الجمعة، 4 سبتمبر، 2015

تاكسي السودان “إمبراطور” يغادر عرشه


“الإمبراطور الذي فقد سطوته” هكذا بدأ السودانيون يمازحون أصحاب سيارات الأجرة (تاكسي) في شوارع العاصمة الخرطوم. فالتاكسيات تكاد تختفي من العاصمة بسبب ظهور جيل جديد من المواصلات الحديثة والسريعة والرخيصة الأجر.
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان الركوب في سيارة تاكسي دليلاً على الثراء. ومن الصعب على مواطن ارتياد التاكسي، خصوصاً أنّ أجرته قد تعادل أجرة استقلال حافلات النقل العام طوال شهر كامل.
وبما أنّ موظفي الدولة كانوا الأعلى أجراً في ذلك الحين، فقد كانوا أكثر ركاب التاكسيات. وبالإضافة إليهم هنالك أصحاب الأعمال الكبرى وزائرو البلاد من الأجانب والمغتربين.
وبلونه الأصفر كان التاكسي حتى مطلع التسعينيات من أهم صور العاصمة المميزة. لكن، مع ظهور سيارات أمجاد (ميكروباص) التي استوردت خصيصاً لنقل البضائع، وتم استغلالها في نقل الركاب، تراجع مستخدمو التاكسي. وتميزت سيارات “أمجاد” بالخفة، فحجمها الصغير يساعدها في الانتقال برشاقة في الطرقات المزدحمة، فضلاً عن تعرفتها المنخفضة.
ولم يتوقف الأمر على “أمجاد”، فقد ظهرت أخيراً سيارات الليموزين المكيفة، وعربات الركشة (توك توك) لتوجه ضربة قاضية إلى التاكسي.
ومع ذلك، فقد حمت السلطات في الخرطوم سيارات تاكسي المطار من هجمة السيارات الأخرى. واستمر عمل التاكسيات وحدها في المطار حفاظاً على تاريخها.
من جهتهم، فإنّ سائقي التاكسي المنتشرين في العاصمة على قلتهم، هم من كبار السن الذين يتمسكون بسياراتهم القديمة “كورولا” التي تتراوح طرازاتها بين عامي 1976 و1983. يمضي هؤلاء نهارهم تحت أشعة الشمس الحارقة بحثاً عن الزبائن من دون كلل.
يقول سائق التاكسي محمد (63 عاماً) لـ”العربي الجديد” إنّه قد يعود إلى منزله من دون أن يظفر براكب واحد، ومع ذلك، يؤكد أنّ هذا لن ينتقص من سعادته بعمله الذي سيعود إليه في اليوم التالي بكلّ نشاط. ويضيف: “عملت في التاكسي منذ السبعينيات وحتى اليوم. لم أفارق سيارتي التي أصبحت جزءاً من حياتي. التاكسي صديق من لا صديق له. وعند سائق التاكسي يفرغ الناس همومهم”. يتابع: “في التاكسي يجد الراكب وقتاً لسماع الإذاعة وقراءة الجرائد، وبالنسبة لي أصبح شائف التاكسي ملماً بما يدور في البلاد”.
وبالفعل فقد اعتاد سائقو التاكسي الاستماع إلى أحاديث أنواع مختلفة من الناس. فالكثيرون يبثون لهم همومهم، ويطرحون القضايا العامة أمامهم. فيصبح السائقون ملمين بالحياة العامة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. ويقول السائق سيد (65 عاماً): “سائقو التاكسي مستمعون جيدون لهموم الناس. ويستحيل أن يركب معك شخص ولا يقص عليك حياته الخاصة”.
ومع ذلك فالبعض يهجر التاكسي بالكامل. ومن هؤلاء عبد الله (50 عاماً)، الذي يقول إنّه اشترى بدلاً منها سيارة “أمجاد” بعد أن ضاق به الحال. يقول عن ذلك: “طوال أسبوع خرجت للعمل على التاكسي من دون أن أعود إلى المنزل بجنيه واحد، رغم أنّي كنت أحاول أن أعمل ليلاً بعد أن تخف حركة أمجاد، خصوصاً أمام المستشفيات، حيث يضطر الركاب إلى طلب التاكسي”. ويضيف: “في يوم مرضت زوجتي ولم أستطع تأمين أجرة الطبيب من عملي. وفي ساعة غضب بعت التاكسي، وبعدها نجحت في شراء أمجاد بالتقسيط.. والحمد لله مع أمجاد لا نجوع”.
من جهتهم، يفضل الركاب أيضاً سيارات “أمجاد” على التاكسيات. وتقول الطالبة لمياء: “بالتأكيد لن يكون التاكسي من ضمن خياراتي لأنه بطيء جداً، وعادة ما يكون السائق متقدماً في السن ويسير في خط واحد لا يمكن أن يغيره، بسبب نمطيته”.
أما الموظفة سلافة فتؤكد أنّها من أنصار التاكسي. وتقول: “صحيح أنّ التاكسي بطيء، لكنّ إحساس الأمان هو مع سائق التاكسي، لأنّه شخص مسؤول ووقور وغير متهور بعكس الشباب من أصحاب سيارات أمجاد الذين يقودون بتهور”.
بدورها، تقول الأستاذة في علم الاجتماع أسماء محمد إنّ ارتباط البعض بسيارته التاكسي يعود للظروف المحيطة بالمهنة. وتوضح: “عندما ظهر التاكسي في السودان لم تكن وسائل المواصلات متوفرة. كما كانت مهنة التاكسي منظمة ومجزية في الوقت نفسه. وكلّ جميل يبقى عالقاً عادة وليس من السهل اختفاؤه”. وتضيف: “لذلك نجد أنّ سائق التاكسي الذي عايش الزمن الجميل يرتبط به وجدانياً، ولا يمرّ في مخيلته إطلاقا أنّ المهنة قد تنهار، فيتمسك بها حتى في حال لم تكن مجزية، وسيقنع نفسه بأيّ مبرر حتى لا يتوقف عن ممارسة المهنة التي يدافع عنها باستماتة في لا وعيه”.