الجمعة، 21 أغسطس 2015

السودان… الكرة في ملعب الشعب



الإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يخلق للمتعة كما الأنعام، بل خلق لعبادة الله ولأن يكون خليفته في الأرض، والثابت أنه لن يحقق ذلك ما لم يكن له صوت وفاعلية في محيطه ورأي وحس وشعور بالانتماء لوطنه، وأن يتحرك ويتفاعل مع ما حوله استنادا إلى هذه القــــيم وليس سواها من إغراءات. 
واحدة من أهم قيم الإنسان تكمن في وضوحه وشجاعته في التعبير عن رأيه، وعليه فإن التاريخ لا يُمكن أن يكتبه الخاضعون والمستسلمون. الذين يتصدون عادة لكتابة التاريخ لهم مواصفات تميّزها هذه القناعات المذكورة. باختصار، كان هذا إيجاز لما ورد في ردي على سؤال من بعض الأصدقاء في إحدى الجلسات الروتينية، وهم أستاذة تختزن عقولهم الكثير من الأفكار الوطنية النيرة والطموحة، التي من شأنها إحداث التغيير المطلوب في المشهد السوداني، الذي يتمناه الناس كافة هذه الأيام.
الحقيقة معظمهم خبراء، كل في مجاله؛ اقتصاديين واعلاميين ودبلوماسيين وأكثريتهم خاضوا غمار السياسة فكراً وممارسة، ودخلوا دهاليزها وعلمتهم الحياة عبر تجارب ثرة وحافلة بالإنجازات.. ولكن بكل أسف جميعهم شردتهم منعرجات السياسة السودانية، التي أفرغت البلاد من مواطنيها وقذفت بالملايين من أبناء الشعب السوداني في المنافي الإجبارية البعيدة، التي من بينها هذه البلاد التي تموت من البرد حيتانها، كما يحلو للأديب الراحل الطيب صالح «طيب الله ثراه» أن يسمي المملكة المتحدة، علما بأنه كان صديقا لعدد من رواد هذه الجلسات وللأسف هو الآخر شرد ومات محزونًا بالهم السوداني.
انصب الحوار حول ما يمكن أن يحدث في السودان في ظل التعقيدات الحالية، ودار نقاش عميق عن مآلات الأوضاع.. وقد بلغ الحال بالسودانيين درجة من الإحباط، فالوضع الاقتصادي في تراجع والأمني يتدهور والبلاد تعيش حالة من الانسداد السياسي، الذي تعطلت معه عملية الحوار الوطني، الى درجة غير مسبوقة، وقد التبست مجريات السياسة لدى الكثير من السودانيين وبينهم عدد كبير من عقلاء حكومة الإنقاذ، بعد أن ظهرت علامات كثيرة لمستقبل قاتم ينتظر الجميع وبلا استثناء، بفعل استشراء الفساد في مفاصل الدولة وتعطيله لمشاريع التنمية القديمة «كمشروع الجزيرة»، والمشاريع الجديدة «كما هو الحال مع سد مروى الذي يتباهي به أهل الأنقاذ، بل يعتبرونه أحد أهم إنجازاتهم طوال ربع قرن من الزمان»، وعدا عن ذلك الكثير من الاخفاقات، وأخطرها استفحال النعرات الجهوية والقبلية العنصرية.
الشاهد أنه لم تجتمع من قبل كل أسباب الإطاحة بأي نظام سوداني مثلما هو الحال الآن مع نظام الإنقاذ، وقد لا يختلف اثنان بأن هذا النظام استوفى كل الشروط لقيام غضبة شعبية للإطاحة به «لكنها لم تحدث إلى الآن».. وهنا يمكن السؤال.. لماذا لم تحدث؟ وهذا ما سنحاول الإجابة عليه.
يقولون إن الفساد توأم الاستبداد، ومعلوم أن الفساد موجود في كل زمان ومكان، ولكن أخطر أنواع الفساد هو ذلك النوع الذي يكون برعاية وإشراف الدولة، وهذا هو سر بقاء حكومة الإنقاذ في السلطة، لكونها استطاعت أن تشتري ذمم أعداد كَبِيرَة من السودانيين بينهم زعماء قبائل وعمد ومشايخ وقادة أحزاب ورموز مجتمع وعدد كبير من قادة العمل الطلابي والشبابي، والأخطر أنها استعانت بعدد من الكتاب واسندت لهم مهمّة تثبط همة الشعب السوداني وقتل روح النضال فيه وإشعاره بخطورة التفاعل مع فكرة الإطاحة بالنظام بحجج متعددة أهمها عدم جاهزية البديل، وبذلك استطاعت أن تمتلك مفاتيح لعبة الحكم.
وكما هو معروف لا يخلو أي مسرح تنافسي، أيا كان وفي أي مجال، من درجة ومدى فاعلية اللاعبين في التأثير، وهنا علينا أن نقر بذكاء نظام الإنقاذ وامتلاكه خيوط لعبة الاستبداد، التي لم تكن لتحدث لولا توأمتها مع الفَسَاد، وفي ذلك تجسيد للمثل الفارسي الشهير: «استعمل يد عدوك لكي تقبض الثعبان؟!»، فعلا الإنقاذ قبضت على الثعبان من رأسه وتبدو غير مهتمة لبقية جسده المتمثل في الصوت المستغيث من أبناء الأمة السودانية المنهكة في الأطراف، خاصة في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان التي يعاني سكانها هذه الأيام كل صنوف المعاناة والتهميش وانعدام الأمن، والذي يسيء أن عددا غير قليل من أبناء الوسط المثقفين يختزلون رؤيتهم للأمن القومي بحدود المدن المكونة للعاصمة السودانية، ويفوت عليهم بأن هذا النوع من التفكير هو أحد أهم أسباب الصراعات الجهوية والقبلية التي عمت البلاد. كثيرون تعللوا بعدم وجود البديل المناسب لكي يتفاعل الشعب مع فكرة الإطاحة بالنظام، ولكن التجارب تؤكد أنه كلما طال أمد أي نظام قمعي في الحكم، كانت عملية التغيير أكثر دموية، ولنا في ذلك نماذج في كل دول الربيع العربي، التي شهدت ثورات، علماً بأن البلاد العربية التي تغيرت أنظمتها وتلك التي تشهد صراعات عنيفة حاليا لم تكن تحفل بهذا الكم الهائل من الاسلحة والنزاعات العرقية والاستقطابات الجهوية التي تغطي اليوم كل أرجاء السودان.
والمؤكد كذلك أن الركون للتاريخ والأمجاد، بذكر ما تحقق من ثورات سابقة لن يفيد في تغيير معطيات الراهن السوداني، بينما الذي يفيد إذا اقتنع الشعب بفكرة أن التغيير، هو تجديد روح الثورة والاستعداد للفعل النضالي وعلى السودانيين أن يتذكروا أن رواد ثورتي اكتوبر 1964 وابريل 1985 سددوا ضريبة الوطن كاملة «تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم»، ويجب عليهم أيضا أن يتذكروا بأن البدائل لم تكن مطروحة أصلا بتفاصيلها الدقيقة عندما قامت تلك الثورات.
صحيح أنه لم تعد هناك أي سيادة للاحزاب السياسية على الشارع السوداني، بينما الكلمة في بقاء النظام من عدمه لا تزال ملكا للشارع ذاته الذي عمدت الحكومة إلى ترهيبه وتخويفه من «هاجس» البديل، وهذه القضية أشبه بقصة «ساقية جحا» التي تأخذ من ماء البحر وتعيده إليه.. وهنا يكمن سر تخوف عامة الناس من أن تقود عملية التغيير للدوامة التاريخية «انتقاضة، حكومة ديمقراطية ثم انقلاب..»؛ بينما يرى آخرون أن هذا التبرير خاطئ، وكذبة روّج لها النظام وصدقها الشعب.
السودانيون بهوانهم هذا استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، صحيح أنه خيار ديمقراطي ولا جدال في ذلك؛ بل ليس من حق أي جهة في الوجود أن تحول هذا الواقع ما لم يقتنعوا هم أولا بالتغيير؛ ولكن المؤكد أنهم وبسلبيتهم هذه كانوا أحد أهم أسباب الدمار الذي حاق بالبلاد، بركونهم لفكرة بقاء هذا النظام في السلطة تعللاً بضعف البدائل، علما بأنه أكثر نظام تجاوز ارادة الشعب في تاريخ السودان وذلك بفصله لثلث مساحة البلاد.
بوجيز الكلام.. أن نظام الإنقاذ استطاع تحييد بعض أدوات التغيير، ولكن بقاء الحال على ما هو عليه سيكون أكثر خطرا على مستقبل البلاد وأمنها واستقرارها ووحدة أراضيها، وهذا يقود للتذكير مرة أخرى بما أوردناه سابقا بأن التاريخ الأقرب إلى الحق عادة يكتبه من يتحلّون بالروح الوطنية والقناعات المذكورة، ولا ينظرون لأي مكاسب ذاتية تصلهم بإمرة السلطة.
ختاما، وبصراحة لن يحدث التغيير المرجو ما لم تعبئ الأمة السودانية قواها وتتحرر من مخاوفها وتنسى فكرة العيش على أمجاد السابقين، وأهم من ذلك كله أن تتفاعل مع فكرة بناء وطن جديد يسع جميع المكونات العرقية ومن دون عزل.. والكرة في ملعب الشعب!



خالد الاعيسر
صحافي سوداني مقيم في لندن