كوستي الزين عثمان
ينتظر أحمد شروق شمس اليوم التالي فقط من أجل أن تكتحل عيناه بما خطته (صحف الخرطوم) الصادرة هذا الصباح، أحمد المقيم في مدينة كوستي جنوب السودان درج مثل آخرين على الذهاب إلى السوق الشعبي القريب من منطقة سكنه لمتابعة العناوين والتصفح وهو جالس خلف (تربيزة) عتيقة يستخدمها أحد السريحة في ظلال إحدى الأشجار ووسط مجموعة من المكتبات في قلب السوق الشعبي كوستي. أحمد لا يبدو وحيداً في هذا المجال فوصول الصحف المطبوعة بالخرطوم يمثل ميقاتاً يضبط عليه الكثيرون ساعاتهم من أجل معرفة ما يحدث في الدنيا، العبارة يقولها العم (حسين) وهو معاشي ينعت نفسه بالحريص على متابعة الجرائد وبشكل يومي فهو يخرج من منزله قاصداً السوق بغية تحقيق هدف قراءة الصحف واحتساء كوب من القهوة قبل أن يعود حاملاً معه صحيفته الأثيرة في رحلة العودة. الدوائر التي تحيط بأماكن توزيع الصحف في الولايات المتعددة تخبر عن أنه ما زال تأثير الأوراق المكتوبة كبيرا وأن الوسائط الحديثة (واتساب وفيسبوك) يبدو تأثيرها حتى الآن مركزياً خرطوميا. يقول الشاب صديق الناير: "اكتبوا فنحن ننتظر لنقرأكم"، ولكن الشاب سرعان ما يضيف عبارة أخرى: "اكتبوا عنا وعن قضايانا فهي الأولى بأن تصل"، ويكمل: "إن الخرطوم يكفيها ما تناله من اهتمام وهي ذاتها قريبة للحكومة التي تراها كل صباح كونوا عيون من لا عيون لهم". الخرطوم التي تستحوذ على مركزية صناعة الصحف وطباعتها تجد نفسها في المرتبة الثانية من حيث الاهتمام بمتابعة ما يجيء فيها وتترك حق الريادة لمن تنعتهم بعض أدبيات مثقفيها بأهل (الهامش). وكان رجل آخر في منطقة أبعد من الحضر الذي تصله الجرائد تحت فضيلة وجود شارع الإسفلت يمارس انتظار وصول (البص) الذي يقل أهل قريته فقط لأجل عيون الجريدة التي لا يمكنها أن تصل إليه إلا عبر هذا الاتجاه حتى وإن كانت الإذاعات منذ الصباح تبدأ يومها بقراءة ما تخطه أقلام الصحفيين، والقنوات الفضائية تفعل ذات الشيء لكن الأمر المحسوم بالضرورة هو ما يقوله ذلك الشيخ: "الجريدة هي فقط ما قرأته عيناك". الدائرة التي اكتملت لأجل التقاط الصورة تبدو ناقصة ما لم تنقل الجدل الذي يدور حول المكتوب والتعليقات التي تتسم بالحصافة والوعي بكل التفاصيل وقبل كل ذلك تحول أماكن التجمع نفسها لصالات اجتماعية تفتقد الغائبين وتعاودهم
اليوم التالي


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق