الخميس، 17 سبتمبر، 2015

أبو عركي البخيت: غناء ضد الريح



محمد جميل أحمد
عبر صوته الصافي ذي الرنة الإنشادية العذبة، والتوتر الأوبرالي العميق، طوَّر الفنان السوداني أبو عركي البخيت (1948) تجريباً أكثر حداثة من خلال محاولاته اللحنية، في التعبير عن هوية مدينية لغناء متفرّد؛ ابتداء من أغنيته الشهيرة "مرسال الشوق" إذ اختبر بها ذائقة جديدة لأغنية المكان، التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي قبل دخوله في تجربة جماعية مع فرقة "عقد الجلاد". في تجربة البخيت، نجد إمكانات صوتية متصلة بالخيال الموسيقي للحداثة في ألحانه؛ يندمج فيها فضاء الأمكنة عبر تموّجات لحنية عذبة، برع "عركي" من خلالها في إضفاء أحاسيس مرهفة بحداثة المدينة. موسيقى البخيت وألحانه، التي تمنح السامع شعوراً فاتناً بحداثة ما، أو بالتغيير الذي يحدث في الواقع على أقل تقدير؛ طالما انفتحت على أفق واعد بغناء مختلف، لكن الحداثة في أغنية المكان بدت في تجربته كحالة منقوصة، ربما لم يتسنَّ له إكمالها، بعد الانتكاسة التي أصابت الغناء في السودان منذ عام 1989، وبعد العزلة التي ضُربت عليه، وعلى أغنياته من قبل الفضاء الإعلامي للسلطة هناك. "تبدو الحداثة في الأغنية التي طوّرها في تجربته كحالة منقوصة" كان البخيت في ألحانه، أكثر التقاطاً لروح المدينة؛ لا سيما في أغنيته "جبل مرة "؛ حيث عبّر فيها عن المكان (جبل مرة)؛ بوصفه موضوعة غنائية ذات حساسية جديدة، سواء في طبيعة اللحن أو طبيعة الأداء، أو في الروح التي استلهمت المكان غنائياً، بعيداً عن النمذجة التقليدية للتغني به. كما نلحظ تلك الهوية الجديدة أيضاً، في أغنيته "اضحكي" حيث بدا فيها فضاء المدينة وبعض صورها، ممزوجاً في الأحاسيس بين الحبيبة والمدينة. بالطبع، استمر البخيت كفنان رائد في تحدي الواقع بحداثة موسيقية ولحنية انطلاقاً من فرادته وموهبته، في وجه كل أنماط ترييف الفن والغناء التي تم تعميمها منذ عام 1989، ولكن التهميش جرّاء الوقوف ضد التيار العام، كان قد مسّ الكثير من انتشار أغنيته. لقد كانت قدراته اللحنية، بعمقها وحداثتها وخيالها المركّب، واعدة بتجربة متميزة، لكنها انحسرت، للأسف، عن إنجاز نمط مكتمل وجديد لأغاني المدن انطلاقاً من حداثتها من ناحية، وبناءً على تجربة أغنيتي "اضحكي" و"جبل مرة" من ناحية ثانية. هكذا ربما كاد للفنان أن يسجل ظاهرة لونية فريدة في أغاني المكان، عبر الألحان التي فتح بها أفقاً جديداً وواعداً لهذا النمط؛ لولا تلك القطيعة مع هوية الغناء السوداني. رغم ذلك، يظل البخيت فناناً سودانياً يكنّ له السودانيون تقديراً خاصاً لمواقفه الجريئة، وفنّه الرفيع، وسموّه عن ابتذال الغناء، كيفما كان، والشروط الصعبة التي لا يتنازل عنها في مستوى الأداء، مهما كلفه الأمر، ورغم التعتيم الذي فرض عليه والتضييق الذي مورس ضدّه.
العربي الجديد