الخميس، 24 مارس، 2016

"خارطة الطريق" الأفريقية تعمّق الأزمة السودانية

أدت "خارطة الطريق" التي اقترحتها الوساطة الأفريقية على الفرقاء السودانيين، والتي تتعلق بالحوار الوطني وإلحاق القوى الممانعة به فضلاً عن إيقاف الحرب في إقليم دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، إلى أزمة جديدة بين الفرقاء السودانيين، بعدما وقّعت عليها الحكومة منفردة، فيما رفضت قوى معارضة التوقيع عليها وبادرت إلى اتهام الوساطة بالانحياز لرؤى الحكومة بتبنّي مقترحاتها في الخارطة.
فيوم الجمعة الماضي، التأم اجتماع في أديس ابابا دعت إليه الوساطة الأفريقية برئاسة ثامبو أمبيكي، وأطلقت عليه "اجتماعاً استراتيجياً"، ضم الحكومة السودانية و"الحركة الشعبية-قطاع الشمال" وحركتي "العدل والمساواة"، و"تحرير السودان" بقيادة مساعد رئيس الجمهورية السابق مني أركو مناوي، فضلاً عن حزب "الأمة" المعارض برئاسة الصادق المهدي، لوضع نقاط تُمكّن تلك الأطراف من المشاركة في الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس السوداني عمر البشير قبل عامين وقاطعته تلك القوى إلى جانب قوى معارضة أخرى، بهدف التوصل لاتفاق ينهي الحرب في مناطق النزاع.
استمرت تلك الاجتماعات لمدة ثلاثة أيام متتالية اتسمت بتباعد المواقف بين الفريقين، بينما اتفقت المعارضة المشاركة في الاجتماعات على رؤية موحّدة، حملت المطالب نفسها للمعارضة التي استُثنيت من اللقاء بسبب طلب الحكومة ذلك. وفي الاجتماعات رفضت الحركات المعارضة وحزب "الأمة"، محاولات الوساطة الأفريقية والحكومة اعتبار ذلك اللقاء كبديل للمؤتمر التحضيري الذي أقره مجلسا الأمن الدولي والسلم الأفريقي ليضم كافة القوى السودانية بلا استثناء في مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا للاتفاق على شكل وهيكل وأجندة الحوار الوطني قبل انطلاقه في الداخل. وهي نقطة عجّلت بانهيار المفاوضات، على الرغم من توقيع الحكومة على خارطة أمبيكي التي طرحها على الأطراف ككتلة واحدة لا تقبل التعديل. وقالت مصادر في أديس أبابا، لـ"العربي الجديد"، إن المعارضة طلبت من الوساطة مهلة أسبوع لدراسة الخارطة وإجراء مشاورات حولها قبل التوقيع عليها، إلا أن الأخيرة آثرت المضي قدماً بقبول توقيع الحكومة السودانية على الخارطة بشكل منفرد، ومن ثم انتظار رأي الطرف الآخر. وبحسب المصادر، فقد قدّمت المعارضة ورقة لأمبيكي تحمل ملاحظات حول الخارطة وتحدد رؤيتها من القضايا مجتمعة. وذكرت المصادر أن المبعوثين الغربيين الذين زاروا مقر الاجتماعات في أديس أبابا دخلوا في اجتماعات مع المعارضة في محاولة للضغط عليها، لافتة إلى أن أهم التحفظات تركّزت على إصرار الخارطة على الاعتراف بالحوار الوطني القائم حالياً في الخرطوم والذي قاطعته معظم فصائل المعارضة الرئيسية، والتمسّك بالمؤتمر التحضيري للاتفاق على القضايا الأساسية في ما يتصل بالحوار، فضلاً عن تحفظات حول إصرار الورقة على أن تُبنى الاتفاقات بشأن النيل الأزرق وجنوب كردفان وإقليم دارفور وفق الاتفاقات السابقة، في إشارة إلى اتفاق الدوحة لسلام دارفور وبروتوكول منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان الوارد في اتفاقية السلام الشامل التي وقّعتها الخرطوم مع "الحركة الشعبية" في العام 2005 وكانت نتيجتها انفصال الجنوب. وهو أمر رفضته الحركات بشدة.
ويؤكدون أن الحكومة حققت بذلك مكسباً سياسياً، ولا سيما أن الخطوة من شأنها أن تزيد من الضغوط الدولية والإقليمية على القوى المعارضة وتحديداً الحركات المسلحة، لحملها على التوقيع على الخارطة، خصوصاً أن المجتمع الدولي لا يريد أن يدخل السودان في دوامة عنف جديدة، وينتظر من الخرطوم القيام بأدوار في المنطقة بمحاربة الإرهاب. ويرى المحلل السياسي أحمد ساتي أن المجتمع الدولي وخصوصاً الغربي، ينتظر من الخرطوم القيام بأدوار مهمة في ما يتصل بمحاربة الإرهاب والتطرف، فضلاً عن الحد من عملية الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ما يزيد من مصالح الغرب مع الحكومة السودانية ويجعله يغضّ الطرف أحياناً عما ترتكبه، متوقّعاً أن يعترف المجتمع الدولي بالحوار القائم في الخرطوم ويضغط على الرافضين ليكونوا جزءاً منه. ويضيف: "أعتقد أن المعارضة ستُرغَم على التوقيع آجلاً أم عاجلاً، وإلا فإنها ستضع نفسها في مواجهة مع المجتمع الدولي والإقليمي، فيما الوقت والظروف غير مناسبة لذلك". وكان أمبيكي قد رحّب، خلال مؤتمر صحافي عقده بعد التوقيع الحكومي على الخارطة، بهذه الخطوة، واعتبرها التزاماً حكومياً بتسريع المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار في إقليم دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. وأعلن أنه سيرفع تقريراً للاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن بما تم، في إشارة إلى التوقيع الحكومي على الخارطة بشكل منفرد. لكنه رجّح أن تُوقّع المعارضة على الخارطة بعد انتهاء المهلة التي طلبتها للتشاور، مؤكداً أن الخارطة تفتح الباب لإنهاء الحرب والاقتتال في البلاد، ومشدداً على أنه "لا يمكن تأخير السلام والحوار وإطالة عمر معاناة المواطنين أكثر". أما الوفد الحكومي المشارك في اللقاء، فسارع للتأكيد على أن الخارطة اعترفت بالحوار القائم في الخرطوم، مشدداً على عدم وجود حوار بديل، ولا سيما أن الحركات المعارضة سبق أن طالبت بحوار ثانٍ، باعتبار أن الحوار القائم حالياً لا قيمة له لغياب الفصائل الرئيسية عنه، وهو حوار تشارك فيه الحكومة وحلفاؤها فضلاً عن أحزاب معارضة ليست ذات وزن باستثناء "المؤتمر الشعبي". وأكد وفد الحكومة أنه وقّع على الخارطة على الرغم من تحفظاته عليها، لحرصه على إنهاء الحرب، ولا سيما أن الخارطة طاولت القضايا الأساسية التي تمهّد للانطلاق نحو الاتفاق بصورة سلمية وموضوعية وعملية ومهدت للحوار. وطالبت الخارطة الجديدة باستئناف فوري للمفاوضات حول إقليم دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، للاتفاق على وقف الأعمال العدائية وإطلاق النار، على أن يتزامن ذلك مع اتفاق يؤدي لإيصال المساعدات للمتضررين من الحرب بشكل عاجل. ودعت إلى تشكيل لجان مشتركة لضمان تنفيذ اتفاق وقف النار والترتيبات الأمنية والإجراءات السياسية، على أن تُناقَش القضايا السياسية ذات الطبيعة القومية في سياق الحوار الوطني. وشددت الخارطة على ضرورة الاعتراف بالحوار القائم في الخرطوم، وفي الوقت نفسه أقرت أنه ليس شاملاً بشكل كافٍ، واقترحت لقاءً يجمع الأطراف المشاركة في الاجتماع الحالي ولجنة السبعة الخاصة بالحوار الوطني في أديس أبابا لتعرض الأخيرة ما توصلت له من توصيات، وتأخذ ملاحظات تلك القوى. "يعتقد خبراء أن الخطوة برمتها عمّقت الأزمة السودانية ما سيقود لتفجير الوضع" ويعتقد خبراء أن الخطوة برمتها عمّقت الأزمة السودانية، ما سيقود لتفجير الوضع، كما يرون أنها أضاعت آخر فرص الحوار، معتبرين أن أمبيكي استعجل النتائج وكان بإمكانه إرجاء التوقيع. ويقول الخبير السياسي إبراهيم عبدالله، إن الخطوة وضعت المعارضة في خانة تجعلها تفعل أي شيء لتؤكد على وجودها، ما يُنذر بتفجّر الأوضاع والعنف، خصوصاً بعد تواتر معلومات حول اتهامها من قِبل المبعوثين الغربيين بالضعف، مشيراً إلى أن ذلك يُنذر بمواجهة عسكرية وسياسية عنيفة، فضلاً عن أنها ستطلق يد الحكومة لتطيح بمعارضيها بشكل أكبر، مضيفاً: "سنسمع بقرارات تصنيف الحركات المسلحة كإرهابيين". أما الخبير المتخصص بملف الأحزاب السودانية خالد التجاني، فيرى أن القضية برمتها عبارة عن لعبة واستمرار لفشل الأطراف السودانية في حل الأزمة، واستخدام قضية الوطن في الصراع على السلطة من دون الأخذ بعين الاعتبار وضع المواطن وما يدفعه من ثمن جراء الحرب. ويلفت إلى أنه "منذ بداية المفاوضات في العام 2011، نجد الحكومة توافق على وثيقة ترفضها المعارضة، والعكس، كما أن الوسطاء الأفريقيين يساهمون في استمرار المفاوضات العبثية كي تستمر مهاهم". وأضاف: "الطرفان يُفقدان البلاد معنى الدولة المستقلة ويبحثان عن داعم لمواقفهما في الخارج، ويتواطآن لتسليم مصير السودان لقوى خارجية لتلعب فيه كما تشاء".
العربي الجديد