه طرحت أسئلة أكثر من أنها أجابت عليها. ربما أبسطها ماهي علاقة ارتفاع الطلب باكتمال سد مروي؟ وكل الفجوة بين التوليد والطلب؟ ونسبة العجز التي حددها الوزير بأنها 27% كم تعادل مقاسة بالكليو واط/ ساعة؟
تحليل ما بين الكلمات
الكهرباء شأن علمي بحت لا يعرف غير لغة الأرقام والنسب المئوية بصورة واضحة كما إن منصب الوزير يفرض أن تكون الإجابات دقيقة لأقرب كليو واط، وربما الأحوط أن يستعين بأركان حربه من المهندسين والتنكوقراط كما كان يفعل سلفه أسامة عبد الله، الذي ندر أن يعطي إجابة فنية بل يترك الرد للمختصين.
معلومات أولية
وقبل الغوص بعيداً في هذا التحقيق كان لابد من أخذ معلومات أولية من خبراء الكهرباء ومهندسيها.
أدنى متوسط استهلاك
طرحت بعض الأسئلة على أكثر من مهندس، وخبير في الكهرباء كان سؤالي كما يلي ماهو متوسط استهلاك الكهرباء لأسرة سودانية متوسطة الحال تملك غسالة ومكيف ماء وثلاجة وثلاثة مراوح، إتفق معظم من سألتهم على أنها تبلغ (600 كيلو واط في الشهر). كان السؤال الثاني ماهي نسبة استهلاك الكهرباء بين الحضر والريف في السودان، أجمعوا على أن 70% للحضر و30% للريف. بمعنى آخر أنّ حد الـ (200) كيلو واط في الشهر لن تشمل قطاعاً واسعاً من المواطنين السودانيين. وأيضاً كم يبلغ استهلاك القطاع الحكومي للكهرباء، قال خبراء الكهرباء إن الإحصائيات الرسمية قالت 15% لكن هذا مشكوك فيه وأن هذه إحصائيات رسمية قد تكون جافت الواقع شيئاً ما.
حديث الخبراء
أخذت إجابة الوزير معز موسى (الواردة في مدخل الموضوع) وطرحتها على بعض المختصين في الكهرباء ليقولوا رأي العلم فيها ووجهة نظرهم من ناحية فنية بعيدة عن أي عامل آخر.
حديثهم كان صادماً جداً ووصل إلى حد أن بعضهم اعتبر إن معظم إفادات الوزير في برنامج مؤتمر إذاعي الذي بثته إذاعة أم درمان الجمعة أول أمس جانبها الصواب. واقتصدت في قول الحقيقة. واعتبر بعضهم الآخر أنّ التحديد الخاطئ للمشكلة يعطي بالتأكيد إجابات وحلولاً خاطئة يتحملها الشعب السوداني ويصل تأثيرها إلى اجيال لم تولد بعد.
عناوين تحمل الكثير
ولأن الكهرباء تعتبر قاسماً مشتركاً في أي مشروع نهضة صناعية أو زراعية، وﻷنّ إنتاج الكهرباء يحتاج لبنى تحتية يتطلب تشييدها زمناً كبيراً وتمويلاً يصل إلى مليارات الدولارات، لكل هذه العوامل حملت ملف الكهرباء في شكل تساؤلات وطرحتها على خبيرين في الكهرباء أحدهم يحمل درجة الدكتوراة في الهندسة الكهربية ووصل إلى المناصب العليا في الهيئة القومية للكهرباء قبل أن تتحول إلى شركات توليد ونقل وتوزيع. فيما درس البعض الآخر الكهرباء وله خبرات ومعلومات كافية عن ملف الكهرباء في السودان.
محور التحقيق
وللحقيقة أقول أني استعنت بإحدى الصحف التي نشرت إفادات الوزير التي وردت في برنامج مؤتمر إذاعي، وطلبت من خبيرين التعليق عليها، لقناعتي التامة أن ملف الكهرباء يهم كل قطاعات الشعب السوداني ولا علاقة له بالسياسة ولا يمكن بحثه عبر الاستماع إلى افادات الجهة التنفيذية بل يجب أن يكون الحوار كاملاً بين التنفيذيين والتكنوقراط اللا منتمين سياسياً.
وطلبت من هذين الخبيرين في مجال الكهرباء كتابة وجهة نظرهم فيها. وبنهاية اليوم حصلت إفادات تناقض كثيراً من ما إجابات السيد الوزير وتطرح واقعاً آخر مغايراً يرسم وجهاً غير مبشر، لكن وبحسب رأيئهما يجب مواجهة المشكلة ووضع حلول لها بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال وانتظار أماني تظل بلا أرجل تحملها إلى أرض الواقع.
محطة بورتسودان الحرارية
بحسب إفادات دكتور جون جندي، الخبير والمستشار في شأن الكهرباء، وأحد الخبراء الذين رسموا خط الربط الكهربائي بين السودان وإثيوبيا، يقول إن هذه المحطة مقترحة منذ قبل عهد الإنقاذ وكان المخطط أن تستعمل الفحم الحجري، لكن بعد ظهور بشريات إنتاج الغاز بالبحر الأحمر قدم دكتور جون جندي، وقتها كان قيادياً بالهيئة القومية للكهرباء، مقترحاً بأنّ يتم التحول إلى استخدام الغاز الطبيعي لكن ذلك لم يتم.
لكن الوزير معتز بشر في تصريحاته لإذاعة أم درمان الجمعة أول أمس بأن محطة بورتسودان ستدخل الشبكة قريباً وستساهم في حل المشكلة.
هنا قال لي خبير آخر في الكهرباء وله إلمام واسع بمجرياتها، أنّ محطة البحر الأحمر للتوليد الحراري لن تمد الشبكة القومية بالكهرباء " لا قريباً ولا خلال شهور بل ولا حتى خلال سنة"..
وزاد إنه لا يريد أن يحبط الناس لكن أن تبنى القرارات على معلومات صحيحة وصادمة خير ألف مرة من أن تبنى على معلومات مبشرة لكنها غير صحيحة. وأضاف إن المحطة المذكورة لا زالت بعيدة عن مرحلة توليد الكهرباء. لكنه عاد وقال إنه يمكن استئجار وحدات توليد ضخمة محمولة على سفن تربط على ميناء بورتسودان أو حتى شراؤها وإنها يمكن أن تمد البلاد بطاقة كهربائية يمكن أن تصل إلى أكثر من ألفي ميقا واط (ضعف كهرباء مروي)، لكن يبقى السؤال الفني المهم، هل فعلاً يمكن ربط كهرباء بهذا الحجم بالشبكة القومية؟
ويجيب ذات الخبير إن واقع الشبكة ومفاتيح التحكم يقول إن الشبكة غير قادرة على نقل هذه الحمولات وإن ذلك سيقود إلى خروجها. ويشرح الأمر بأنه يشابه أن يكون لديك مخزون ملايين الأطنان لكن لديك شاحنة حمولتها عشرة طن فقط.
مذبحة المهندسين
معلومة خطيرة سمعتها أثناء بحثي عن الحقيقة فيما يحدث في ملف الكهرباء، قال لي محدثي المطلع على هذا الملف، هل تصدق أن البلاد فقدت مؤخراً (185) مهندس كهرباء، ليس خريجاً جديداً بل مهندسين كهربائيين تلقوا دورات خارجية لا تقل عن عشر دورات للمهندس الواحد، وحتى يتضح حجم الفقد ومبلغ الخسارة لك أن تعلم إنّ ثمانين من هؤلاء يعملون حالياً بكهرباء منطقة الرياض بالمملكة العربية السعودية وحدها. لكن هل كان الدافع المال؟، يجيب محدثي إن هؤلاء كان لهم التزام حزبي ولم يخرجوا بحثاً عن المال ولا علاقة لذلك بالمفاصلة بين الإسلاميين، بل إن الأمر بحسب محدثي يتعلق بمضايقات واجه هؤلاء جعلتهم يختارون الهجرة. وورد ضمن المهندسين الذي هاجروا المهندس (ح.ع.) الذي وصل لمنصب مدير كهرباء في أحد أهم مناطق السودان، لكنه اضطر للهجرة بعد بعض المضايقات التي تعرض لها.
وهنا يسترجع الدكتور جون جندي التأريخ ويقول إن الكهرباء تعرضت لأكثر من مذبحة من قبل، ويقول إن دكتور محمود شريف، رحمه الله، عندما كان مسؤولا عن الكهرباء رفض إحالة مهندسي الكهرباء من غير الإسلاميين للصالح العام، وإن نتيجة هذا الرفض أن أطيح به هو نفسه، الرجل المختص الإسلامي.
تكلفة الكهرباء
سألت دكتور جون جندي، الخبير والاستشاري في الكهرباء عن تكلفة توليد الكهرباء. قال إن تقرير لجنة الوكيل، اشتهرت اللجنة بهذا الاسم، أشار إلى أن شركة سد مروي لتوليد الكهرباء تبيع الكيلو واط لشركة نقل الكهرباء ب(9 مليم) يعني (0.009) جنيهاً، وإن الأخيرة تبيع الوحدة لشركة توزيع الكهرباء بسعر (3.5) قرشاً، أي ما يساوي (0.035) جنيهاً والتي بدورها تبيع الوحدة للمستهلك بمبلغ تسعة قروش أي (0.09) جنيهاً، فيما تبيع الشركة السودانية للتوليد الحراري تبيع الوحدة بمبلغ تسعة قروش لشركة النقل. يوضح د. جندي أن دخول كهرباء مروي خفض تكلفة الكهرباء بواقع 54% لذلك اقترح اللجنة المعنية (لجنة الوكيل) خفض تعريفة الكهرباء بواقع 30% مع ترك الـ(24%) المتبقية تحسباً لفرق السعر إحتياطياً للتوسع المستقبلي.
إنخفاض البترول عالمياً
يقول د. جون جندي أن أسعار البترول انخفضت عالمياً من 120 دولاراً للبرميل إلى أقل من 50 دولاراً. ويتوقع أن يواصل انخفاضه، لذلك يرى أن ارتفاع سعر الكهرباء أو المطالبة بذلك غير مبرر بحسب منطق الأشياء.
إرتفاع التكلفة الإدارية
في معرض حديثه في برنامج مؤمر إذاعي فنَّد الوزير معز موسى بعض وجهات النظر التي تقول إن تقسيم الهيئة القومية للكهرباء إلى عدة شركات ضخَّم الصرف العمومي والإداري في ما يشبه الصرف غير المبرر الذي يصل إلى حد إهدار المال العام. لكن د. جون جندي يرد على ذلك بأن ثلاث شركات للكهرباء يعني ثلاثة مجالس إدارة بكل مخصصاتها وثلاثة إدارات فنية وثلاثة إدارات إدارية وغيرها من المركبات وصرف الوقود والمستهلكات الأخرى. ويرى إن الهيئة القومية للكهرباء بشكلها المعتاد كانت قادرة على تسيير الأمر بأفضل من ما يجري الآن وبتكلفة أقل.
يقول محدثي الذي طلب حجب اسمه، أنّ وزير الكهرباء رداً على سؤال إنّ كانت شركات الكهرباء أضافت عبئاً على المواطن، قال في برنامج مؤتمر إذاعي "لا بالعكس فيها كفاءات أضافت إضافات حقيقية، ولا يمكن أن ترفع سعر التوزيع ولا النقل ولا التوليد ولا غيره، والتجربة مفيدة وهي صورة أفيّد مما تكون، في مصر هنالك (17) شركة للكهرباء وشركتان للتوزيع". إنتهى حديث الوزير.
وهنا يعضد محدثي وجهة نظر دكتور جون جندي بأنّ دخول شركة يعني مباشرة خلق أعباء مالية وإدارية على المصروفات العمومية والإدارية. ويطرح سؤالاًًًً ويجيب عليه بنفسه، هل يقوم على شركات الكهرباء السودانية كفاءات ومختصون في الكهرباء والهايدرولوجي أم أن الأمر مسنود لغير أهله من حملة الدبلومات نظام السنتين في الديكور والشهادات الجامعية في تخصصات أخرى ليس لها علاقة بالكهرباء، مثل اللغة العربية والترجمة والإنتاج الحيواني والزراعة وغيرها. مع كامل الاحترام لهذه المهن لكنها ليست المطلوبة لقطاع حيوي وتخصصي مثل الكهرباء.
في الحلقة الثانية غداً نتطرق للآتي:
* هل صحيح أن محطة أم دباكر تستهلك 75 مليون دولار في أربعة اشهر؟ وإذا كان ذلك صحيحاًً فكيف تم قبول هذه المواصفات الفنية المكلفة؟ (التيار) ستقدم تضريبات كاملة لهذه الجزئية بحسب معطيات أسعار السوق الحالية.
* ماهو سر شركة المستقبل؟
* الوزارة دخلت في شراكات مع القطاع الخاص ووفرت لهم 70% من التمويل وضمنت لهم التسويق، ألا يعتبر هذا هدراً للمال العام؟
* ماهي قصة الطرف الثالث؟ وكيف يتم التعامل مع كهرباء استادات كرة القدم؟ وهل هناك دعومات كانت تتم عبر منح كهرباء بدلاً عن المال؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق