الاثنين، 24 أغسطس 2015

الكابلي في بوح خاص من بلاد العم سام: هؤلاء (….) يحبونني موتاً وأولئك يحبونني حياةً..لماذا يستعجلون على رحيلي


في مساء ليلة فيرجينية ماطرة ببلاد العم سام وفي صحبة نجله الهميم سعد زرت الفنان العظيم عبد الكريم الكابلي في منزله، عندما تجلس اليه تشعر أنه امام قامة فنية لا مجرد مطرب عادي، فهو يحلق بك في سماوات الابداع تماماً كما يغرقك في بحور فكره العميق ليس فقط لصوته الشجي العذب ولا لحضوره الطاغي ولكن لأنه فنان شامل يملك حساً فنياً وانسانياً مرهفاً ومخزوناً ثقافياً متنوعاً.
لم يدهشني أبدأ انه يملك حساً أدبياً يعبر عنه بمفردة رصينة ومعرفة واسعة بل كنت على دراية مسبقة بأن الفنان الحقيقي هو ذلك الذي يوظف قوته الناعمة بالغة التأثير أينما حل، وهذا ما رأيته في الكابلي الرجل الذي لا يزال ينهل من عطائه الزاخر صوتاً ولحناً وكتابة ودعماً للأجيال ورغم بعده عن وطنه الا انه لا يزال أكبر منتم لحزب السودان الكبير كما يقول فالى ما قال.

بداية الكثير من الناس يتشوقون لسماع أخبارك والاطمئنان عليك ليس فقط لابتعادك عن اهلك وجمهورك ووطنك ولكن بسبب شائعات عن رحيلك فماذا تقول؟
موضوع الاشاعات بموتي تكرر كثيراً، هناك من أشاعوا خبر موتي أكثر من مرة، لكن هذه المرة ازعجت الكثير من الناس وازعجتني ايضاً لأنها أقلقت أحبابي الذي ظلوا يتصلون بي ويسألون عني وعندما أرد عليهم ينفجرون في نوبة من البكاء، فكان هذا امر مؤثر تأثيراً كبيراً ولا اعرف ما يستفيدون من ذلك؟ ولم يستعجلون على رحيلي؟ فهؤلاء كأنهم يقتلونني وأنا حي ارزق..

فعلاً هذه المرة الخبر انتشر أكثر من سابقاتها ما السبب في رأيك؟
رد ساخراً: كلما سألني أحد عن اشاعة خبر موتي أرد من يكتبون ذلك هم أيضاً يحبونني مثلكم ولكن هم يحبونني موتاً وأنتم تحبونني حياةً فيضحكون، واقول ذلك كي أخفف عنهم بالبطع، وفي كل الاحوال الموت قادم قادم، ولو كنتم في بروج مشيدة، لا ماحلة واللهم أحسن خاتمتنا جميعاً.

بعدما نطمئن أحبابك وجمهورك عليك من المؤكد أنهم يرغبون في معرفة آخر أخبارك الفنية؟
كنت منشغلاً في الفترة الاخيرة في وضع اللمسات الاخيرة لكتابي الجديد (ألحان لا تشدد) والكتاب عبارة عن مذكرات بدأت كتابتها عام 2002م وهي مجرد تسجيل لبعض الموافق الحياتية التي مرت علي من أجل استخدامها كمصادر مستقبلية لأن الذاكرة تشيخ مع تقدم العمر وكنت امني نفسي بأن أسجل هذه الاشياء حتى اعود لها اذا بدأت أنسى، ولكي يستفيد منها الناس من بعدي رغم أنني لم اكن قد قررت نشرها في ذلك الوقت.

ما هي اهم النقاط التي ركزت على ايصالها من خلال هذا الكتاب خاصة انه ليس كتابك الاول؟ ما الذي حاولت اضافته في هذا الكتاب؟
كتبت عن اهتماماتي من زاوية الفن كلها، وباختصار شديد حاولت من خلال سرد مواقفي وتجاربي وايصال رسالة رئيسية مفادها انني شاكر للخالق العظيم بأن وهبني بموهبة الفن ولم يجعلني سياسياً محترفاً.

هناك من يطلق عليك الفيلسوف الفنان ما السبب في رأيك؟
رد مبتسماً: كتبت كتاباً من قبل باللغة العربية اسمه (فن وتأمل) وحاولت اكمال ما بدأته عن قيمة الفن المعرفية في كتابي الجديد الصادر باللغة الانجليزية (ألحان لا تشدد) وطرحت سؤالاً حاولت أن أجيب عليه هو: لماذا لا يقدر الناس على معرفة الفن كقيمة حياتية، وانتهيت الى نظرية الدائرتين: الدائرة الاولى عن 7 أو 8 من بينها الكلمة واللحن واللون والحركة وكل واحدة منها تمثل مظلة لكل ما يتصل بها وهذه هي دائرة ما نعرفه عن الفنون وهي أشياء ملموسة، بمعنى اننا نقدر على أن تعامل معها أو ارجاعها لأصولها، أما الدائرة الثانية حيث تلتقي كل الفنون في دائرة واحدة وهو ما يجعل الامر أقرب الى الاستحالة اذا لم يكن كذلك، وهو معرفة تأثير الفنون على الاشخاص، وهذا ما أؤمن به في نظرية الفن، لذلك هناك من يقولون عني ذلك.
هناك من يختلف معي في الرأي فيقول لي تأثير الفنون معروف وأطلب منه أن يبرهن لي ذلك فلا يستطيع لأنه لا يمكن وضع أو حصر تأثير الفنون في معادلة علمية ثابتة أبداً فمثلاً يمكن لفتاة رقيقة المشاعر أن تذرف الدموع اذا ما استمعت لعزف على الكما، وهذا رد فعل قد لا ينطبق على شخص غيرها، وقد لا ينطبق على ذات الفتاة بعد فترة من الزمن، لهذا أقول دائماً بأن مسألة التأثر بالفنون المختلفة لا يمكن وضعها في معادلة علمية ثابتة، فالتأثر الحسي لا منطق له ولا قاعدة له، وجانب التأثيرهذا لا تعرفه حكومات ولا حتى الدول الكبرى التي تقدر الفنون وتكرم الفنان لأن القضية مرتبطة بعلم النفس ومشاعر الانسان.

لماذا في رأيك هناك دول تقدر الفن واخرى تهمل ارثها الفني والثقافي؟
الدول التي تقدر الفن والفنانين نفسها لا تعرف هذا السر المتعلق بالتأثر بالفن، لكنها احترمت الفن لأنها تدرك قيمة الفنان الحقيقي، وانه جزء من قيمة الدولة نفسها بين بقية دول العالم الاخرى.

رأيت كثيراً من الفنانين السودانيين يمتهنون مهناً أخرى هنا في الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن مجالهم، ما تعليقك على ذلك؟
صمت قليلاً ثم تحدث بنبرة حزينة: بلادنا كانت قاسية على مبدعيها هذه حقيقة لا يمكن نكرانها أو اغفالها وهذه القضية خطيرة لأبعد الحدود وتتصل بعدم معرفة الفن كقيمة في حياة الناس لأن خروج فنان مبدع بمعنى الكلمة من وطنه بهذا العدد، يعتبر جريمة في حق الجهات التي تسببت في ذلك وهذه قضية كبيرة لأن الفنان مكانه وطنه وبيئته، هي التي تشكل وجدانه بعد ذلك لا بأس من السفر وخوض التجارب على أن يكون مستقره وطنه، لن دور الفنان توعوي من خلال رسالته في تقديمه لفن حقيقي يخاطب به مشاعر الناس ويشكلها بجوانب جمالية ويعبر عنهم في أفراحهم وأتراحهم.

هل لديك شعور بأن الفنان السوداني غير مقيّم داخل وطنه؟
رد سؤالي بسؤال آخر: اذا مقيمياً فلماذا يغادر اذن، ولماذا يرحل؟
السياسة بالطبع لها تأثير على علاقات وانطباعات الشعوب، ما الدور الذي يمكن أن تقدمه من خلال فنك ووجودك في الولايات المتحدة بين بلدك ودولة اقامتك خاصة انك كنت سفيراً للنوايا الحسنة في الامم المتحدة؟
اعظم اداة للتواصل بين الشعوب هي الفن، فالتواصل الفني بالغ التأثير ويلعب دوراً كبيراً في تعريف ثقافات الشعوب ومن خلال وجودي هنا في الولايات المتحدة لاحظت أن مسألة الانطباعات التي تخلفها السياسة يمكن تجاوزها وبصورة عامة ورغم غياب الجناب الاجتماعي والاسري بعض الشئ لدى الشعب الامريكي، انه ان الشارع الامريكي ودود وطيب ولطيف وغير عدواني والكثيرون منهم لديهم جوانب انسانية عالية، الحكومات بالطبع تبحث عن المصلحة والسياسة تغلب عليها قضية المصالح سواء كان في أمريكا أو أوروبا أو الدول العربية، وهنا يأتي دور الفن في ابقاء شكل من أشكال التواصل الثقافي.

كثيرون يتحدثون عن نشاطاتك في هذا الجانب؟
الفن له دور كبير كما حدثتك وانا احاول تقديم ندوات وورشات وحفلات بصورة مستمرة في ولايات أمريكية مختلفة لنمثل ثقافة وفن بلادنا أمام الامريكان ولكي نكون على تواصل مع أبناء السودان في الولايات المتحدة بأكبر قدر ممكن.
صحيفة السوداني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق