الجمعة، 12 يونيو، 2015

هاشم كرار .. بين كأسي وسكوت الآخرين.. كلام!



كما الصناعةُ، ذوق.. كذا الحديثُ، والاستماع.

كان أمامي كأسان من الماء، وكان حلقي ناشفا.

ربما تسألني: لماذا امتدت يدك، إلى هذا الكأس بالتحديد، ورحت تبلل عطشك؟

العينُ، تعشقُ قبل الأذن، في كثير من الأحايين. ما امتدت إليه يدي- باشارة من عقلي- كان أكثر ذوقا فنيا، وأكثر غواية، من الكأس الآخر.

في العقل، حاسةٌ جمالية، وحوارٌ جميل بينه وبين العين. هو أعطى الإشارة لتلك.. والعين -لا أعرف- ما إذا كانت قد أخذها أخذا ذوق الكأس قبل العقل، أم بعده.. أم هما معا اختطفتهما في وقت واحد، كل هذا الذوق الفني في الصناعة، وكل هذه الاناقة.. وكل هذا الجمال!

رحتُ أتملى في الكأس.. كأسي.

من صنعه، كان قد سبقني في التملي، وهو ينظرُ فيه بعين الخيال الخلاّق، وهو يومذاك كان مجرد فكرة تلوحُ ولا تلوح، ثم تلوحُ تتراقص، وهي لا تزال مواد أولية!

من سبقني في التملي، لم أغب عنه أنا، ولا أنت، ولا أي من المستهلكين. كنا كلنا حضورا، وكان الكأس، مجرد فكرة. 

كان في بال الصانع أن يغوينا جميعا-والصناعة من بدايتها إلى نهايتها غواية- وعادة لن يغوينا.. لا أنت ولا أنا ولا أي من كان- إلا كل ماهو جميل.. وفتان، وما يثيره فينا، مثل هذا الشيء الذي يثيره فيني الآن، الآن.. هذا الكأس، ولا أدري له كنها.. ولا أستطيع أن أحتويه، وهو الذي ليس له أول ولا... ولا آخر!

مثل هذا الكأس الذي يجالسني وأجالسه، وأنا أحسُّ تجاهه بنوع غريب من المحبة، هم البشر الذين تحسُ أنت إزاءهم بمثل هذه المحبة، إذ هم يجالسوك وتجالسهم، وأنت تحس بنوع غريب من الإمتاع والمؤانسة،ذلك ببساطة لأنهم حين يتحدثون تتمنى أنت ألا ينقطع حديثهم، وحين يصمتون، تكتشف أن في صمتهم نوع آخر من الكلام، لا أنبل ولا أجمل ولا أروع!.

الكلام، صناعة..

وهو قبل الاسترسال فيه، مجرد فكرة تلوح ولا تلوح، ثم، تلوح,, تتراقص في ذهنك، فأحرص يا صديقي ان تخرج أفكارك تتراقص، لتراقص كل أذن، تانغو.. تانغو.. تانغوّ!

في الصمت أيضا، رقص.

آآآآه.. ما أجمل الكلام الساكت.. ما أجمله حين يتراقص في العينين، ويراقص،، وكل الكائنات في هذا الكون العجيب، ترخي أذانها للصمت.. وفي الصمت- كما قيل قديما- كلامٌ!

الوطن القطرية