الجمعة، 18 سبتمبر، 2015

ساعة أحمد تبرز تساؤلات بشأن إدراك الأشياء المريبة؟


اعتقلت السلطات الأمريكية في تكساس صبيا يبلغ من العمر 14 عاما بعد أن ظنت معلمته بطريق الخطأ أن الساعة التي صنعها الصبي بيديه قنبلة. فمتى يصح لنا أن نصف شيئا ما بـ"المريب"؟
أثارت صور أحمد محمد وهو مكبل الأيدي غضب الكثيرين. وردا على ذلك قالت المدرسة في بيان إنها "تطلب دوما من طلابها والعاملين بها الإبلاغ فورا عن أي أشياء مريبة".
ونسمع نصائح كهذه كل يوم. فعلى سبيل المثال، عند سفرك في قطار في بريطانيا تسمع نفس الرسالة في كل محطة: "برجاء الإبلاغ عن أي شئ لا صاحب له و الحذر من أي أشياء أو سلوك مريب، والإبلاغ عنه لأحد أفراد طاقم القطار أو الشرطة".
ففي الوقت الذي تتزداد فيه التهديدات الإرهابية، يحافظ المواطنون على يقظتهم تجاه أي قنابل محتملة. لكن ما هي طبيعة الأشياء التي نعتبرها "مريبة"؟
تبرز احدى المشكلات في عدم رؤية الكثيرين لعبوات ناسفة حقيقية في حياتهم، فساعة أحمد تتكون من دائرة كهربائية ومزود طاقة متصل بشاشة رقمية بعدد من الأسلاك. وقال أحد الأشخاص : "إنها تبدو لي قنبلة كالتي تظهر في السينما".
لكن كما يظهر من قضية الطفل أحمد محمد، من السهل الحكم على الأشياء بمحض الخطأ.
وقد يلعب تحيزنا أو صراحتنا أو أي شئ آخر دورا كبيرا في ذلك. وقال والد أحمد إن ابنه يعامل بسوء لأنه مسلم. فالاتهامات "التمييزية" تتفاقم مع زيادة الخوف من الإرهاب.
 أحمد محمد في منزله.

سوء الظن

في عام 2011 ارتدى طالب إيراني من جامعة أكسفورد سترة لتخفيف الوزن ضمن نظام رياضي يتبعه، وسرعان ما أحاطت به وحدة الانتشار السريع المسلحة بعد ظنها بالخطأ أنه يرتدي حزاما ناسفا وأنه مفجر انتحاري. وقالت الشرطة إن الخطوة كانت استجابة مناسبة والقرار لم يتخذ على أساس عرقي وحده.
وفي واقعة منفصلة أحاطت الشرطة بمسافر في مطار إدنبره عام 2012 بعد الظن خطأ بأن زجاجة عطر من نوع "سبايس بومب" قنبلة يدوية.
وفي أغسطس/آب هذا العام تسبب أحد المغامرين في إخلاء متحف العلوم في لندن، بعد الظن خطأ بأن شاحنة تنتظر خارج المتحف مكتوب على أحد جوانبها "إيران عظيمة" تشكل تهديدا. وبعد ذلك تبين أن السيارة تخص أسرة كانت تسافر عبر أوروبا في إطار حملة صغيرة تستطلع رأي الناس في إيران.
 سترة الطالب غودارز كاريمي اعتبرت بالخطأ سترة ناسفة.
وفي عام 2007 أغلقت السلطات مساحات كبيرة في بوسطن بالولايات المتحدة بعد أن رصد المارة مجموعة من الأشياء المريبة حول المدينة، منها أسطح سوداء غريبة مثبت عليها أسلاك تضاء على هيئة شخصيات كرتونية كانت جزءا من حملة دعائية.
ولم يرغب أحد في إساءة الظن بشخص برئ واعتباره بمثابة إرهابي. فالوقوع في الخطأ قد يكون محرجا للغاية حتى بالنسبة للخبراء.
لقد حقق الطفل أحمد محمد شهرة بالفعل، لقد دعاه مارك زوكيربيرغ لزيارة مقر شركة فيسبوك. كما دعاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما لزيارة البيت الأبيض.
ومازال هناك الكثير من الانتقادات على الإنترنت. وكتب أحد المغردين على موقع التواصل الإجتماعي تويتر : "الطلبة يستحقون مدرسين يخبرونهم بالفرق بين الساعة والقنبلة".
ويرى كثيرون أن طفلا مثل أحمد يرتدي قميصا عليه شعار وكالة الفضاء والطيران الأمريكية "ناسا"، وميوله لكي يصبح "مخترعا"، ترجح بلا شك كفة التفسير البرئ للحوادث.
لكن المدرسة وعمدة المدينة قالا إن الإجراءات المتبعة كانت صحيحة. فخطر عدم رصد قنبلة حقيقية بالنسبة للبعض يعني تراجع حدود الشك والريب من الأشياء.

إدراك كلاسيكي

وعند اتخاذ قرار بشأن الإبلاغ عن شئ أم لا، يميل الناس عادة إلى النظر بعين "الخطر الكلاسيكية" حسبما تفسر ساندي مان، محاضرة في علم النفس بجامعة سنترال لانكشير.
وعلى الرغم من ذلك تحث الأجهزة الناس على إبلاغ الشرطة عند رصد أي شئ مريب. وترى عبارة مثل :"الحقائب المتروكة بلا صاحب ستصادر وقد يجري تدميرها" مألوفة لجميع من سافروا إلى الخارج في المطارات.
لكن ليس واضحا متى تصبح حقيبة بمفردها قنبلة محتملة وتشكل تهديدا. ولا يفسر لنا مسؤولو الأمن الجوي طرقهم في اتخاذ قرار بشأن التحقيق في شئ يستحق الخضوع لتحقيقات.
فبدون دليل إسترشادي يتعين على أغلب الناس الاعتماد على حواسهم الفردية. وقال سيمون بينيت، مدير وحدة الأمن والسلامة المدنية بجامعة لستر : "الأمر يخضع للإدراك. فأحدهم قد يعتقد أن علبة سجائر فارغة شيئا مريبا".
في الوقع ربما تسببت علب السجائر الفارغة قي إثارة الاضطرابات في ثمانينيات القرن الماضي. لقد كانت هناك فترة يضع بعض نشطاء الدفاع عن حقوق الحيوان أجهزة إشعال صغيرة داخل علب سجائر يضعونها داخل جيوب معاطف مصنوعة من الفراء.
وقد يفترض الناس وجود صاحب لحقيبة ظهر في القطار، لكن ربما يرتابون في صندوق غريب الشكل في حد ذاته.
وأضافت مان : " نحن نحترس بالفعل من الشئ الذي لا صاحب له. وتأتي المرحلة الثانية وهي النظر إلى المكان."

"الاعتماد على الآخرين"

سوف تلعب الأحداث الأخيرة دورا في ذلك أيضا، فبعد تفجيرات السابع من يوليو/تموز في لندن طلب من الناس أن يكونوا أكثر يقظة لتهديدات القنابل بشبكة مترو الأنفاق بالعاصمة البريطانية. وبعد مرور عشر سنوات، لا يزال من المحتمل أن يكون لهذا الهجوم أثر على سلوك الناس.
يقول بينيت: "أنا متأكد من أنه إذا تركت حقيبة ظهر دون صاحب في عربة مترو الأنفاق فإن شخصا ما عند مرحلة معينة سوف يلفت انتباه الموظفين إلى هذه الحقيبة".
يكون سلوكنا الافتراضي في كثير من الأحيان هو عدم القيام بأي شيء تجاه الأشياء المريبة، حسبما قالت مان، ويرجع ذلك بصورة جزئية إلى أن المرء لا يريد أن يضع نفسه في موقف سخيف.
تقول مان: "ليس من عادتنا أن نتعامل مع الطرود المريبة بجدية".
وتشير إلى أن "نشر المسؤولية" أيضا يلعب دورا في ذلك. وفي دراسة تقليدية في علم النفس، وضع الباحثون أشخاصا في غرفة وملؤوها بالدخان ليروا ماذا سيفعلون، ووجدوا أن الأشخاص الذين كانوا بمفردهم كانوا أكثر ميلا لاتخاذ إجراءات من أولئك الذين كانوا برفقة آخرين.
تقول مان: "نحن نعتمد على الآخرين ليخبرونا بما يتعين علينا القيام به في الأوقات التي نكون فيها في حالة شك". وهذا يمكن أن يؤثر على ما إذا كنا سنبلغ عن حقيبة متروكة بلا صاحب في قطار مزدحم أم لا.
لا يمكننا أن نعرف كفاءة الجمهور العام في اكتشاف خطر حقيقي. يقول بينيت إنه من غير الممكن قياس مدى يقظة الناس لأننا لا نعرف عدد الطرود المريبة التي لم يتم الإبلاغ عنها.
في النهاية، نعتقد جميعا أننا نعرف بالأمر عندما يبالغ شخص ما في رد فعله، لكن ما زال من الصعب وضع معيار موضوعي للاشتباه في الأشياء.
BBC